الغد
هآرتس
بقلم: نوعا ستات
7/1/2026
في الوقت الذي تواصل فيه الحكومة خرق أحكام المحكمة العليا وجدت نفسي قبل بضعة أسابيع في رواق المحكمة العليا. "عيدن يروشالمي نقص وزنها 36 كغم، هل هذا الامر لا يهمك"، صرخت علي امرأة في الوقت الذي كان فيه يناقش التماس لجمعية حقوق المواطن ضد تجويع اسرى امنيين. هذه اللحظة كانت تدل على ان هناك خطا تم اجتيازه: الجوع تحول الى اداة سياسية مشروعة، والمس بحقوق الانسان تحول الى وسيلة لإثبات الولاء الاخلاقي. نحن ندين بدون تحفظ تجويع المخطوفين وجرائم حماس، لكننا لا نعتبر ذلك مبررا لتجويع الاخرين والتنكيل بهم.
لقد اوضحت الايام الاخيرة الى أي درجة هذه اللحظة لم تكن استثنائية. فمن تقارير رسمية صادرة عن مكتب النائب العام من زياراته في السجون الامنية – التي منع نشرها خلال اشهر وكشف عنها في الاسبوع الماضي في "هآرتس" (31/12)- الا انه خلال الحرب منع سجناء امنيون من الحصول على المياه للشرب، احيانا لساعات وحتى كجزء من العقاب الجماعي.
هناك في رواق المحكمة ازداد بروز فهم الى أي درجة ابتعدنا عن المبدأ الاساسي الذي استندت اليه حقوق الانسان. الحقوق ليست جائزة لأشخاص جديرين، ولا يتم سحبها ممن يثيرون الغضب أو الخوف أو الاشمئزاز. بالعكس، الاختبار الحقيقي لأي مجتمع ولسلطة القانون هو الدفاع بالتحديد عن حقوق من يسهل وربما من الطبيعي الرغبة في عقابهم بكل طريقة ممكنة.
قصة النضال من اجل حقوق السجناء الامنيين تجسد السيطرة الكهانية على مؤسسات مختلفة في الدولة، وتدل على عجز حراس العتبة وجهاز القضاء والمس المستمر بسيادة القانون. ولكن اكثر من ذلك هذا يعلمنا عن التدهور الاخلاقي والقيمي لدولة اسرائيل. تقارير النيابة العامة التي اخفيت خلافا للاجراءات بذريعة ان نشرها سيشكل خطر على امن الدولة. هذه التقارير تكشف عن نمط التجويع والعنف والاهانة.
في اطار سلسلة المس بحقوق الانسان للسجناء، فان الخرق الاول من الخروقات للقانون الدولي، التي ليس عليها خلاف وقائعي مطلقا، هي منع وصول الصليب الاحمر الى السجناء الامنيين. الصليب الاحمر زار السجناء في السجون الاسرائيلية منذ 1967 وحتى 7 تشرين الأول (اكتوبر) 2023. هذه الجمعية توجد لها مكانة واضحة في القانون الدولي، وفي المواثيق الموقعة عليها اسرائيل وفي القانون الاسرائيلي.
في شباط (فبراير) 2024 رابطة حقوق المواطن قدمت التماس للمحكمة العليا وطلبت فيه ان تلتزم الحكومة بقواعد القانون وان تسمح بالزيارات. ولأنه لا يوجد أي امكانية قانونية لتبرير هذه السياسة فإن الدولة طلبت تأجيل وتأجيل آخر والمزيد من التاجيل للجلسة – تقريبا 40 مرة الى ان انتهت الحرب. ايضا الآن، حيث انتهى النقاش، وهذا الموضوع ينتظر البت فيه، فإن الدولة لم تطرح أي ذريعة قانونية، وايضا الآن حيث لم يعد هناك منذ اشهر كثيرة أي مخطوفين في غزة الذين يمكن للصليب الاحمر زيارتهم، ما زالت الحكومة تمنع الصليب الاحمر من زيارة السجون.
في نيسان (أبريل) 2024، في اعقاب وجود عدد كبير من الشهادات عن تجويع قاس في السجون، قدمت الرابطة التماسا حول تجويع السجناء الامنيين. حسب القانون يجب عدم المعاقبة او التخويف بواسطة منع الطعام عن السجناء (يمكن منع تقديم تسهيلات بواسطة الكانتينا، ولكن يجب عدم المس بالطعام الاساسي). أي نقاش في ملفات السجناء رافقه هجوم شديد من قبل منظمات اليمين المتطرف التي القت علينا في المحكمة (وخارجها) المسؤولية عن الوضع الصعب للرجال والنساء المخطوفين.
في أيار (مايو) 2024 قدمنا التماس طلبنا فيه اغلاق منشأة الاعتقال "سديه تيمان". وخلافا لطلبات اخرى، على خلفية المواد القاسية، عقدت المحكمة جلسة سريعة في هذا الملف، وحتى انها بتت فيه وقالت انه يجب اغلاق هذه المنشأة في ايلول (سبتمر) 2024. خلال الجلسات التي عقدت في هذا الملف كشفت قضية الاغتصاب في هذه المنشأة، التي ادت الى قيام اعضاء كنيست باقتحام القاعدة العسكرية. لحظة اقتحام القاعدة توضح مدى سرعة انزلاق انتهاك حقوق الانسان. فالانتهاك الذي يظهر بسيط أو حتى مشروع لحقوق المجرمين، ادى في غضون بضعة اشهر الى تأييد علني للاغتصاب، واعمال عنف من قبل اعضاء كنيست ومنظمات يمينية ضد القواعد العسكرية وسيادة القانون. ان حماية الحقوق الاساسية تشبه البطانية، التي عندما يتم البدء بسحب خيوطها كل شيء ينهار، وتنهار سيادة القانون بسرعة خيالية.
في ايلول (سبتمبر) 2025 بتت المحكمة العليا في الالتماس حول التجويع وقالت انه لا يتم تقديم طعام كافي للسجناء وانه على مصلحة السجون اصلاح هذا الوضع. ضمن امور اخرى قالت المحكمة العليا بانه يجب اعطاء، على الفور، طعام اضافي للسجناء الذين يطلبون ذلك. وان يتم فحص بصورة شاملة ودائمة الوضع الصحي للسجناء وتاثير التغذية على صحتهم. من شهادات كثيرة وصلت الى جمعية حقوق المواطن فإن السجناء لا يبلغون عن أي تغيير في وضع الغذاء منذ اتخاذ هذا القرار.
في تشرين الثاني (نوفمبر) 2025 قدمنا طلب بسبب اهانة المحكمة ضد مفتش ادارة السجون الذي يخرق قراراتها. خلال مناقشة التماسات الجمعية يأتي الكثير من الضباط الكبار الى هذه الجلسات. يمكن رؤية ان بعضهم مسرورون بالاتجاه الجديد الذي يقوده الوزير بن غفير ويتعاونون معه. آخرون يظهرون مهانين وقلقين. تاثير آخر لانتهاك حقوق الانسان الاساسية هو المس بالقدرات المهنية والمعايير المهنية لاعضاء مصلحة السجون، الذين هم مهنيون ورجال خدمة عامة. ايضا هذا المس الشديد والمتواصل ستكون له تاثيرات بعيدة المدى.
العبء الهائل للاحداث الاخبارية وصدمة 7 تشرين الأول (اكتوبر) تخلق تسامح في الخطاب العام تجاه انتهاك حقوق الانسان للفلسطينيين بشكل عام والسجناء الفلسطينيين بشكل خاص. قد يتم النظر الى هذه القضية كهامشية وغير مهمة، وحتى انها ترف لا حاجة اليه في الوقت الراهن. ولكن قصة النضال خلال السنتين الاخيرتين تظهر مدى مركزيتها. فالخطاب الذي يسمح باساءة معاملة السجناء وتجويعهم يضفي الشرعية على مناقشة عقوبة الاعدام، وتجاهل القانون يؤدي الى هجمات لم يكن بالامكان تخيلها من قبل حراس العتبة واهانة المحكمة. حتى في الاوقات العصيبة والمليئة بالانشغال يجب ان يكون النضال من اجل حقوق الانسان الاساسية حازم وشجاع وثابت.