رواية «كل الأشياء الجميلة القابلة للكسر».. مأزق التّرميم في المشاعر الإنسانية
الدستور-أمواج أبو حمدة
هي رواية تتحدث عن البدايات ونشأتها وماهية طبيعة العلاقة بين آدم وحواء منذ بدء الخليقة حتى يومنا هذا بطريقة فنتازية بامتياز. «كلّ شيء تغيَّر في حياةِ آدمَ منذ ظهورها، صحيحٌ أنّ شيئًا لم يكن ينقصه، لكنه حين رآها أدركَ أن كلَّ الأشياء كانت ناقصة». ص 43
تبدأ الرواية بسقوط آدم من الجنة الى الأرض/الدنيا وارتطام جسده بالبرية. «ما هو الأكثر إيلاما ارتطام الجسد أم ارتطام الروح؟» هل نشعر بكليهما أم الجسد فقط هو الذي يؤلم أما الروح فتهوى؟ كان ذلك سؤال آدم والرّاوي العليم. سقوط آدم في البرية التي يجهلها ولم يكن يعلم عنها شيئا آنذاك هو رمز لكل مجهول لا ندركه في حياتنا وعلينا اكتشافه فنحن ورثناه من أبينا آدم وأمّنا حواء.
منذ لحظة السقوط كانت الدهشة الأولى، المعرفة الأولى، النور الأول، العتمة الأولى، الدمعة الأولى، العاطفة الأولى، الجوع الأول، الخوف الأول، والحزن الأول، وعلى الرغم من ذلك، كان آدم يأمل بأن الأمر طارئ وسيعود الى الأعلى، إلى جنته التي يعرفها، وأن يعود الى ما ألِفه والأهم الى حوائه. «كم هو مرعب ألّا تجد اسمًا لما يرعبك. في عثورك على اسم ما يرعبك، نصف شجاعتك. أماّ النصف الآخر فيجده قلبك، وروحك، ألّا تكون مذعنا للغامض». – ص 101
كان أمل آدم في بداية سقوطه أن يعود الى جنته سريعًا، لكن أمله تراجع مع طول مكوثه على الأرض الجديدة. «الرّاوي العليم» وهو العليم بباطن الأمور أكد أن أشد ما افتقده آدم في بداياته الجديدة في الحياة الدنيا حضور حواء بجانبه ورغم هذا لم يقم بالبحث عنها هي من وجدته!
يشير الرّاوي الى أهمية ظهور حواء في حياة آدم وأثرها في التغيير الذي حصل له، فحينما ظهرت له حواء في الأعلى تبدّت له الحياة أجمل حتى أن «الملائكة لاحظت حجم التغيير الذي طرأ على سلوك آدم؛ إذ لم يعد متجهّما كالماضي وبدا أن حياة جديدة بُعثت فيه، فبدأ بزيارة مناطق في الجنة لم يسبق له أن رآها، بل وسأل نفسه ذلك السؤال الصعب مقرِّعا لها، أعني نفسه: أي معنى أن تعيش في جنة وأنت لا تدرك حقّا جمال وروعة المكان الذي أنت فيه». – ص 83، 84
يحدِّثنا الرّاوي العليم فيقول « هل يمكننا القول إن وجودها -أي حوّاء- أعاد ترتيب المكان الذي اعتاد الحياة فيه؟ - ص 86
ما حدث أن آدم بدا إنساناً آخر ولد بمولدها أما آدم القديم- أي آدم الجنة قبل وجود حواء- فقد غادر، مع أن هذا لا يعني أن آدم القديم لن يعود، فأحيانًا كثيرة كان يُطل برأسه في مواقف متعددة، وهذا ما كان يدعو حواء على الدوام أن تقول له أين آدم القديم؟ - ص 86 وتقصد هنا آدم بدايات التعارف.
«حتى اليوم لم نزل نسمع تلك الجملة تتردّد على ألسِنَة العشاق رجالا ونساء شبابا وشابات شيبًا وشائبات، حين يتذّكر الواحد منهم الفترات الأولى من حياتهم معا، الفترات المشتعلة بالحبّ والمشاعر المتّقدة. – ص 86
لكن آدم الجنّة بعد سقوطه على الأرض بدأ، رويدا رويدا، رحلة مختلفة في عالمه الجديد بالتعرّف على ذاته، وعلى أحاسيس لم يعْهدها من قبل كالألم والفقد والوحدة....الخ
في الجزء الثاني من الرواية ينقل لنا الرّاوي العليم حال حواء حين سقوطها في برية باردة بعيدة كلّ البعد عن نصفها الآخر، آدم، ولكن المدهش في الأمر أن حواء لم تكن تفتقد آدم بنفس القدْر، فقد بدت مشغولة أكثر في التعرّف على محيطها الجديد واستكشافه كما كان عهدها في الأعلى/ الجنّة، متلمسةً طرقا كثيرة لبقائها على قيد الحياة. لكن الفارق بين آدم وحواء، أنها، أي الأخيرة، كان فضولها وجرأتها أكبر من آدم، مصحوبة بملاحظاتها الدقيقة لبريتها وما يدور حولها، ومن ثم محاولتها اكتشاف بريَّات أُخَر. الراوي العليم يصفها «أكثر ما همّها أن تتبع الجداول الصغيرة التي تتعرّج تحت أشجار البرتقال والليمون والموز مصممة أن تعرف الى أين تصل. حسّها العميق همس لها: من يتبع الماء لا يمكن أن يضيع». – ص 130
خلال رحلتها تصغي بانتباه شديد لما يعتمل في داخلها وتتعرف أيضا على أحاسيس جديدة لم تكن تشعر بها، الى أن تعثرت بآدم في بريته. فضول البحث والتعرف ساقها إليه، ولم يكن العكس وإن كان الهدف الأساس من البحث هو غريزة البقاء.
الكاتب هنا من خلال صوت الرّاوي العليم يصف لنا كيف بدا جدّنا آدم وجدّتنا حواء تَلمّس الحياة الجديدة على الأرض، ويسرد لنا تطورات أحاسيسهما وشعورهما وتراكم البناء المعرفي والخبراتي لديهما في مواجهة قسوة حياتهم الجديدة.
في وصف الرواية لآدم في الجنة، بدا لنا كسولا غير عابئ بما حوله حتى قدوم حواء إليه وذهابهما معا للتجوال في الجنة، وحتى حينما هبط الى الأرض، بقيَ على عهده غير مقدام ولا مكتشف لعالمه الجديد، لا يبرح بريّته، مترقّبا حواء، مراقبا للحيوانات ومُقلِّدًا لها كما علمته الزّرافة. التغيير الجليّ الذي حدث لآدم بدا في التهام الوعول الصغيرة الطريّة والحيوانات الأخرى الصغيرة وقتْله فيما بعد الحيوانات وإلقاء جيفها في البرية بسبب الخوف، لإخفاء هذا الأمر عن حواء حين نهته عنه، فما كان منه إلا أن خشي قول الحقيقة عند مواجهة حواء له في عدة مواضع.
«عند مقارنة حواء بآدم بدت حواء أكثر جرأة ومغامرة، لديها قوة ملاحظة، وبطبعها أسهمت في نمو وعيها وإدراكها لمحيطها أفضل من آدم، بل بدت أكثر صلابة منه، ألم تخلق من ضلع؟ «حواء التي خلقت من ضلع والضلع قاس وهذا ربما يفسر احتمالها للصعاب والآلام أكثر مما يحتمل آدم الذي خلق من طين. – ص 90
يحدِّثنا الراوي العليم بأن حواء لم تكن بطبعها أنانيّة بل نقلت معرفتها الى آدم وشجعته على الإقدام على أمور لم يكن ليقوى على أدائها دونها (كالتعرف على البريّات الجديدة، مراقبة الحيوانات، تقليدهم في البحث عن الأكل، وأيضا في التزاوج، وتقاسم أدوار البحث عن الطعام ووضع البدايات لتقاسم المسؤوليات).
لعل أهم أمر مشترك اتفقا عليه في بداية هبوطهما إلى الدنيا، أن هذا أمر مؤقت وعابر حيث قال الرّاوي العليم «كان الأمل الذي راودهما معا حتى قبل أن يلتقيا هو الأمل الذي يراود كل إنسان حتى اليوم؛ أن كل ما يحدث مؤقت وأن ما حدث مجرد عقاب بحجم التفاحة لا أكثر». – ص 101
«لا أعرف من قال إن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بلا أمل، لأنه ومنذ أن ولد أسيرٌ للأمل». - ص 120
الطريف في الأمر أن الراوي العليم ربط بين ما حدث للثنائي الأول للخليقة، مع أحفادهم في عصرنا الحالي حيث مازال الطرفان في علاقتهما يسعيان للتأكد من الأخر بطرحهم نفس الأسئلة المكررة...أين كنتَ؟ أوكنتِ؟ لِم لم تخبرني؟ هل لك أن تخبرني أو تخبريني بما حدث؟ الراوي العليم يحدثنا عن تغيّر العلاقة بين آدم وحواء على الأرض من خلال الحوارات العديدة في الرواية. هذا التغيّر ظهر بوضوح أكثر بعد الحمل بتوأمهما الأول « حتى حواء تغيّرت وأدركت أن شعلة اللقاء الأول قد خبت ولم تكن بحاجة إلّا لسؤال واحد لتتأكد حين سألها بحزن: أتحبينني يا امرأه؟ - ص 88
الراوي العليم هو العين الثالثة التي تراقبهما عن كثب وتعلم ما كان وما سيكون عليه الأمر فيما بعد.
في هذه الرواية لدينا ثلاث شخصيات رئيسية فقط: الراوي العليم، آدم، وحواء، وكل منهم يطرح أسئلة عدّة قد تخطر على بال البعض منّا، ولكنه لم يجرء على أن يناقشها أو يسألها في العلن. الراّوي ينقل لنا حال آدم وحواء، ويسرد المشهد والحوار ويربطه بالمستقبل. أما آدم فيحدثنا عن تجربة الألم في التعرف على عالمه وخباياه النفسية وتمنّيه بالعودة للأعلى، في حين أن حواء التي كانت الأكثر عملية من آدم وأقدر على تقييم وضعها الجديد على الأرض بدت لنا أكثر واقعية وعقلانية وعطوفة في حنوِّها على الحيوانات.
الرّاوي العليم أوجز لنا إحساس البشر بتجربة الخطيئة منذ البدايات وما تلاها من أخطاء على الأرض بقوله «الخلاصة أن البشر متصالحون مع الخطأ الذي يرتكبونه لأنهم بحاجة إليه غالبًا. – ص 180
يبدو لي أن عنوان» كل الأشياء الجميلة القابلة للكسر»، يعني البدايات الجميلة في كل الأمور والتي تبدو رقيقه وشفافة جدًا لدرجة أنها قد تُكسر بسهولة، وإن رُممِّت فلن تعود الى ما كانت عليه في الأصل. هذه الرواية استطاعت أن تُقدم الصراع الداخلي للنفس البشرية وطبيعة العلاقة بين آدم وحواء بما فيها من شد وجذب، فالروح، الجسد والمشاعر، إذا كُسِرت أو شُرخت يصعب ترميمها، ومثال على ذلك تغيّر هيئة آدم، فقدانه لسنِّه، والتغيّر الخارجي لهيئة حواء عما كانت عليه، حتى أنهما خشيا أن يتعذر على كل طرف استطاعته تمييز صاحبه، ولكن حينما التقيا بقدر ما أرادا ذلك، لم تتقبّل حواء هيئته الجديدة بيسر، في حين كان آدم الأسرع في التقبّل.
الجليّ في الأمر أن آدم وحواء لم يدركا فداحة خسارتهما عند سقوطهما من الأعلى، وهذا ما ظهر منهما في تقبلهما لهزيمتهما في عدم العودة الى الجنة ومكوثهم على الأرض. «حتى أكثر الحيوانات غباء تدرك هزيمتها تمامًا حين تهزم، كما جاء على لسان أحد السّاردين الذين تعاونت معهم، لكن البشر لا يدركون، ولست أدري، إن كان هذا من حسن حظهم أومن سوئه». – ص 110
اقتباسات:
«في الأصل لا نستطيع أن نقول إن هناك كائنا يملك حريته كما يملكها الإنسان، فالإنسان يملكها بأمرين: وعيه وغريزته وحين يفقد، أو يتنازل، عن حريته، لا يكون قد تبقى له، ومنه، سوى غريزته، وبهذا يرتد الى الفئة الأخرى الأدنى منه: الحيوان». – ص 162
«أكبر جناح في العالم هو جناح ذلك الذي يعيش حريته. أكبر جناح في العالم هو الحرية ذاتها». – ص 163