عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    24-Feb-2026

تفكيك "خطة سلام" ترامب لغزة.. حوار مع نورمان فينكلستاين (3/1)

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
كريس هيدجز* - (تقرير كريس هيدجز) 15/1/2026
كان انتهاك القانون سِمةً مشتركة ميّزت أحداث الأسابيع الأولى من العام الجديد. ثمة اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو؛ ومقتل رينيه غود على يد عميل في "وكالة الهجرة والجمارك" الأميركية يُدعى جوناثان روس؛ وتهديد إدارة ترامب بقصف إيران. وربما تكون واحدة من أسوأ الانتهاكات القانونية قد مرّت من دون تدقيق وسط هذا الكمّ من الفوضى -الإبادة الجماعية المستمرة بحق الفلسطينيين في غزة، وتواطؤ الأمم المتحدة في دعم جهود إسرائيل والولايات المتحدة لتطهير المنطقة عرقيًا.
يَعرف البروفيسور نورمان فينكلستاين، المؤلف والباحث في شؤون الشرق الأوسط، أكثر من أي شخص آخر كيف ينبغي تفسير التحركات الدولية التي تصدر عن الأمم المتحدة في ما يتعلق بفلسطين وإسرائيل. وعن اعتماد القرار 2803 (2025) في تشرين الثاني (نوفمبر)، يقول فينكلستاين لمقدّم البرنامج كريس هيدجز: "[هذا القرار] ألغى سبعين عامًا من تاريخ الأمم المتحدة... [لقد] منح غزة لدونالد ج. ترامب".
ويشير فينكلستاين إلى أن القرار يضفي الشرعية على الأهداف الإثنو-قومية والإمبريالية لإسرائيل والولايات المتحدة، ويقوّض قدسية القانون الدولي وينزع عنه شرعيته. ويشرح بالقول: "كان هناك إجماع قوي حول كيفية حلّ النزاع، ما يعني أن إسرائيل لم يكن لديها ما تستند إليه. ولكن خمن ماذا حدث؟ لقد أصبح لديها الآن ما تستند إليه. لديك أنت هنا".
***
النص الكامل للحوار
كريس هيدجز: في تشرين الثاني (نوفمبر)، حصلت خطة السلام الأميركية -"خطة الرئيس دونالد ج. ترامب الشاملة لإنهاء الصراع في غزة"- على موافقة معظم أعضاء مجلس الأمن الدولي، في فعلٍ ينطوي على خيانة صادمة للشعب الفلسطيني، بينما امتنعت الصين وروسيا عن التصويت. وهكذا، غسلَت الدول الأعضاء أيديها من غزة، وأدارت ظهورها للإبادة الجماعية.
كان اعتماد القرار 2803 (2025)، كما يكتب الباحث في شؤون الشرق الأوسط نورمان فينكلستاين، "في آنٍ معًا كشفًا عن إفلاس أخلاقي؛ وإعلانَ حربٍ على غزة. من خلال إعلان بطلان القانون الدولي، أعلن ’مجلس الأمن‘ بطلان نفسه. وعندما يتعلق الأمر بغزة، تحوّل ’المجلس‘ إلى مؤامرة إجرامية".
من المفترض أن تشهد المرحلة التالية قيام حركة "حماس" بتسليم سلاحها وانسحاب إسرائيل من غزة. غير أنّ هاتين الخطوتين لن تتحققا أبدًا. من جهتها، ترفض "حماس" -إلى جانب فصائل فلسطينية أخرى- قرار مجلس الأمن، وتؤكد أنها لن تنزع سلاحها إلا عندما ينتهي الاحتلال وتُقام دولة فلسطينية. وعلى الجانب الآخر، توعّد رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، بأنه إذا لم تُنزع أسلحة "حماس"، فإن ذلك سيحدث "بالطريقة الصعبة".
سوف يتولى ما يُسمّى "مجلس السلام"، برئاسة ترامب، إدارة غزة ظاهريًا، إلى جانب مرتزقة مسلحين من "قوة الاستقرار الدولية" المتحالفة مع إسرائيل -على الرغم من أن أي دولة لا تبدو متحمسة لإرسال قواتها. ويعِد ترامب بتحويل غزة إلى "ريفييرا غزة" تعمل بوصفها "منطقة اقتصادية خاصة" -أي إقليمًا يعمل خارج إطار قانون الدولة، ويدير شؤونه بالكامل مستثمرون من القطاع الخاص، على غرار "مدينة الامتياز" التي يدعمها بيتر ثيل في هندوراس.(1)
سيتم إنجاز ذلك من خلال "الترحيل الطوعي" للفلسطينيين -حيث ستُعرض على أولئك المحظوظين الذين يملكون أراضي في القطاع رموزٌ رقمية في مقابلها. ويعلن ترامب أن الولايات المتحدة "ستتولى السيطرة على قطاع غزة" و"ستمتلكه". وهذه عودة إلى حكم "نوّاب الملوك" (2) -وإن كان ذلك من دون توني بلير البغيض، على ما يبدو. أما الفلسطينيون، وفي واحدة من أكثر نقاط الخطة استحقاقًا للسخرية، فسيتم "نزع تطرّفهم" على يد أسيادهم الاستعماريين الجدد.
لكنّ هذه الأوهام لن ترى النور. تعرف إسرائيل تمامًا ما تريد أن تفعله في غزة، وتعلم أنها ليست هناك دولة ستتدخل. وسيكافح الفلسطينيون من أجل البقاء في ظروف بدائية ولا إنسانية. وسيتعرضون للخذلان والخيانة -كما حدث لهم مرارًا وتكرارًا في الماضي.
شهد شهر كانون الأول (ديسمبر) السماح بدخول ما معدّله 140 شاحنة مساعدات يوميًا إلى غزة -بدلًا من 600 شاحنة تم التعهّد بإدخالها- وذلك لإبقاء الفلسطينيين على حافة المجاعة وضمان انتشار سوء التغذية على نطاق واسع.
وفي تشرين الأول (أكتوبر)، تم تشخيص نحو 9.300 طفل دون سن الخامسة في غزة بسوء تغذية حاد وخطير، وفقًا لـ"اليونيسف". وقد فتحت إسرائيل معبر رفح الحدودي مع مصر -لكن فقط للفلسطينيين الذين يغادرون غزة. وهو غير مفتوح لأولئك الذين يريدون العودة إلى غزة، خلافًا لما ينص عليه الاتفاق.
وقد استولت إسرائيل على نحو 58 في المائة من مساحة غزة، وتواصل تحريك خط الترسيم -المعروف باسم "الخط الأصفر"- بشكل مطّرد لتوسيع نطاق احتلالها. وغالبًا ما يُقتل الفلسطينيون الذين يعبرون هذا الخط التعسفي -الذي يتغير باستمرار وتوضح علاماته بشكل سيئ، إذا وُضعت أصلًا.
وبحسب تقديرات الأمم المتحدة، تضرّر -أو دُمّر- نحو 92 في المائة من المباني السكنية في غزة، كما تضرّر نحو 81 في المائة من جميع المنشآت. وجرى تحويل القطاع، الذي يبلغ طوله نحو 20 ميلًا وعرضه سبعة أميال ونصف، إلى ما يقارب 61 مليون طن من الأنقاض، من بينها تسعة ملايين طن من النفايات الخطرة التي تشمل "الأسبستوس"، والنفايات الصناعية، والمعادن الثقيلة، بالإضافة إلى ذخائر غير منفجرة، ونحو 10.000 جثة متحللة.
لا يكاد يتوافر أي ماء نظيف، ولا كهرباء، ولا معالجة لمياه الصرف الصحي. وتمنع إسرائيل دخول شحنات مواد البناء، بما في ذلك الإسمنت والحديد، ومواد الإيواء، والبنية التحتية للمياه، والوقود، بحيث لا يمكن إعادة بناء أي شيء. وحتى تُفاقم الأزمة الإنسانية، ألغت إسرائيل تراخيص 37 منظمة غير حكومية دولية، من بينها "منظمة أطباء بلا حدود".
ويأتي ذلك في أعقاب حظر إسرائيل لـ"وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين" (الأونروا)، التي توفّر معظم المساعدات الإنسانية للفلسطينيين في غزة والضفة الغربية والشتات؛ وقطع المياه والكهرباء والوقود ووسائل الاتصال عن منشآت (الأونروا)، فضلًا عن إقرار تشريعات تمنح إسرائيل القدرة على مصادرة ممتلكات الأمم المتحدة في القدس الشرقية، بما في ذلك المقر الرئيسي لـ(الأونروا) ومركزها الرئيسي للتدريب المهني.
ينضم إليّ لمناقشة استمرار الاعتداء على الفلسطينيين وفشل المجتمع الدولي في التدخل البروفيسور نورمان فينكلستاين، مؤلف العديد من الكتب عن الشرق الأوسط، من بينها: "غزة: تحقيق في استشهادها"؛ و"صناعة الهولوكوست"؛ وكتابه المرتقب صدوره في آذار (مارس) بعنوان "حفّارو قبور غزة".
إذن، يا نورمان، لنبدأ بالتصويت الذي جرى في "مجلس الأمن" في 17 تشرين الثاني (نوفمبر) 2025. ثلاثة عشر صوتًا مقابل صفر، مع امتناعين، كما ذكرتُ في المقدمة. وقد أصابني الذهول منه بقدر ما أصابك -تحديدًا لأن هذا ليس بأي حال من الأحوال مقترحًا جديًا. وقد تم تجاهل مقترحات أخرى تتعلق بوقف إطلاق النار والاتفاقات وما إلى ذلك، لكنّ هذا المقترح تحديدًا لم يكن يتمتع بأي قدر من المشروعية أصلًا.
وأنتَ، وأعتقد أنك محق في ذلك، تُقَرِّع الدولَ الأعضاء بشدة على دعمها لهذا القرار. كما أنك تشير إلى أن ما جرى يشكل لحظةً فاصلة في تاريخ الأمم المتحدة نفسها، التي -كما أوضحتَ- حاولت تقليديًا أن تحافظ، ولو شكليًا، على القانون الدولي. ما نشهده هنا هو تخلٍّ كامل عن أي ادعاء بالالتزام بالقانون الدولي. هل يمكنك أن تشرح لنا دلالة هذه اللحظة؟
 
نورمان فينكلستاين: حسنًا، أعتقد أن من الجيد هنا أن نبدأ بالتصريحات التي أدلت بها روسيا والصين عندما امتنعتا عن التصويت على القرار. الآن، روسيا والصين قوتان عظميان بطبيعة الحال، وهناك قدر كبير من البراغماتية والحسابات الباردة في كل ما تقولانه. ومع ذلك، وجدتُ شخصيًا أن التصريح الروسي، على وجه الخصوص -وإن كان التصريح الصيني جيدًا أيضًا- كان مقنعًا وصادقًا.
قال بعض الناس إن امتناع الصين (عن التصويت) جاء في إطار مقايضة: غزة مقابل أوكرانيا. وأنا متأكد أن هذا الحساب دخل بالفعل في الصورة. لن أدّعي السذاجة... أنا لست ساذجًا. لكنني رأيتُ أن التصريح الروسي قال أمرين مهمين بالنسبة لنا -بل ثلاثة أمور في واقع الأمر.
أولًا، قال الروس، في الجوهر، إنّ ترامب -أو فريق ترامب- قال لهم: إذا لم توقعوا على هذا القرار، فإننا سنعطي إسرائيل الضوء الأخضر لإبادة غزة. إما أن تقبلوا بهذه اللعبة، أو أن ينتهي وقف إطلاق النار، وتدخل إسرائيل، ولن نضع أي قيود أو كوابح على ما ستفعله.
كان هذا إشكالًا حقيقيًا. علينا أن نكون صادقين بشأن حجم المعضلة. كنتُ غاضبًا إلى حدٍّ لا يوصف مما جرى. لا أستطيع أن أصف لك ذلك -كنت أمشي في الشوارع وأنا ألعنُ هؤلاء الناس. لكن يجب أن أكون منصفًا بشأن المشكلة التي واجهوها، وبشأن المأزق الذي وُضعوا فيه.
ثانيًا، قال الروس إن جميع الدول العربية والإسلامية، وكذلك السلطة الفلسطينية ودولة فلسطين، رحّبت بالقرار. وقالوا: ماذا كان يُفترض بنا أن نفعل؟ كنا سنبدو وكأننا أكثر تديّنًا من البابا نفسه. لم يكن أمامنا خيار.
كانوا يكرهون القرار، وكان ذلك واضحًا، وكذلك الصينيون. لكنهم قالوا: (كل الدول العربية والإسلامية) -كلهم خرجوا مؤيدين. فماذا تفعل في مثل هذا الوضع؟ كانت هذه معضلة حقيقية. علينا أن نعترف بذلك: كانوا يواجهون مشكلة حقيقية فعلًا.
وهكذا تم تطويق الروس، كما جرى تطويق الصينيين. ومع ذلك، قال الروس أيضًا -وقد فاجأتني صراحتهم- إن هناك قدرًا هائلًا من ليّ الأذرع. وقد استخدموا هذا التعبير حرفيًا. قالوا إن ضغوطًا مكثفة مورست في العواصم، وفي أروقة الأمم المتحدة، على المسؤولين والمندوبين.
ثم قالوا -وبنبرة مباشرة لافتة: "هذا يوم أسود في تاريخ الأمم المتحدة".
و، أتعرف ماذا كانت كلماتهم الأخيرة؟ كانت كلماتهم الأخيرة: لا تقولوا إننا لم نحذّركم. وبدا لي ذلك معبّرًا للغاية. أتدري بماذا ذكّرني؟ ذكّرني بخطاب أندريه غروميكو في العام 1947، حين ألقاه -وغروميكو، كما تعلم، كان ذراع ستالين، وليس في قلبه الكثير من الدفء- لكنه ألقى خطابًا بالغ التأثير. وأظن أن...
 
كريس هيدجز: كان ذلك (الخطاب) عن إنشاء دولة إسرائيل، أليس كذلك؟
 
نورمان فينكلستاين: نعم، نعم. وكان خطابًا مؤثرًا بعمق. كل يهودي من تلك الحقبة يتذكره. وقد شعرتُ بأن هناك قدرًا معيّنًا مِن... نعم، إنها قوة عظمى. نعم، إنها روسيا. نعم، بوتين كذا وبوتين كذا. لكنني مع ذلك شعرتُ بأن هناك درجة من الصراحة لدى روسيا في الإقرار بأن شيئًا فظيعًا قد حدث في الأمم المتحدة. ثمة بلطجي، مجرم مختلّ ذهنيًا ومصاب بجنون العظمة، كُرةُ هدم بشرية، دمر للتو الأمم المتحدة.
الأمم المتحدة، بالنسبة لي في هذه المرحلة -لا أريد أن أقول "بالنسبة لي"، فأنا لست القضية- الأمم المتحدة اليوم جثة متعفنة. إنها ميتة. لأن ما فعله ذلك القرار، بالنسبة لأولئك الذين يتابعون هذه الأمور -وأنت تعلم أنني كرّستُ حياتي كلها لمتابعتها بأقصى درجات التدقيق- هو أنه ألغى سبعين عامًا من تاريخ الأمم المتحدة. ألغى ما راكمته "الجمعية العامة"، و"مجلس الأمن"، و"محكمة العدل الدولية"، وسائر الأقسام واللجان المختلفة في المنظمة.
كان سجلّ الأمم المتحدة حصيلة سبعين عامًا من الجدل، والنقاش، والتسويات، والتوافقات. كل ذلك التاريخ تلاشى في هذا القرار الصادر عن الأمم المتحدة. إنك لو ذهبت الآن وفتحته (السجل) على شاشتك، وذهبتَ مثلًا إلى القرار الأممي التقليدي المعنون "التسوية السلمية لمسألة فلسطين".
يصدر هذا القرار في نهاية تشرين الثاني (نوفمبر) أو مطلع كانون الأول (ديسمبر) من كل عام، أليس كذلك؟ هل تعلم كيف يبدأ؟
هل تعلمون بماذا يبدأ؟ يبدأ بمقدمة، ببديباجة تمتد من خمس إلى سبع صفحات، وتستعرض كامل السجل التاريخي؛ كل ما قررته هذه الهيئة على مدى عقود. أما في قرار "مجلس الأمن" الجديد هذا، فليست له أي مقدمة ولا ديباجة.
يبدأ القرار كما لو أنه عن شيء بصفحة بيضاء تمامًا؛ كأن التاريخ لم يكن موجودًا أصلًا. تم إلغاء هذا التاريخ بقرار أممي واحد. اختفى. ولذلك كانت هذه لحظة كئيبة ومهيبة. والآن، في مواجهة هذه الحقيقة، وفي مواجهة حقيقة أننا نتعامل -كما كانت تقول والدتي الراحلة- مع "خنازير ترتدي قفازات بيضاء" في إشارة إلى النخب الحاكمة؛ فإن هذا كان خنزيرًا بلا قفازات بيضاء. بلطجي. بلا أي تهذيب. بلا أي لباقة. بلطجي. فماذا تفعل؟
وهنا، رأيي هو التالي: إذا وقّعتَ لأنك، أولًا، تتعامل مع بلطجي؛ وثانيًا، لأن هذا البلطجي يهددك بأنك إن لم توقّع، فلن نكسر ركبتيك نحن، لكننا سنسمح لإسرائيل بكسر ركبتي غزة؛ وثالثًا، لأن جميع الدول العربية والإسلامية، وأكبر دول العالم -ونحن نتحدث هنا عن إندونيسيا، وإندونيسيا هي رابع أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، وباكستان، ومصر، والسعودية- جميعها أيّدت القرار... فماذا تفعل؟
ما كان بوسعكم فعله -لو كان لديكم شيء من الصلابة الأخلاقية- هو أن توقّعوا قائلين: نريد إنقاذ غزة من الهجوم الإبادي الذي تشنه إسرائيل. حسنًا؟ ولكن كان بإمكانكم، في الوقت نفسه، أن تقولوا الحقيقة. لم يكن على الجزائر أن تُسبغ المديح على ترامب. هل تعلم ماذا قالت الجزائر؟ قالت إن ترامب جلب السلام إلى العالم. لم يكن عليكم أن تفعلوا ذلك. لا، الجزائر مضت لاحقًا إلى انتقاد القرار. ولكن هل كان لا بد حقًا من تقبيل أقدام السيّد؟ لا. كان ذلك مُهينًا. كان مثيرًا للشفقة. كان بوسعكم أن تُبرزوا المعضلة، كما فعلت روسيا. ولكن لم يكن عليكم أن تتذلّلوا. لم يكن عليكم أن تكونوا متملّقين. كان ذلك غير مقبول.
 
كريس هيدجز: أريد فقط أن أوضح ما تفعله في مقالك حول سبب كون هذه اللحظة مدمّرة إلى هذا الحد. لأنه حتى الآن، كانت الأمم المتحدة، على الأقل، تُظهر قدرًا من الالتزام الشكلي أو الولاء اللفظي للقانون الراسخ الذي يعتبر إسرائيل قوة احتلال.
وهذا، على حد تعبيرك أنت؛
"يجب على إسرائيل أن تمتنع عن... عرقلة الشعب الفلسطيني عن ممارسة حقه في تقرير المصير، بما في ذلك حقه غير القابل للتصرف في السلامة الإقليمية على كامل الأرض الفلسطينية المحتلة"، وأن "الوجود الإسرائيلي المستمر في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني... وبناءً على ذلك، فإن على إسرائيل التزامًا بإنهاء وجودها في الأرض الفلسطينية المحتلة في أسرع وقت ممكن".
أنت هنا تقتبس عن محكمة العدل الدولية، وهذا أيضًا قولك:
"هذا الإجماع القانوني القوي والمستدام تبلور بعد مداولات مطوّلة امتدت قرابة ثمانية عقود داخل أجهزة متعددة من الأمم المتحدة، وكان مرتكِزًا على قواعد أساسية من القانون الدولي: حظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وحق الشعوب في تقرير المصير. لكنّ القرار الأممي الجديد ألقى بهذا الإطار القانوني الشامل في حاوية القمامة".
 
نورمان فينكلستاين: هذا صحيح. هذا ما حدث. هناك رؤية مفادها بأننا... اسمعْ، كل من لديه حتى أدنى معرفة بالموضوع يعلم أننا نستخدم اختصارات مثل OPT، "الأراضي الفلسطينية المحتلة". ولكن، لا توجد حتى ولو كلمة واحدة عن الاحتلال في هذا القرار. لا وجود للاحتلال. غزة غير موجودة في هذا القرار. غزة ليست أرضًا محتلة في هذا القرار. غزة ليست شيئًا في هذا القرار. ولا توجد أي صلة لها بالضفة الغربية.
غزة معلّقة في الهواء في هذا القرار. غزة تُعاد إلى زمن الغزو الأوروبي لأفريقيا. كانوا يستخدمون تعبيرًا آنذاك يُسمّى res nullius، أي "أرض بلا مالك". كانت أفريقيا تُعتبر ملكًا للا أحد، ولذلك كان يحق للجميع أن يقتطعوا منها قطعة.
 
كريس هيدجز: هذا كان في عهد "عصبة الأمم"، أليس كذلك؟
 
نورمان فينكلستاين:كما تعلم، كان هذا "مؤتمر برلين" في أواخر القرن التاسع عشر. "عصبة الأمم" جاءت بعد الحرب العالمية الأولى. وغزة ليس لها أي وجود قانوني في هذا القرار. ويجب أن أقول إن هذا كان مذهلًا. كان مدهشًا فعلًا. قرار الأمم المتحدة هذا... الآن، الجميع لديه ميل إلى المبالغة، إلى التضخيم البلاغي، إلى الشعر. لكن هذا ليس مبالغة. ليس تضخيمًا. وليس شعرًا.
لقد منح قرارُ الأمم المتحدة غزةَ لدونالد ج. ترامب. لقد فعل ذلك حرفيًا. أعلن أن الجهة الحاكمة في غزة هي ما يسمّى "مجلس السلام". ما آليات عمل "مجلس السلام" هذا... من هم أعضاؤه؟ كيف يُشكَّل؟ لا يوجد شيء من ذلك. هناك أمر واحد فقط: دونالد ترامب هو رئيس "مجلس السلام". والآن، ضع في اعتبارك أنه مُنح لقبًا شخصيًا يتعلق بغزة. وفي الحقيقة، أعاد ممثل الولايات المتحدة في الأمم التأكيد على ذلك اللقب بعد انتهاء التصويت.
دونالد ترامب هو من يدير "مجلس السلام". و"مجلس السلام" لا يدير -أو بالأحرى، ترامب ليس مسؤولًا أمام أحد داخل "المجلس". لا توجد أي آليات لـ"مجلس السلام" هذا. وهو غير مسؤول أمام أي جهة خارجية أيضًا. الشيء الوحيد الذي طُلب من ترامب هو أن يقدّم، كل ستة أشهر، كما يقولون، "نطلب" ولا حتى "نأمر"، نطلب فقط أن يقدّم تحديثًا عن الوضع كل ستة أشهر. هذا كل شيء.
غزة أصبحت الآن عقارًا إضافيًا في محفظة منظمة ترامب. هذه ليست مبالغة. عندما قال ترامب في شباط (فبراير) 2024 إن غزة ستصبح ملكًا للولايات المتحدة وسنحوّلها... ظنّ الجميع أنه مهرّج أهوج مختلّ عقليًا. لكن هذا "المهرّج المختل" حوّل كلامه إلى قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي، وهو الكلمة الفصل.
 
*كريس هيدجز‏‏ Chris Hedges: صحفي حائز على جائزة بوليتزر. كان مراسلاً أجنبياً لمدة خمسة عشر عاما ‏‏لصحيفة "نيويورك تايمز"، ‏‏حيث شغل منصب رئيس مكتب الشرق الأوسط ورئيس مكتب البلقان للصحيفة. عمل سابقاً مراسلاً أجنبياً لصحف "ذا دالاس مورنينغ نيوز" و"كرستيان سينس مونيتور" و"الراديو الوطني"، وهو مضيف برنامج ‏‏"تقرير كريس هيدجز". حصل على جائزة منظمة العفو الدولية العالمية للصحافة في مجال حقوق الإنسان للعام 2002. يحمل درجة الماجستير في اللاهوت من كلية اللاهوت بجامعة هارفارد، وهو مؤلف الكتابين الأكثر مبيعاً: "الفاشيون الأميركيون: اليمين المسيحي والحرب على أميركا"‏‏؛ "‏‏إمبراطورية الوهم: نهاية محو الأمية وانتصار المشهد". وكان أحد المتأهلين للتصفيات النهائية لدائرة نقاد الكتاب الوطنية عن كتابه "‏‏الحرب قوة تعطينا معنى". عمل بالتدريس في جامعة كولومبيا وجامعة نيويورك وجامعة برينستون وجامعة تورنتو.‏
*نشر هذا الحوار تحت عنوان: Deconstructing Trump's Gaza 'Peace' Plan (w/ Norman Finkelstein) 
 
هوامش المترجم:
(1) مدينة الامتياز (Charter City) أو "المدينة بميثاق خاص" هي منطقة حضرية تُنشأ داخل دولة، لكنها تُدار وفق إطار قانوني وتنظيمي مستقل عن بقية قوانينها بهدف جذب الاستثمار وتسريع التنمية عن طريق توفير قواعد مستقرة، ونظام قضائي مستقل نسبيًا، وحوافز ضريبية وتنظيمية مرنة تخلق بيئة مؤسسية أكثر كفاءة. وهي أوسع من المناطق الاقتصادية الخاصة من حيث عمق استقلالها المؤسسي، وقد يُشرف على ميثاقها طرف خارجي لتعزيز الثقة. يراها مؤيدوها أداة لاختبار إصلاحات سريعة تتجاوز البيروقراطية، بينما يعتبرها منتقدوها مساسًا بالسيادة وخلقًا لجيوب قانونية محدودة المساءلة. ومن أبرز الأمثلة عليها مشروع المدينة ذات الميثاق الخاص في هندوراس المدعوم من بيتر ثيل، الذي سعى إلى إنشاء إطار قانوني واستثماري جاذب لرؤوس الأموال الأجنبية، وسط جدل واسع حول آثاره على السيادة والعدالة الاجتماعية.
(2) حُكم نواب الملوك هو نظام تُعيّن فيه سلطةٌ عليا (إمبراطورية أو ملَكية) ممثلًا عنها -نائبًا للملك- ليحكم إقليمًا باسمها ونيابةً عنها. يُستخدم غالبًا في السياقات الاستعمارية أو الإمبراطورية، حيث يمارِس النائب سلطات تنفيذية واسعة مع بقائه خاضعًا للعرش المركزي.