الغد-عزيزة علي
قال أستاذ الأدب الجاهلي في الجامعة الهاشمية، الدكتور عمر الفجاوي، إن اللغة العربية تُعدّ منظومةً دلالية وجمالية أسهمت عبر تاريخها في ترسيخ قيم التفاؤل والإيجابية في الوعي الثقافي. وقد أدرك علماء اللغة والبلاغة ما تختزنه ألفاظها وتراكيبها من طاقة معنوية قادرة على تهذيب النفس وصوغ الخطاب بوصفه سلوكًا حضاريًا.
وأضاف الفجاوي في المحاضرة التي نظّمتها جمعية ملتقى سماء الثقافة، أول من أمس في المكتبة الوطنية، وأدارها الشاعر عدنان السعودي، إن اللغة العربية تمتلئ بالإيجابية؛ فلو تأمّلنا كثيرًا من ألفاظها لوجدناها هانئةً نبيلة، تجود بالخيرات الحسان، حتى استقر في الأذهان أن ما يبدو صعب المنال أو خشن الملامح عبّر عنه العرب بتعابير تبعث في النفس الطمأنينة وحسن الظن.
وأضاف المحاضر أن كنّى الأعشى بـ"أبي بصير"، تفاؤلًا بإبصاره رغم عماه، وسمّوا اللديغ "سليمًا"، تفاؤلًا بالسلامة، وسمّي العيد عيدًا لعوده وتكرّره، وقيل لعودة السرور فيه، كما سُمّيت القافلة عند خروجها تفاؤلًا بقفولها سالمة، أي برجوعها، والأمثلة على ذلك كثيرة.
وأوضح الفجاوي: "لو مكنني الله يومًا من قرض الشعر واستدعاء ما استكنّ في الذاكرة من تعظيمٍ للغة العربية، لتوجّهت إلى إحدى سجايا الجاهلية، مستعيرًا من عنترة هاتين اللفظتين اللتين وصف بهما الكأس التي شرب منها بعد ركود الهاجرة، إذ كانت كأسه مشوفًا معلّمًا، أي الزجاجة النقية الصافية"، مستشهدًا بقوله: "ولقد شربتُ من المُدامةِ بعدما/ركدَ الهواجرُ، بالمشوفِ المعلَّمِ".
وأينما التفتَّ، ومتى قرأتَ، وجدتَ نفح الإيجابية المتدفّق من هذه اللغة يضوع عرفًا طيبًا، ويشدّ أريجًا زكيًا؛ فألفاظها سحرٌ حلال، وتعابيرها يفوح منها العبير، وتلقي في النفس نضرةً وسرورًا، كأنك متكئ على الأرائك، لا تظمأ ولا تضحى.
وقدم المحاضر تعريف بالثقافة الإيجابية فهي: "خلقٌ كريم ينشأ من صلاح البال وطمأنينة النفس، ويظهر أثره في عذب الكلام على اللسان، أو في الهيئة والسلوك"، ولا يستقيم هذا التعريف دون إيضاح المصطلح "النَّصْبَة"، الذي أورده الجاحظ وأفاض في شرحه في كتابه البيان والتبيين.
وأشار الفجاوي إلى ما قاله أبو عثمان الجاحظ: أن "جميع أصناف الدلالات على المعاني من لفظ وغير لفظ خمسة أشياء لا تنقص ولا تزيد: أولها اللفظ، ثم الإشارة، ثم العقد، ثم الخط، ثم الحال التي تُسمّى نصبة؛ والنصبة هي الحال الدالة التي تقوم مقام تلك الأصناف، ولا تقصر عن تلك الدلالات".
ويقول الجاحظ في موضعٍ آخر: "وفي الإشارة بالطرف والحاجب وسائر الجوارح مرفقٌ كبير، ومعونةٌ حاضرة، في أمورٍ يسترها بعض الناس عن بعض، ويخفونها عن الجليس وغير الجليس. ولولا الإشارة لما تفاهَم الناس معاني الخاصّ من الخاصّ، ولجهلوا هذا الباب جهلًا تامًّا".
وأوضح المحاضر قال الشاعر في دلالات الإشارة: "أشارت بطرف العين خيفةَ أهلها/إشارةَ مذعورٍ ولم تتكلّمِ/فأيقنتُ أن الطرفَ قد قال مرحبًا/وأهلًا وسهلًا بالحبيب المتيَّمِ". وأما "لنَّصْبَة"، فهي الحال الناطقة بغير لفظ، والمشيرة بغير يد، وهي ظاهرة في خلق السماوات والأرض، وفي كل صامتٍ وناطق، وجامدٍ ونامٍ، ومقيمٍ وظاعن، وزائدٍ وناقص؛ فالدلالة في الجماد الموات كالدلالة في الحيوان الناطق، إذ إن الصامت ناطق من جهة الدلالة، والعجماء معربة من جهة البرهان.
وبين الفجاوي إذا اتخذنا هذا التعريف ضوءًا في طريقنا، تبيّن لنا أن العربية لغة تقطر إيجابية؛ فلو نقّبت في كثير من ألفاظها لوجدتها هادئةً نبيلة، تجود بالخيرات الحسان، حتى استقر في الأذهان أن ما يبدو صعب المنال أو خشن الملامح عبّر عنه العرب بتعبير يبعث في النفس صلاح البال.
ورأى المحاضر ان ذلك نابع مما انطوت عليه نفوسهم من نزعةٍ إلى بثّ الأمل والمحبة في المتلقي. ويذكر أبو بكر ابن الأنباري عن الأصمعي قوله: "المفازة المهلكة، وإنما سُمّيت مفازةً من الفوز، تفاؤلًا لصاحبها بالفوز، كما سمّوا الأسود أبا البيضاء تفاؤلًا، وسمّوا اللديغ سليمًا تفاؤلًا بالسلامة".
وفي هذا الباب، حسب الفجاوي، ان ما أورده ابن سيده في كنية الأعشى؛ إذ كُنّي أبا بصير تفاؤلًا بإبصاره، مع أنه كان أعشى، وقد كُفّ بصره في أواخر حياته. وكذلك كُنّي ملك الموت أبا يحيى، فيقول ابن سيده: "وقد كُنّي الأعشى أبا بصير على القلب، وقيل تفاؤلًا، كما كنّوا ملك الموت أبا يحيى".
وأشار المحاضر إلى ما ذهب له "الفيروزآبادي"، في معنى التوديع مذهبًا إيجابيًا لطيفًا، فقال: "والتوديع عند الرحيل معروف، وهو تخليف المسافر الناس خافضين وادعين، وهم يودّعونه إذا سافر تفاؤلًا بالدَّعة التي يصير إليها إذا قفل، أي يتركونه وسفره".
وأكد الدكتور الفجاوي أن العربية لغة تقطر بثقافة الإيجابية، ولا شيء أدعى إلى الزهو بها من أن يكون المتحدث بها لين العريكة، عذب القول. وقد نقل عن مصعب بن عبد الله الزبيري قوله: "قال لي رجل من أهل الأدب فارسيّ النسب: إن ثلاثة ضروب من الرجال لا يستوحشون في غربة، ولا يقصّرون عن مكرمة: الشجاع حيث كان، فالناس بحاجة إلى شجاعته وبأسه؛ والعالِم، فالناس بحاجة إلى علمه؛ والحلو اللسان، فإنه ينال ما يريد بحلاوة لسانه ولين كلامه".
وأشار المحاضر إلى حلاوة اللسان التي تفيض بها العربية، فتنساب عسلًا صافيًا في أقوال البلغاء، دالّةً على إيجابية سامية. فقد وفد حاجب بن زرارة التميمي على كسرى في سنة جدب، فقال له الحاجب عند الباب: من أنت؟ قال: رجل من العرب. فلما دخل على كسرى قال له: من أنت؟ قال: سيد العرب. فقال: ألم تقل بالباب إنك رجل من العرب؟ قال: كنتُ بالباب رجلًا منهم، فلما مثلتُ بين يدي الملك سُدتُهم. فأُعجب كسرى بجوابِه، فملأ فمه دررًا.
وشكا حاجب إلى كسرى قحط الحجاز، وطلب منه حمل ألف بعير من البرّ، على أن يردّ قيمتها. فقال له كسرى: وما ترهنني على ذلك؟ قال: قوسي. فاستعظم كسرى همّته، وقَبِل رهنه، وأعطاه ما طلب. فلما تُوفي حاجب، قدم بنوه بالمال إلى كسرى بعد موته، وأدّوا الدين، واستردّوا قوس أبيهم، فافتخرت تميم بذلك.
لقد قضت حلاوة لسان حاجب حاجته عند كسرى، غير أن إيجابية اللغة التي صاغت بيانه امتد أثرها إلى قيمة الوفاء والصدق، حين وفّى أبناؤه بالدَّين بعد وفاته، ليغدو البيان خلقًا، لا مجرد كلام. وهذه الإيجابية الكامنة في العربية تحملنا على النظر إلى الأشياء بعين الجمال والرونق.