عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    30-Mar-2026

الانسحاب الخطير*جمال الكشكي

 الغد

تأتي دعوة علي رضائي، المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، إلى الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي، لتفتح بابا واسعا أمام موجة انسحابات دولية محتملة، في لحظة شديدة الاضطراب، فقد جاءت هذه الدعوة في خضم حرب شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، وتأثر بها الأشقاء في الخليج العربي مباشرة، بوصفه شريان الطاقة العالمي، كما امتد أثرها إلى الاقتصاد الدولي واستقرار الأسواق، في مشهد يعكس حجم التشابك بين الأمن الإقليمي والأمن العالمي.
 
 
ويعكس هذا الطرح انتقالا خطيرا من مستوى الخلاف السياسي إلى مستوى إعادة تعريف الالتزامات الدولية، بما يهدد بنية الرقابة النووية ذاتها، كما يضع الإقليم أمام احتمال انفلات غير مسبوق، في وقت ظل فيه مطلب إخلاء الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل حاضرا منذ سبعينيات القرن الماضي، دون تحقيق فعلي على الأرض، ما يجعل أي خطوة انسحابية جديدة بمثابة ضربة مباشرة لهذا المسار التاريخي.
وفي هذا السياق، يتشكل خطر مزدوج ومعقد، فمن جهة، يفتح التلويح بالانسحاب المجال أمام تقويض معاهدة عدم الانتشار، بوصفها أحد الأعمدة الرئيسية للنظام الدولي، والتي قامت بدور محوري في الحد من انتشار الأسلحة النووية لعقود، ومن جهة أخرى، يمنح هذا التوجه مبررا سياسيا وإستراتيجيا لقوى إقليمية لإعادة النظر في حساباتها، والدخول في مسارات ردع جديدة، قد تبدأ تقليدية وتنتهي عند حدود أكثر خطورة.
ويرتبط هذا التطور بسياق الحرب الدائرة، حيث تداخل المسار التفاوضي مع الضربات العسكرية، ما أضعف الثقة في جدوى الحلول السياسية، ودفع نحو تغليب منطق القوة على حساب الدبلوماسية، كما يعزز هذا المناخ قناعة متزايدة لدى بعض الدول بأن الضمانات الدولية لم تعد كافية لحمايتها، وأن الاعتماد على الذات في بناء الردع بات خيارا مطروحا بقوة.
وفي هذا الإطار، يبرز الغموض النووي الإسرائيلي كعنصر حاسم في تعقيد المشهد، إذ يستمر وجود قدرات نووية خارج معاهدة عدم الانتشار، دون خضوع كامل لمنظومة التفتيش الدولية، ما يكرس حالة من عدم التوازن داخل الإقليم. ويؤدي هذا الوضع إلى خلق شعور دائم بعدم العدالة في تطبيق القواعد الدولية، ويدفع أطرافا أخرى إلى البحث عن معادلات ردع موازية، في محاولة لتحقيق نوع من التوازن المفقود.
ومع تحرك هذه المعادلات، يتجه الإقليم تدريجيا نحو سباق تسلح متصاعد، حيث تتراجع حدود الضبط المؤسسي، وتتقدم احتمالات الانتشار. وفي هذه البيئة، يدخل السلاح النووي إلى صميم حسابات الأمن الإقليمي، بعد أن ظل لعقود محكوما بقيود قانونية وسياسية واضحة، وهو ما يغير طبيعة التهديدات ويضاعف من مستوى المخاطر.
وفي ظل هذا المسار، يتحول الشرق الأوسط إلى ساحة مفتوحة لتوازنات الردع، حيث تمتلك أطراف متعددة قدرات متفاوتة، وتتحرك في بيئة تتراجع فيها الثقة في المؤسسات الدولية، ومع تآكل الالتزام بالقواعد، تتقدم حسابات القوة، وتضعف منظومة الأمان الجماعي، التي كانت تشكل أحد أعمدة الاستقرار النسبي في النظام الدولي.
ويواكب ذلك تراجع في فاعلية الأمم المتحدة، التي تجد نفسها أمام صراعات معقدة تتجاوز قدرتها على الحسم، فتتحول تدريجيا إلى منصة تعكس الخلافات بدلا من احتوائها، كما تتآكل فكرة النظام الدولي كإطار ملزم، مع تزايد إعادة تفسير القواعد وفق موازين القوة، وتراجع قدرة المؤسسات على فرض قراراتها.
ويمثل هذا التحول مؤشرا على مرحلة إعادة تشكيل عميقة في بنية النظام الدولي، حيث تتراجع مركزية القواعد، وتتقدم اعتبارات القوة، وتتسع مساحة الغموض في إدارة العلاقات الدولية. 
وفي هذه المرحلة، يصبح الالتزام بالمعاهدات خيارا مرنا لدى بعض الدول، وليس قاعدة ثابتة كما كان في السابق.
وفي النهاية، يتجه العالم نحو لحظة دقيقة ومفتوحة على احتمالات متعددة، حيث يصبح الانسحاب من الالتزامات الدولية مدخلا لانفلات أوسع، يمس الشرق الأوسط بشكل مباشر، ويمتد أثره إلى النظام الدولي بأكمله. 
ومع استمرار التوتر، وتزايد الاعتماد على منطق القوة، تزداد احتمالات التصعيد، ويصبح الاستقرار رهنا بتوازنات متحركة، في بيئة دولية أكثر اضطرابا وأشد قابلية للاشتعال.