الدستور
نفتح عيوننا على شاشات لا تنام، نتنقل بين صرخات وألوان وأخبار تتزاحم وتتصارع دون انقطاع، فتهرع أرواحنا ولتدخل نفقا بلا نهاية أو أدنى بصيص لضوء يبرق. كل صورة تجر صورة أقسى منها، وكل حدث يبتلع ما قبله ويبتلعنا معه، حتى وصلنا حالة استنزاف دائم، لا نتوقف حتى لنسأل أين نحن من هذا السيل العرم.
في ما مضى كانت العائلة تلتقي حول مائدة، تتقاسم الطعام والحكايات، واليوم تفتت الجمع إلى جزر معزولة، كل فرد يلوذ بزاويته ويغترب خلف زجاج بارد. حتى الحروب التي كانت تطرق الذاكرة بدمها وصوتها وخبثها، تحولت إلى مشاهد سريعة عابرة، تمر بلا وجع، كأن الألم نفسه صار افتراضيا.
المشكلة ليست في كثرة الأخبار فقط، بل في العجز الذي يسكننا ويتلبسنا. نتابع كارثة وراء كارثة حتى نفقد القدرة على الصدمة، ونكتشف أننا لا نملك فعلا حقيقيا سوى التمرير نحو الأسفل أو ما ينهكنا ليس الكم بل الإحساس اننا شهود بلا حول، نرى ولا نغيّر، نسمع ولا نفعل.
ولأن العالم غرق في هذا الإنهاك، انقلبت النقاشات خصومات، والكلمات لكمات، وغاب المعنى في ضجيج لا يهدأ. فبدل أن نلتقي في اختلافنا ونتفهمه، بتنا نفترق في وهم التفسير والاتهام، وننزلق إلى هاوية ممنهجة.
لكن ألا يزال هناك خيار؟ أيمكن أن نقرر الصمت يوما، ونختار مصادر قليلة صافية، أن نعود إلى كتاب لا يصرخ، إلى يد قريبة يملؤها الدفء لا إلى شاشة باردة. أيمكن أن نعيد بناء علاقتنا بالحياة، لا عبر التصفح الأبله، بل عبر لحظة إدراك لفداحة ما وصلناه.
العالم لا يحتاج إلى متفرجين مرهقين، بل إلى بشر قادرين على ترميم إنسانيتهم، واستعادة دهشتهم الأولى، وتثبيت جذورهم في أرض الواقع حيث الحياة الحقيقية تنبض بعيدا عن ضجيج الشاشات.