قضية إبستين.. تخليد الجاني وتجاهل الضحايا*د. رشا سلامة
الغد
وجدت وسائل إعلام عربية ومنصات تواصل اجتماعي في قضية جزيرة جيفري أبستين مادة دسمة لاجتذاب المتابعين، بيد أنّ أخطاءً إعلامية بالجملة تخللت هذا التناول.
لعل الخطأ الأبرز يكمن في تخليد الجاني من حيث لا يعلم المتناولون لشخصه؛ إذ إلى جانب التطرق المكثف لاسمه وصوره وفيديوهاته يجري إسراف ملحوظ في إسباغ هالةٍ من الغموض والتشويق ليس على ممارساته غير السوية فحسب، بل على تفاصيلِ جزيرته التي كانت تستضيف كبار الشخصيات العالمية لتوثق انحرافات لهم، وعلى تفاصيل ليلة انتحاره أو الإجهاز عليه أو فراره.
لعلّ الصحفية الاستقصائية في «ميامي هيرالد» جولي بروان هي الوحيدة التي خلدت الضحايا من خلال مقابلاتها معهم، مراعيةً في كثير من هذه المقابلات شروط الخصوصية وما يصطلح عليه إعلاميا بـ»تجهيل المصدر»، في ما ذهب قسم غالب من المتناولين العرب إلى استعراضِ الجاني متجاهلين الضحية في معظم حديثهم.
على الجانب الآخر، اختارت وسائل إعلام عربية بارزة تجاهل قضية أبستين من أساسها، وهو المتوقع أمام تورط شخصيات عربية في تفاصيل هذه الحكاية، فلجأت هذه القنوات إلى طمر الأمر كليا تلافيًا للاصطدام مع السلطات؛ بسبب سقف الحريات المنخفض. ولعلّ هذا التجاهل واحد من أكبر خطايا الإعلام العربي الذي يفترض به أن يكون جريئا ورصينا بما يكفي لمناقشة أبعاد القضية ومدى تأثيرها على العالم العربي لا سيما وأن متابعي الأمر كثر، ما يجعل إدارة الظهر للحكاية بغية إخفائها ضرب من السذاجة.
ذهبت وسائل إعلام أخرى إلى فبركة تفاصيل وصور من أجل الإطاحة بخصوم سياسيين في دول مناوئة، لتنساق ثلّة كبيرة من الجمهور العربي نحو تناقل هذه الفبركات من دون الالتفات إلى كون الذكاء الاصطناعي قادر حاليا على خلق صور وفيديوهات عالية الجودة. هنا برزت مشكلة المحتوى المفبرك إلى جانب ضعف التفكير النقدي لدى شريحة عريضة من المتلقين العرب.
من الأخلاقيات الإعلامية التي جرى تجاهلها في تناول قضية إبستين: عدم ذكر تفاصيل الجريمة لئلا تلهم ضعاف النفوس. عوضًا عن اتباع هذه التفصيلة في الأخلاقيات، أسهب متناولون عرب، إلى جانب ما يغذيه خيالهم، في سرد تفاصيل استدراج القاصرات والاعتداء عليهن في جزيرة أبستين، ما قد يلهم كثر ممن يقترفون أو يهمون باقتراف أفعال من القبيل ذاته عربيا، والأحرى في التناول المهني أن يستعرض القضية بأبعادها الاجتماعية والسياسية من دون محاولة جر قدم المتابعين من خلال إضفاء التفاصيل ونكهة التشويق على الحكاية على حساب الضحايا.
في شق آخر، تخطئ الضحية العربية عادة في جعل نفسها محور الكون؛ إذ لا يخدم القضية الفلسطينية ولا الغزيين ربط تفاصيل ما جرى على المعتدى عليهن في جزيرة إبستين بنساء غزة وما لاقينه من ويلات خلال العامين الأخيرين على وجه التحديد. القضية الفلسطينية أعقد وأكثر فداحة من فضيحة أخلاقية يقف وراءها على الأغلب أجهزة استخبارات عالمية، كما أن الغزيّات تحديدًا والفلسطينيات بشكل عام وإن تعرضن لاعتداءات خلال المداهمات أو في المعتقلات فإنّ ظروف ما جرى معهن لا تتساوي بحال مع خفايا عالم القوادة والسقوط الأخلاقي. لذا فإنّ محاولة إثارة مقارنة بين ما جرى في جزيرة إبستين وما يجري في قطاع غزة محضّ ظلم للفلسطينيات والقضية الفلسطينية، وهو ما لا يقلل بحال من ثقل المصيبة التي تعرضت لها المعتدى عليهن في الجزيرة إياها.
لم تكن فضيحة إبسيتن هي الأولى من نوعها في العالم الغربي ولا حتى في العالم العربي؛ إذ إنّ أجهزة استخبارات عربية اقترفت ما هو أسوأ من ذلك خلال تسجيلها لحظات سقوط أخلاقي لخصومٍ سياسيين، غير أن التعويل لطالما كان قائما على الإعلام العربي، في تناول هذه التفصيلات بمهنية وجديّة ورصانة، لا ما يجري حاليا، وهو ما يجدر الالتفات إليه لا سيما وأن الوثائق المتعلقة بهذه الحكاية ما تزال تنشر تباعا.