عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    16-Feb-2026

أميركا لم تعد حليفا موثوقا.. وهو أمر مقلق

 الغد

روبرت فوكس* - (الإندبندنت) 2026/2/3
 
يتحدث رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، بإسهاب، عن الردع النووي البريطاني بوصفه عنواناً للقوة والاستقلال. غير أنّ هذا الخطاب يخفي واقعاً دفاعياً هشاً تقوم فيه القدرات الأساسية على اعتماد عميق وخطير على الأنظمة الأميركية. ويترافق ذلك مع قوات تقليدية ناقصة التمويل واستراتيجية عفا عليها الزمن؛ وهو ارتهان يضعف صدقية الردع البريطاني ويقوّض قدرة المملكة المتحدة على الاستعداد لحروب المستقبل في عالم أميركي متقلّب.
 
 
حين أدلى كير ستارمر هذا الشهر، من مقر إقامته في "داونينغ ستريت"، بتصريحه المجلجل عن الوقوف إلى جانب سيادة غرينلاند والدنمارك، فإنه رفع الردع النووي البريطاني بوصفه رمز قوة بريطانيا العسكرية واستقلالها.
ولكن، كان يجدر برئيس الوزراء أن يستحضر قصة ذات دلالة من زيارة قام بها مراسلو شؤون الدفاع إلى "قاعدة فاسلين البحرية للغواصات النووية: في اسكتلندا قبل بضعة عقود"؛ وهي قصة أصبحت اليوم أقرب إلى الأسطورة منها إلى الحقيقة المتداولة. وفيها دُعي الصحفيون للاطلاع على مرافق جديدة خلال التحديث من صواريخ "بولاريس" إلى "بوسيدون"، وطُلب منهم الانتظار داخل مكتب جانبي. وعندئذ لفتت انتباههم ملصقات تظهر عليها صور صواريخ مزينة بملصقات "هيرتز" لتأجير السيارات -وهي شركة أميركية كانت تؤجر سيارات لكل الذين ينتقلوا للعمل هناك. وعندما سألوا عن الأمر، رد عليهم أحد الجنود بنبرة ساخرة بما معناه أن ذلك "مناسب" ما دامت "كل منظومة الصواريخ تقريباً هي الآن مستعارة أو مستأجرة من الولايات المتحدة".
وقد تسرب الخبر بسرعة -ربما عن طريق محطات البث المحلية. وبحلول الوقت الذي عاد خلاله الصحفيون المخضرمون في الشؤون الدفاعية إلى مقرهم داخل لندن، أصبح "نظام الصواريخ المستأجر من هيرتز" سؤالاً طارئاً، وتبادلت الأطراف حوله كلمات حادة في وستمنستر.
في ذلك الوقت، كما هو الحال اليوم، كانت أجزاء واسعة من دفاع المملكة المتحدة -أنظمته ومعداته- مرهونة للأميركيين. ومع زيارة ستارمر للصين هذه الأيام كجزء من زيارة دولة رفيعة المستوى، فإن ما يقلق المؤسسة الدفاعية ليس بكين بقدر ما هو علاقتنا بأقرب حلفائنا. وفي الحقيقة، تعتمد القوات المسلحة البريطانية بفروعها الثلاثة، بشكل أو بآخر، على الولايات المتحدة. كما أن البرامج العسكرية الكبرى في بريطانيا لا يمكن تنفيذها أو استمرارها من دون موافقة ودعم الأميركيين -وهما شيئان أصبحا غير مضمونين على نحو لافت.
من دون هذا الدعم الأميركي، تكاد قدرة بريطانيا على الدفاع عن أراضي الجزر البريطانية بحراً وجواً تكون معدومة. وإذا اضطرت المملكة المتحدة إلى التحرك منفردة، فإنها لن تملك عملياً ما يكفي لصدّ أي اختراق من الجو أو البحر -سواء حدث هذا الاختراق بطائرات مسيرة، أو بعملية تخريب تحت الماء، أو بغواصات، أو بهجمات تستهدف شل شبكات الاتصالات الحيوية وإمدادات الطاقة والوقود. وفي أي لحظة، لا تمتلك بريطانيا مخزوناً غذائياً يكفي أكثر من 10 أيام، في حال قُطعت عنها الإمدادات بالكامل.
ربما كانت مقاتلة "إف-35 لايتنينغ 2" العاملة لدى سلاح الجو الملكي البريطاني والبحرية الملكية أوضح مثال على الكيفية التي يمكن أن تنهار بها المنظومة من دون الأميركيين. فهي باهظة الكلفة، وهي، في نسخة "إف-35 ب" تحديداً، محدودة المدى والحمولة. وتعتمد هذه الطائرات على الولايات المتحدة في الصيانة بعيدة الأمد وفي متابعة التحديثات. وعلى الرغم من أن المملكة المتحدة تعد شريكاً من "المستوى الأول" في هذه الطائرة، وتتحمل مسؤولية 14 في المائة من تصنيعها، فإن القوات البريطانية لا تحصل على كامل طيف القدرات المتقدمة التي تزود بها النسخ الأميركية.
ثم هناك مشكلة أخرى -مدهشة إلى حد يصعب تصديقه. تقع العقدة المركزية للبرمجيات وأنظمة الرادار الخاصة بالطائرة في الولايات المتحدة. وعندما تعرضت طائرة "إف-35" تابعة للبحرية الملكية لعطل ميكانيكي أثناء مناورة في المحيط الهندي واضطرت إلى تحويل مسارها نحو ولاية كيرالا في الهند، أصبحت الطائرة معزولة في بلد قد يكون "معادياً". وعندئذٍ تم -تلقائياً- مسح أنظمتها. وقد تطلب الأمر أسابيع حتى يصل مهندسو برمجيات أميركيون ليقوموا بإعادة تشغيلها واستعادتها.
وتقول القيادة الأميركية إنها تحتفظ بما يشبه "مفتاح قتل/ تعطيل" لبرمجيات ورادارات هذه الطائرات، ليس لطائرات "لايتنينغ" وحدها فقط، بل أيضاً لطائرات "يوروفايتر تايفون" التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني -مع أن هذا الادعاء يظل محل خلاف داخل أروقة الحكومة البريطانية.
أما المشكلة الأعمق التي تواجه قوات الدفاع البريطانية -وكذلك سياستها الخارجية- فتتمثل في غياب ردع تقليدي موثوق. ويفترض الحلفاء الأوروبيون أن تشكل بريطانيا، إلى جانب ألمانيا وفرنسا، قيادة أوروبا الثلاثية (E3) عبر "الناتو" والاتحاد الأوروبي. لكن الواقع اليوم هو أن بريطانيا أقل صدقية من الناحية العسكرية من كليهما. وقد أدت عقود من الإهمال إلى إفراغ القوات من مضمونها: نقص في الأفراد، وشح في التمويل، وقدرات مستنزفة. ولا يملك الجيش البريطاني من العتاد -ومعظمه متقادم- إلا ما يكفي لقوة تقارب 20 ألفاً، وليس 72 ألفاً هم عدد العسكريين الموجودين حالياً تحت السلاح.
يؤدي الاتكال على منظومة "ترايدنت" باعتبارها عماد الردع النووي -وهو ما طرحه كير ستارمر في خطابه من مقر الحكومة بوصفه مصدر قوة- إلى تقييد الاستراتيجية وشلها، وهي التي تلتهم نحو ثلث موازنة التشغيل الدفاعي في المملكة المتحدة، وتستنزف موارد تحتاج بإلحاح إلى تطوير مجالات المستقبل: الاتصالات، والذكاء الاصطناعي، والأنظمة ذاتية التشغيل. أما مخصصات هذه المجالات في المراجعة الدفاعية الأخيرة فتكاد لا تذكر.
لا بد إذن من مخرج. وأحد الخيارات هو أن توضع الأنظمة النووية في إطار مشترك واحد مع فرنسا، إلى جانب شركاء أوروبيين آخرين مهتمين، مثل هولندا وألمانيا وإيطاليا.
مضى على عقيدة الردع النووي الآن نحو 80 عاماً، وتحولت مع الزمن إلى مسلمة جامدة تهيمن على التفكير الدفاعي، على حساب الاستجابة الجدية لمجالات الحرب الجديدة. وأصبح التركيز المفرط على الردع النووي يعوق الاستثمار في ميادين حاسمة، مثل الذكاء الاصطناعي والأنظمة ذاتية التشغيل على الأرض وفي الفضاء، والحوسبة الكمومية. وعلى الرغم من أن هذه التحولات لم تعد افتراضية، فإن مراجعة الدفاع لا ترصد للذكاء الاصطناعي سوى 200 مليون جنيه استرليني كموازنة تجريبية.
ربما قدم الرئيس الأميركي دونالد ترامب -بتباهيه الأجوف وفظاظته المجانية- خدمة غير مقصودة لبريطانيا وأوروبا. فقد فرض سلوكه لحظة مواجهة مع النفس. علينا أن نفكر بجدية في صلابتنا، واستراتيجيتنا، ودفاعنا بريطانياً وأوروبياً على حد سواء. ويجب أن يكون هذا التفكير رصيناً وواقعياً، لأن النظرة "الترامبية" لدور أميركا في العالم متقلبة ومفرطة في المبالغة. ولا ينبغي استبعاد أي شيء -بما في ذلك تقليص الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة وإعادة تقييم الاتكال على الردع النووي الأنغلو-أميركي.
 
*روبرت فوكس Robert Fox: صحفي ومحلل بريطاني متخصص في الشؤون الدفاعية والأمن الدولي، يكتب في صحيفة "الإندبندنت". يعد من أبرز الصحفيين البريطانيين في قضايا الحروب والسياسة العسكرية. غطّى على مدى عقود نزاعات دولية عدة، من البلقان إلى الشرق الأوسط، وعُرف بتحليلاته للشؤون الاستراتيجية وعلاقاته الواسعة داخل الأوساط العسكرية والدبلوماسية. كما شارك في تقديم برامج وتحليلات إذاعية وتلفزيونية حول قضايا الأمن والدفاع.