عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-Feb-2026

الجهالة المعرفية جهالة مثمرة!*م. هاشم نايل المجالي

 الدستور

إن مديح الجهل ليس دعوة للتخلف، بل هو فلسفة الجهل المعرفي أو النعمة التي تحقق على الإنسان الوعي المفرط والشديد، حيث إن كثيرين يعتبرون أن الجهل راحة نفسية من جحيم المعرفة الذي يستنزف فكر الإنسان، لأنه يمنح الإنسان الهدوء والسكينة أمام أزمات الحياة وكوارث الطبيعة ونتائج الحروب المدمرة من قتل وتشريد، تدمي لها القلوب وتتعب الفكر الذي أصبح مشتتاً ويؤثر على نفسية الإنسان.
 
فهناك من يعتبر أن الجهل نعمة وراحة في كثير من الأحيان، لأن الفهم الزائد لكثير من الأمور المتعبة عبءٌ على النفس وعلى القلب، والجهل المعرفي هو الدعوة للتواضع الفكري والاعتراف بالقصور في المعرفة، وهو يفسح المجال للتخلص من الغرور المعرفي، فهناك من يعتبر نفسه يعرف في كل شيء ومنظّر في كل شيء، والتعايش مع الجهل يعتبره البعض أفضل من المعرفة المؤلمة، والجهل يعتبره البعض نعمة، لا لأننا نحب الغفلة، بل لأن الفهم الزائد يستنزفك.
 
أن تلاحظ كل شيء بدقة، وأن تسعى وتحاول جاهداً أن تفهم النوايا خلف الكلمات والتصريحات، هو عبء على الفكر وعلى القلب، والحكمة في التجاهل أن تترك الأمور تجري بثقوبها دون أن تحاول جاهداً ترقيعها، حيث إن ردود الفعل المتكررة والمستمرة تستهلك طاقتك، أما الصمت الواعي فهو أحياناً أعلى درجات النضج النفسي.
 
فهناك من المسؤولين من ينقل أعقد الأزمات والمسائل من الرؤوس الفردية والصالونات السياسية والاجتماعية إلى الشارع وإلى الناس العاديين بصفتهم شركاء في الهم المعرفي مهما كانت آراؤهم وفلسفتهم، فهو يضع أسئلته إزاء الآخرين، وهو بحاجة إلى معارف متعددة من شأنها المساهمة والمشاركة في حل الأزمات وبناء الحضارة وتحقيق النهضة، فأي لبنة من لبنات المعمار الكبير الذي لا يكتمل إلا بلبنات الآخرين ومساهمتهم المعرفية والفكرية ومعرفتهم العملية من تجاربهم المفيدة.
 
وفي النص القرآني (  لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد )، وهذا دلالة واضحة على استحالة الاكتمال المعرفي عند الإنسان الواحد طالما هو على قيد الحياة، لذلك تصبح التشاركية مآثر إنسانية على المستوى المعرفي، ولقد تفتت المعرفة الكلية إلى معارف جزئية كثيرة بحيث أصبحت صعبة ومستعصية على شخص واحد مهما كانت قدرته أن يقدر عليها لوحده، لذلك من الأولى أن تندمج معارف الإنسان مع معارف الآخرين بطريقة تؤدي بالتشاركية إلى البناء والنهضة.
 
والجهل المعرفي هو إنجاز أخلاقي، فالشخص الذي يقرّ بالنقص المعرفي عنده بسبب عدم الكمالات، إنما بذلك يشهر وجوده الأخلاقي، حيث يعي الشخص مكانته الاجتماعية ويمارس دوره دون أن يلغي دور الآخرين، ومن الأحادية إلى التشاركية، وبدل أي صيغة فردية لأي حدث أو أزمة أو أي مشروع، تصبح صيغة جماعية، حيث تكون الذات المعرفية في حالة تهذيب لها، ليس لغايات تجاهلها أو هدمها، بل لأجل تغذيتها لتكون أكثر ملاءمة لسياقات جديدة وحضارية جديدة، فهي جهالات مثمرة في رحلة الحضارة الإنسانية.