العقدة الصعبة| أ.د. صلاح العبادي
الرأي-
سلاح الفصائل العراقيّة تحت الضوء في العراق، خصوصًا بعد المطالب الأمريكية بضرورة نزعه.
ما يثير تساؤلاتٍ بشأن إذا ما كان من الممكن أن يتعرض العراق لمواجهة شبيهة بما يحدث في لبنان.
يأتي هذا بعد ما أعلنت ستة فصائل عراقيّة موالية لإيران عن رفضها القاطع البحث في مسألة سلاحها قبل ما وصفته التخلص من كل أشكال الاحتلال، في إشارة واضحة إلى الوجود العسكري الأمريكي في العراق.
رد هذهِ الفصائل المنضوية ضمن الحشد الشعبي جاء جوابا على الدعوات المتصاعدة داخليًا وخارجيًا لحصر السّلاح بيد الدولة لا سيما من واشنطن التي كثفت ضغوطها في الأشهر الماضية خصوصًا بعد الانتخابات التشريعيًة في تشرين ثاني من العام الماضي.
رئيس الحكومة العراقيّة محمد السوداني كان قد حاول ضبط الإيقاع من خلال القول بأنّ حصر السّلاح بيد الدولة قرارٌ عراقيٌ صرف، بعيدًا عن أي إملاءات خارجيّة، في رسالة توازنٍ بين الضغط الأمريكي وحساسية الداخل.
السوداني أكّد أن قرار حصرية السّلاح قرارٌ عراقيٌ خالصٌ لا يخضع لأي تدخلات خارجيّة، وهو خطاب آخذ في الاتساع مع استمرار الدعوات، لا من رأس السلطة التنفيذيّة فقط، وإنما من قبل رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان إلى جانب رئيس أكبر كتلة نيابيّة، وهي الإطار التنسيقي والمنضوي تحتها فصائل مسلحة باتت ثقلا نيابيا في البرلمان العراقي.
والأهم هو رمزية ودلالة انطلاق هذهِ الدعوات، وهو الحدث الذي يخلّد ذكرى قاسم السليماني وأبو مهدي المهندس.
حديث السوداني لم يلقَ صدى بين الفصائل؛ حيث يأتي ذلك في وقت طلبت الولايات المتحدة من الحكومة المقبلة، التي ما يزال التفاوض جاريًا لاختيار رئيسها باستبعاد ستة فصائل تصنّفها إرهابيّة والعمل على تفكيكها.
فهذهِ عقدة تواجهها الحكومة الآن مع اصرار ستة من الفصائل بعدم حصر السّلاح بيد الدولة، إلا بشرط خروج الاحتلال كما تصفه، وهو ما يثير تساؤلا حول إذا ما كان الأمر متعلقا بالضغط الإيراني على هذهِ الفصائل؟!.
خطاب الفصائل يتحدث عن الالتزام بالاستقرار وهو الأمر الذي تعمل عليه الحكومة وفقاً لبرنامجها الحكومي منذ العام ألفين وإثنين وعشرين؛ فالاستقرار هو الأساس؛ لكن بالمقابل قد تكون الأمور مختلفة في الوقت الحالي، وكون هذهِ المطالب تقع في دائرة الشروط الواضحة والمرتبطة في إنهاء التحالف الدولي، وهو الأمر الذي قام العراق به ضمن المرحلة الأولى، للانتقال إلى المرحلة الثانية في شهر أيلول المقبل من العام الحالي، وهو الأمر الذي سيناط في الحكومة العراقيّة المقبلة، التي قد يكون من برنامجها إنهاء التحالف الدولي ونقل العلاقات إلى علاقات ثنائيّة، والعودة إلى مرحلة ما قبل سقوط الموصل؛ وهي عدم وجود التحالف الدولي، والعودة إلى العلاقات الطبيعية مع الولايات المتحدة الأميركية.
الجدل الدائر حول حصريّة السّلاح يقع في اطار الجدل السياسي، أمّا هذه الفصائل فعملها يقع ضمن الاطار الاستراتيجي للالتزام بعمل الحكومة العراقيّة، والحفاظ على الأمن القومي العراقي.
فهل يؤثر قرار حصريّة السّلاح على العلاقة مع الولايات المتحدة؟.
من يتابع المشهد يدرك بأنّ ملف حصريّة السّلاح بيد الدولة قد عاد إلى المشهد من جديد، في لحظة إقليميّة شديدة الحساسيّة، تختبر فيها بغداد مفهوم السيادة وحدود القرار الوطني.
مع هذا الملف وتشابكاته وتعقيداته يجد العراق نفسه أمام اختبارٍ حاسم، لترسيخ سلطة الدولة وحماية الاستقرار دون انزلاق في صدامٍ داخلي أو مواجهة إقليميّة مفتوحة.
الضغوط على بغداد وملف حصر السّلاح لا يمكن أن تأتي في وقت أكثر حساسيّة من الوقت الحالي؛ فالعراق أجرى مؤخرًا انتخاباتٍ برلمانيّة، وينتظر أن ينتج عنها حكومة جديدة، وهو أمر ما يزال معلقًا بانتظار التوافقات السياسيّة كما هي العادة في مشهده السياسي.
التوجه هو عدم وجود فصائل مسلّحة خارج إطار الدولة، في وقت يشار إلى نجاح الحكومة العراقيّة في إبعاد البلاد عن الوضع الإقليمي المتوتر، وهذا لا ينفي وجود تحديات صعبة.
الحكومة العراقيّة تحرص على تعزيز قوّة العراق واستقلاله وسيادته وحمايته من كلِ خطر، رغم محاولات إقحامها في ساحة حربٍ واستهدافها خلال أحداث السابع من أكتوبر من العام ألفين وثلاثة وعشرين، وبعد هذهِ الأحداث من أجل تنفيذ مخططاتٍ خارجيّة.
حصر السّلاح بيد الدولة العراقيّة، هو تأكيد على أنّ من حمل السلاح في وقت الحرب هو أول من يجب أن يلتزم بالقانون في وقت السِلم.
ويبقى السؤال إذا كان قرار حصر السّلاح قرارا عراقيا بحتا دون تدخلات خارحيّة؛ فلماذا يتعثر هذا الملف على مرّ الحكومات المتعاقبة؟.
وماذا لو رفضت الفصائل تسليم سلاحها للدولة العراقيّة ما هو المنتظر؟ وهل الوقت اليوم في صف مصلحة هذهِ الفصائل؟!.
وهل سيكون العام الحالي هو عام إنهاء الميليشيات المسلّحة المدعومة من إيران في المنطقة ؟!.
"الرأي"