الرأي -
شكلت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران لحظة فاصلة كبرى في المنطقة، على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، في منطقتنا تحديداً، وفي نظرة الآخرين لهذه المنطقة، بما تحمله من تحديات وفرص، وربما كانت صورة دول الخليج العربية كدول آمنة ومزدهرة من الجوانب التي تعرضت لتحديات كبرى في هذه الحرب، وبالتأكيد لم تُسقط الحرب مكانة دول الخليج العربية كمراكز اقتصادية عالمية، لكنها بالتأكيد أعادت تعريف هذه المكانة ضمن معادلة جديدة جوهرها الأمان المشروط لا الأمان المطلق، كما كان قبل الحرب، وهذا التحول، وإن بدا محدوداً في ظاهره، يفتح نافذة استراتيجية أمام دول مثل الأردن لإعادة تموضعها في الخريطة الاقتصادية الإقليمية.
فالأردن أثبت، على مدى العقدين الآخيرين تحديداً، قدرته على الحفاظ على الاستقرار في بيئة إقليمية مضطربة، لذلك يمتلك الأردن اليوم فرصة نوعية لتحويل هذا السجل السياسي والأمني إلى ميزة اقتصادية قابلة للاستثمار، فمنذ حرب العراق عام 2003 مروراً بتداعيات، ما عُرف جزافاً بالربيع العربي والحرب السورية، وصولاً إلى موجات التطرف العنيف والتوترات المستمرة في فلسطين، بقي الأردن نموذجاً لما يمكن تسميته بالاستقرار المُدار، أي امتلاك الأردن القدرة على احتواء الأزمات دون الانزلاق إلى الفوضى، وهذه السمة، التي كانت تُقرأ سابقاً بوصفها ضرورة سياسية، يمكن أن تتحول اليوم إلى أصل اقتصادي في ظل بيئة إقليمية يعاد فيها تسعير المخاطر.
في وقت سابق على الحرب، أعلنت الحكومة عن مشروع مدينة عمرة، هذا المشروع الاقتصادي السياسي الاجتماعي الضخم، وربما كان تسارع الأحداث في المنطقة وتصاعدها سبباً في غياب المعلومات الكافية عن هذه المدينة، وقد يرى البعض أن هذه الحرب قد تؤثر على فرص المضي قدماً بمشروع مدينة عمرة، على الأقل في المدى المنظور، ولكن يمكن القول أنه من رحم التحديات تولد الفرص.
التحدي الموضوعي الذي كان يواجه فكرة مدينة عمرة، التي تعتزم الحكومة إنشاءها، ليس في بناء مدينة جديدة فحسب، بل في بناء وظيفة اقتصادية واضحة لها، وجاءت هذه الحرب كي تساعدنا على وضع تصور جديد وفعال لهذه الوظيفة الاقتصادية لمدينة عمرة، حيث يمكن أن تكون مدينة عمرة منصة مكملة لمناطق التركز الافتصادي في منطقة الخليج، بحيث تستجيب لحاجة الشركات والمستثمرين إلى توزيع المخاطر الجغرافية، في منطقة لم يعد الآمان سلعة يباع فيها.
خلال العقد الماضي، بات العالم يتجه نحو نموذج تعدد المراكز بدلاً من التمركز في نقطة واحدة، والشركات الكبرى، خصوصاً تلك العاملة في بيئات حساسة، لم تعد تكتفي بمقر إقليمي واحد، بل تبحث عن مواقع احتياطية قريبة ثقافياً وجغرافياً، لكنها أقل عرضة للمخاطر المباشرة، وهنا يمكن لمدينة عمرة أن تقدم نفسها كقاعدة خلفية للعمليات الاقتصادية في دول الخليج العربية، أو كمنصة للاستمرارية التشغيلية في أوقات الأزمات.
لكن نجاح هذا التصور يتطلب أكثر من مجرد بنية تحتية حديثة أو حوافز ضريبية تقليدية، فالمطلوب في هذه الحالة هو هندسة اقتصادية دقيقة تقوم على استهداف قطاعات محددة مثل الخدمات الرقمية والتعهدات والأمن السيبراني والخدمات اللوجستية، إلى جانب توفير بيئة تنظيمية مرنة وسريعة الاستجابة
وبسبب الأحداث المتسارعة والمتصاعدة في المنطقة، فإن عنصر الأمن لم يعد شرطاً فقط، بل أصبح منتجاً بحد ذاته، يمكن تسويقه وجذب الاستثمارات من خلاله، خاصة إذا ما تم دمجه مع بنية رقمية متقدمة وقدرات فعالة لإدارة الأزمات.
ورغم ما يبدو أنه فرصة حقيقية وقابلة للتطبيق، فإنه ينبغي الحذر من الوقوع في فخ المبالغة، فالأردن لا يملك الموارد المالية أو الحجم الاقتصادي الذي يؤهله لمنافسة دبي أو أبوظبي أو الرياض أو الدوحة بشكل مباشر، وأي محاولة لتقديم مدينة عمرة كبديل عن هذه المدن ستُفقد المشروع مصداقيته منذ البداية، لذلك فالمقاربة الأكثر واقعية ونجاعة هي تقديم المدينة كجزء من منظومة إقليمية متكاملة، تقوم على التكامل لا التنافس.
الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023 حتى الآن في المنطقة، خلقت أمام الأردن فرصة غير تقليدية، فكثيراً ما كانت الجغرافيا لعنة على الأردن، وكان بعضنا يتمنى لو أن الأردن وجد في منطقة جغرافية أخرى، ليأتي اليوم الذي لا يجعلنا نتمنى تغيير موقع دولتنا الجغرافي، بل نكتشف أن الفرصة هي في تغيير طريقة استثمارنا لهذا الموقع، واختبار قدرتنا على استثمار هذاالموقع عبر مدينة عمرة، فإذا ما أُحسن تصميم وتنفيذ مشروع مدينة عمرة ضمن ما تم ذكره، فقد تتحول مدينة عمرة من مجرد فكرة تنموية إلى رافعة استراتيجية تعيد تعريف دور الأردن في اقتصاد إقليمي يتجه، أكثر من أي وقت مضى، نحو عدم اليقين، ومن يستطيع أن يستديم استقراره عبر إدارة مستمرة للمخاطر، في ظل إدراك عدم إمكانية غيابها، وأن يدرك أهمية هذه السلعة في زمن اللايقين، يستطيع أن يخلق فرصة لا تراها العين السياسية والاقتصادية المجردة.