فلسطين 36*د. رشا سلامة
الغد
أن يحضر اسم المخرجة الفلسطينية الأميركية آن ماري جاسر في عمل سينمائي، فذلك ضمان أولي لجودة الفيلم ونخبويته؛ ذلك أنها أثبتت على مدار أعوام عملها أن نجاحها ليس بصدفة عابرة.
يأتي فيلمها الجديد «فلسطين 36»، لينبش في حقبة تاريخية توارت قليلا أمام فداحة ما جرى لاحقا في نكبة العام 1948، ومن ثم نكسة العام 1967، وانطلاق العمل الفدائي، وما بين كل هذا وذاك من تجارب اللجوء والنزوح والشتات؛ إذ اختارت جاسر أن تعود للوراء تاريخيا، لتتحدث عن ثورة الـ 36 في فلسطين، مستعرضة جذور الظلم التي أفضت للانكسار الذي حدث لاحقا؛ إذ رزحت فلسطين آنذاك تحت وطأة الانتداب البريطاني، ومن قبله الجبروت العثماني في إدارة بلاد سورية الكبرى، عدا عن الفروق الفادحة في المجتمع الفلسطيني بين طبقتيّ أهل المدن والفلاحين.
حاولت جاسر الإحاطة بالتفاصيل التاريخية كافة في فيلمها، كما حشدت نخبة ممثلين من الصف الأول، كذلك الجهات التي أسهمت في إنتاج الفيلم كانت كثيرة عربيا وغربيا، وهو ما أثرى العمل، ومنحه طابعا توثيقيا لمرحلة تاريخية مهمة، بيد أن الآنف كله قد شتّت المُشاهِد قليلا، مقارنة بأفلام سابقة لجاسر ركزت فيها على بطل أو اثنين كحد أقصى مثل «ملح هذا البحر» و»واجب»، ما خلق مزيدا من الألفة والحميمية بين الممثل والمُشاهِد، وهو ما افتقر إليه العمل الحالي؛ لتبنيه طريقة البطولة الجماعية، غير أنه ظهر ذا طابع ملحمي وشامل لعموم المجتمع الفلسطيني آنذاك: أهل المُدن، أهل القرى، الثوّار، المتواطئون، المنتفعون من الانتداب، التكنوقراط والمثقفون، الأمّيون.
يُحسب لجاسر دوما أنها تتقن تفاصيل السينوغرافيا في تصوير أعمالها الفلسطينية، من اختيار بيئة جغرافية مماثلة لفلسطين، مرورا بالأزياء المنتقاة للممثلين بعناية، وإتقان لهجات المجتمع الفلسطيني ببراعة، عدا عن الموسيقى التصويرية المنتقاة بعناية.
الممثل صالح بكري بات علامة مسجّلة في سينما جاسر؛ ذلك أنه أثبت براعة لافتة في أدائه كل مرة، إلى جانب هيام عباس، وكامل الباشا، والتونسي ظافر العابدين الحريص دوما على البُعد العربي في حضوره الفني، وياسمين المصري التي أبرزت جدلية العلاقة بين بعض الطبقات البرجوازية في فلسطين آنذاك وبين الانتداب البريطاني؛ ذلك أنها في الوقت الذي تجابههم فيه عبر مقالاتها في الصحف، فإنها تستضيفهم في حفلات منزلها وترقص مع سكرتير المندوب السامي!
لئن كان فيلم جاسر الجديد، الذي وجد طريقه لدور عرض محلية وعربية ومهرجات عالمية وسباق الأوسكار، شاهدا على براعة مخرجته وممثليه، فإنه أيضا حجة سينمائية وتاريخية مهمة لمن يزاود على نضالات الشعب الفلسطيني ومن يقلل من حجم التضحيات الجسام التي بذلها منذ زمن طويل يسبق النكبة الرسمية.