عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    20-Jan-2026

العابس*إسماعيل الشريف

 الدستور

الطيب مواقف وللمرجلة رجاجيل، وللخيل فرسانها ساعة الشدّة، وللبيوت أمراس وللقهوة فناجيل، على مضايف نشامى لها رجال تعدّه   شعر نبطي.
 
وصلني فيديو لبرنامج مسابقات في إحدى الدول الشقيقة، سأل فيه مقدّم البرنامج: حسب دراسة لمعهد غالوب أُعدّت عام 2025، ما أكثر الشعوب غضبًا في العالم؟ فجاءت إجابة الصبية، وهي تضحك: حتمًا إنهم الأردنيون! والمفارقة أن إجابتها كانت صحيحة. 
 
نحن النشامى، والنشمي هو المقدام الشجاع، فاعل الخير، وهو أيضًا الصادق. ولأنه صادق، فإنه يُظهر ما يُبطن، لذلك تراه عابسًا غاضبًا. 
 
نعم، نحن شعبٌ كَشِر.
 
يأتي السياح إلينا فيحبّوننا، ونحتفي بهم ونكرمهم؛ يقولون إننا شعبٌ مضياف كريم، وإن بلادنا جميلة، ومطبخنا من ألذّ مطابخ العالم، لكنهم يضيفون، في النهاية، أننا شعبٌ مكشِّر. 
 
طلب علماء نفس في إسبانيا، أرض أجدادنا   إذ إن بعض العشائر العربية الكبرى التي استقرّت في بلاد الشام تعود أصولها إلى الأندلس بعد سقوطها، والإسبان بدورهم عابسون   من مجموعتين من المشاركين أن يضعوا أيديهم في دلوٍ من الماء المثلّج. طُلب من المجموعة الأولى تقبّل الألم، فيما طُلب من المجموعة الأخرى بذل أقصى جهد ممكن لعدم التفكير فيه، وكانت النتيجة أن الذين تقبّلوا الألم أبقوا أيديهم في الماء مدة أطول من أولئك الذين حاولوا تجاهله. وفي دراسةٍ أخرى عُرفت باسم مشكلة الدب الأبيض، طلب عالم الاجتماع دانيال فيغنر عام 1987 من المشاركين تجنّب التفكير في دبٍّ أبيض، لكن الدب الأبيض كان كل ما استطاعوا التفكير فيه، وأدرك العلماء أن قمع الأفكار أو العواطف ينتهي غالبًا بمنحها قوةً أكبر.
 
فلأننا نشامى صادقون، لا نتكلّف الابتسامة ولا نُخفي مشاعرنا، ولا وصاية لأحد علينا ليُملي علينا كيف نبدو أو متى نبتسم. لسنا مطالبين بالابتسام ونحن نرى إخواننا على الضفّة الأخرى يُقتلون ويُهجَّرون، ونشهد دولًا عربيةً انهارت، وشعوبًا أُفقِرت، وظلمًا يستشري، وفقرًا يتّسع. كيف نبتسم وأطفالٌ يذهبون إلى مدارسهم بلا مصروف ولا وجبة غذاء، ينتعلون صنادل ممزّقة؟ وكيف نبتسم لامرأةٍ يضربها زوجها، ولموظفٍ يمشي إلى عمله لأنه لا يملك أجرة الطريق، ولفتاةٍ في عمر الزهور تقف عند إشارةٍ ضوئية، ولرجلٍ عاطلٍ عن العمل؟
 
بدلًا من أن يُقال لنا: ابتسموا، لماذا لا تُحلّ مشاكلنا وتتوقّف دوّامة القتل في فلسطين؟ عندها فقط سنكون من أكثر شعوب الأرض ابتسامًا. وبالمناسبة، ليس عليك أن تكون سعيدًا كي تبتسم؛ فهناك مئات المشاعر التي قد يعيشها الإنسان دون ابتسامة، كالرضا والقناعة. ولو قارنا أنفسنا   نحن الموصوفين بالعبوس   بأكثر شعوب الأرض ابتسامًا، أي الأمريكيين، لبدت المفارقة صارخة: فهي الدولة العسكرية الأولى في العالم، وقد قتل «المبتسمون» ملايين البشر، ومزّقوا عشرات الدول، فيما يُعدّ مجتمعهم من أكثر المجتمعات عنفًا. أما نحن، هؤلاء «العبوسون»، فلم نغزُ أحدًا، ولم نُدمّر أوطانًا، بل يتعاطف أفراد المجتمع بعضهم مع بعض، ونهرع لنجدة الملهوف، ونضمد جراح المكلومين.
 
هناك كثير من المجتمعات المبتسمة التي تبدو سعيدة، لكنها تُخفي خلف ابتسامتها حزنًا ووحدةً وتعاسة؛ حتى إن رجالها ونساءها يُقدمون على الانتحار. على الأقل، لا يوجد هذا التناقض لدينا؛ فنحن لا نُخفي مشاعرنا. إن كنا تعساء بدونا تعساء، وإن كنا سعداء عبّرنا عن سعادتنا بصراحة، إلى حدّ إغلاق نفقٍ في شارعٍ سريع لنرقص فيه، لينتهي الأمر أحيانًا بوفياتٍ وإصابات، أو نفرغ «الكليشن» في الهواء ابتهاجًا، فينقلب الفرح حزنًا. لذلك، إن بقينا عابسين، فقد يكون ذلك أكثر أمانًا لنا.
 
يا ليتني كنت حاضرًا في ذلك البرنامج؛ لكنت قلت: نعم، نحن عابسون وغاضبون، ولا نخجل من ذلك، لأننا شعب صادق واضح بعيد عن النفاق. نعرف كيف نتعامل مع أحزاننا ومشاكلنا، فيما يرسم الآخرون ابتسامتهم، ثم يحترقون خلفها. لسنا مطالبين بإثبات شيء لأحد، ولا مضطرين لإخفاء عواطفنا. نحن النشامى. فقط  كن أنت.