عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    04-May-2026

إستراتيجية "حصار الحصار" داخل إيران*د.عامر سبايلة

 الغد

تمثل إستراتيجية "حصار الحصار" التي تحدث عنها الرئيس دونالد ترامب، عمليًا، التحول الأكثر حسمًا في إدارة المواجهة مع النظام الإيراني، إذ تعكس انتقالًا من إدارة الصراع بالأدوات التقليدية إلى تفكيك مصادر القوة الإيرانية من الداخل.
 
 
 هذا التحول لم يكن ممكنًا دون ما يمكن تسميته بـ"حرب الأربعين يومًا"، التي استهدفت البنية التحتية العسكرية الإيرانية، في شقيها الهجومي والدفاعي، مع تركيز خاص على القدرات البحرية. وبهذا، فقدت طهران تدريجيًا إحدى أهم أوراقها: التهديد بإغلاق مضيق هرمز، الذي تحول من أداة ضغط إلى نقطة خنق أميركية.
 لكن جوهر الإستراتيجية الأميركية يتجاوز الحصار الاقتصادي التقليدي، نحو بناء أزمة مركبة متعددة الأبعاد. فتنشيف الموارد المالية لإيران في مرحلة ما بعد الحرب، ومع تراكم الأزمات الداخلية، لا يعني فقط تراجعًا اقتصاديًا، بل يدفع نحو أزمة مجتمعية عميقة، قد يجد فيها النظام نفسه عاجزًا عن تلبية الاحتياجات الأساسية أو إدارة الملفات الداخلية. وهذا يهيئ لعودة احتجاجات مطلبية واسعة، مرتبطة بالخدمات والرواتب، وحتى الوصول إلى الإنترنت.
 بهذه المعادلة، تكون واشنطن قد سحبت من طهران أهم أدواتها: القدرة على المناورة وإطالة أمد الأزمة، ليصبح الزمن عبئًا عليها لا أداة بيدها. وهذا ما يفسر سعي إيران إلى تنويع قنوات الوساطة، من سلطنة عُمان إلى روسيا، وتقديم عروض جزئية تقابلها واشنطن ببرود، في مؤشر على إدراك متزايد لفعالية الضغط وانعكاساته الداخلية.
 ويتعزز هذا المسار مع دخول وزارة الخزانة الأميركية بثقلها، حيث يجري الانتقال من "الغضب الملحمي" إلى "الاقتصاد الملحمي". ويتجلى ذلك في استهداف البنوك المتعاملة مع النفط الإيراني، بما فيها الصينية، وملاحقة اقتصاد الظل المرتبط بالعملات المشفرة، بهدف الوصول إلى حالة "تنشيف مالي كامل" في لحظة يحتاج فيها النظام إلى السيولة لإعادة تثبيت سيطرته.
 على المستوى الدولي، تتعمق الأزمة في ملف الممرات البحرية، خصوصًا مضيق هرمز. ومع تراجع فاعلية الأطر الدولية، يبرز خطر تحول تهديد الملاحة إلى سابقة قد تغري دولًا أو جهات غير نظامية، بما فيها شبكات القرصنة. غير أن ضغط الاقتصاد العالمي سيدفع نحو تفاهمات جديدة لإدارة هذه الممرات، تمتد من هرمز إلى باب المندب، ضمن إعادة تعريف أوسع لأمن التجارة الدولية.
 في الداخل الإيراني، تتقاطع الأزمات بشكل غير مسبوق. فسياسيًا، يبرز غياب مركز قرار قادر على الحسم أو إنتاج تسويات، فيما تتراجع أدوار شخصيات كانت تمثل واجهات فاعلة، ما يعكس عمق الأزمة البنيوية. أما اقتصاديًا ومجتمعيًا، فإن تدهور الأوضاع يوفر بيئة خصبة لتصاعد التوترات الأمنية، سواء عبر خلايا داخلية أو تحركات على الأطراف. وفي هذا السياق، تضيف التصريحات الأميركية حول دعم محتمل للمعارضة طبقة جديدة من الضغط.
 في المقابل، يبقى الخيار العسكري حاضرًا. فالاستعداد الأميركي، كمًا ونوعًا، يعكس عقيدة تقوم على استخدام فائض القوة لفرض شروط التسوية. من حاملات الطائرات إلى القدرات الصاروخية والقوات الخاصة، كل المؤشرات تدل على جاهزية لإعادة التصعيد عند الحاجة.
 الرئيس ترامب، الذي أنهى مهلة الستين يومًا بفرض وقف لإطلاق النار، لا يزال يحتفظ بهامش قانوني لإعادة تفعيل العمليات العسكرية، خاصة مع استمرار القلق من البرنامج النووي الإيراني ومحاولات إعادة بناء القدرات الصاروخية.
 في ضوء ذلك، تتضح معادلة الصراع: الحرب لم تعد الخيار الأول، لكنها لم تُرفع من الطاولة. أما "حصار الحصار"، فقد أصبح الأداة الأكثر فاعلية لنقل الأزمة إلى الداخل الإيراني، ودفعها نحو نقطة الانفجار على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية.