الدستور
لدينا ملفات داخل مجتمعنا الأردني ما زال مسكوتا عنها، او أنها لا تحظى بما يلزم من اهتمام، مع أنها تشكل مفاتيح لفهم حالة الأردنيين وواقعهم ومعاناتهم، كما أنها تعكس طبيعة حركتهم وأسباب نجاحهم أو عجزهم، ومع أنه من الواجب أن تحظى بالمزيد من اهتمام الدولة والمجتمع معا، الا أن بعضها يخضع للاهمال احياناً، أو للتوظيف من قبل بعض الشركات التي تعتاش على التمويلات الأجنبية.
لدي، هنا، سبعة ملفات، على الأقل، ( دعك الآن من ملفي البطالة والفقر اللذين يشكلان عصب القلق في المجتمع) أشير اليها لفهم واقع جزء كبير من الأردنيين، وما طرأ على حياتهم من تقلبات وتحولات، وما أصاب شخصيتهم من اهتزازات، ربما تشكل هي وغيرها مفاتيح لمن يريد الإصلاح الحقيقي، لا الإصلاح الناقص الذي تتصارع على «كعكته» النخب، ليس فقط لأهمية المجال الاجتماعي وأمنه وتحصينه من الاختراقات، وإنما لإعادة العافية للدولة التي لا يمكن أن تحافظ على وجودها وقيمها، بلا مجتمع سليم ومعافى نفسياً واجتماعياً.
خذ، مثلا، ملف «الأيتام» ( اليتامى: أدق)، الذي قلما يحظى باهتمامنا، لدينا اكثر من 120 ألف يتيم ممن تقل أعمارهم عن 18 عاماً (إحصائيات 2019)، يشكلون 3 % من عدد سكان المملكة، واعتقد أن عددهم الحقيقي يتجاوز الان الـ200 ألف يتيم، خذ مثلا آخر، ملف النساء المعيلات، سواء الأرامل أو المطلقات، لدينا أكثر من 300 ألف امرأة معيلة لأسرهن، معظمهن بلا عمل، وأغلبهن تزيد أعمارهن عن 60 عاماً، ويشكلن نحو 15% من عدد الأسر الأردنية.
خذ، ثالثاً، ملف المخدرات، تصاعدت نسبة انتشار المخدرات في بلدنا نحو 500% خلال الأعوام الماضية، بمعدل جريمة مخدرات كل 26 دقيقة، ما يعني أن هذه التجارة أصبحت بمثابة حرب على الأردن، وربما تحظى بمراكز دعم داخلية، تمكنها من الانتشار والازدهار، سجل الأردن ارتفاعًا في جرائم المخدرات، حيث بلغ إجمالي القضايا المرتبطة بالمخدرات في عام 2024 حوالي 25,260 قضية، مقارنة بـ 22,956 قضية في عام 2023، بزيادة نسبتها 10.04%، يتوزع المتعاطون على بيئات مختلفة؛ الجامعات 18%، المدارس 13%، الأماكن العامة 34%، وفق دراسة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي، سؤال المخدرات لا يتعلق بهذه الأرقام المفزعة، ولا بضحاياها، وإنما أيضا بالأباطرة الذين ما زالوا غائبين عن المحاسبة.
خذ الملف الرابع، الأردنيون الذين يعانون من الاضطرابات النفسية (أبرزها الاكتئاب) وصل عددهم لنحو ( 2) مليون، معظم هؤلاء لا يجدون مصحات نفسية للعلاج، وبعضهم لا يذهب لها أصلا، ( يوجد في الأردن نحو 135 طبيباً نفسياً، بالإضافة إلى 40 اختصاصياً في الأمراض النفسية في وزارة الصحة، ونحو 60 عيادة نفسية)، خذ الملف الخامس ويتعلق باللقطاء ومجهولي النسب حيث يبلغ عددهم السنوي نحو 70 طفلا، ووصل عددهم الإجمالي إلى نحو (1000) حسب التقديرات، هؤلاء يتوزعون على ثلاث فئات، لقطاء تجدهم الشرطة بالأماكن العامة، أو نتاج زواج غير شرعي، أو معروفي الأم ومجهولي الأب، وغالبا ما ينظر اليهم المجتمع بالرفض، وقلما يجدون من يساعدهم.
إذا أضفنا لذلك، ملف العازفين عن الزواج (80 ألفا من الذكور و123 ألفا من الإناث ممن تزيد أعمارهم عن 35 عاماً)، وملف الطلاق (123 ألف مطلق و145 ألف مطلقة) وملف العنف الأسري الذي يعد المتسبب الأبرز للطلاق ( نحو 50% من الحالات سببها العنف بأنواعه)، وملف الانتحار (نحو 200 حالة انتحار سنوياً)، وغير ذلك من القضايا المسكوت عنها، يمكن عندئذ أن نفهم ما يتغلغل داخل المجتمع من مشكلات ثقيلة، ثم نجيب بصراحة عن سؤال، كيف يفكر الأردنيون، وكيف يتصرفون، ثم من المسؤول عما أصابهم، كل ذلك لكي نفهمهم بدل أن نتركهم بلا مساعد أو نتهمهم بالشكوى والسلبية.