عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    14-Apr-2026

المجتمع المدني بالميزان النقدي: قراءة في تحولات المفهوم ووظائفه

 الغد-د. أيوب أبو دية

 يأتي كتاب "نقد المجتمع المدني ومفاهيمه" للأستاذ الدكتور توفيق شومر، الصادر عن الأهلية للنشر والتوزيع عام 2026، في سياق فكري وسياسي يتسم بإعادة مساءلة مفاهيم بدت، لفترة طويلة، وكأنها محسومة أو مكتملة، وفي مقدمتها مفهوم "المجتمع المدني".
 
 
يقدّم المؤلف قراءة نقدية عميقة تتجاوز الطرح الوصفي، ساعيًا إلى تفكيك الأسس الفلسفية والتاريخية التي قام عليها هذا المفهوم، لا سيما في تزامنه مع صعود الرأسمالية. كما يكشف عن تحوّلاته ووظائفه في السياق الرأسمالي المعاصر، في ظل هيمنة الإمبريالية وما أفرزته من آليات ووسائل إنتاج.
ينطلق الكتاب من خلفية فلسفية تستحضر أطروحات مادية جدلية متعددة، ولا سيما أطروحة كارل ماركس العاشرة حول لودفيغ فويرباخ، حيث يشير ماركس إلى ضرورة الانتقال من "المادية القديمة" التي تكتفي بتفسير العالم، إلى "المادية الجديدة" التي تنطلق من المجتمع الإنساني بوصفه مركز التحليل. وهذا التحول، كما يوضحه شومر، ليس مجرد تعديل فلسفي، بل انتقال جذري من النظر إلى الإنسان ككائن معزول إلى اعتباره نتاجا لعلاقات اجتماعية تاريخية معقدة ومتراكمة، فضلا عن كونه فاعلًا في صناعة تاريخه وحقوقه الأساسية.
وفي هذا الإطار، يستعرض الكتاب تطور مفهوم المجتمع المدني منذ جذوره الأولى في فكر توماس هوبز وجون لوك في القرن السابع عشر، حيث ارتبط المفهوم ببناء الدولة الحديثة وتنظيم العلاقة بين الفرد والسلطة. ثم يتتبع مسار نضجه مرورًا بمفكري الليبرالية، مثل جيريمي بنثام وجون ستيوارت مل، متوقفًا عند أثر إنجازات الثورة الفرنسية، حيث اقترن مفهوم المجتمع المدني بشعارات الحرية والإخاء والمساواة، وأضحى جزءا من مشروع سياسي-اجتماعي أوسع امتد على نطاق عالمي.
غير أن شومر يرى أن هذا التطور لم يكن بريئا؛ فالديمقراطية السياسية، رغم ما حققته من إنجازات، جاءت ثمرة صراع تاريخي بين الطبقة البرجوازية المهيمنة على رأس المال والطبقات الشعبية المُهمَّشة. إلا أن هذا الصراع، بحسب المؤلف، لم ينتهِ بانتصار الديمقراطية، بل دخل طورًا جديدًا مع تحوّل الرأسمالية إلى إمبريالية، حيث غدت هذه الأخيرة-بتعبيره-"هراوة"، لسحق حقوق الإنسان، أي أداة لتقييدها وإخضاعها بما يخدم هيمنة رأس المال على القرار السياسي-الاجتماعي.
وفي هذا السياق، يقدّم الكتاب نقدًا حادًا لمنظمات المجتمع المدني المعاصرة، معتبرًا أنها لم تعد، بالضرورة، تعبيرًا عن الحرية المجتمعية أو المشاركة الفاعلة في الحكم، بل تحوّلت في كثير من الأحيان إلى أدوات تُسهم في إعادة إنتاج الهيمنة. كما انشغلت-وفق هذا الطرح-بالتغطية على أشكال الاستغلال الرأسمالي والاضطهاد والنهب الإمبريالي عبر التركيز على قضايا جزئية، مثل حقوق الطفل أو حقوق الحيوان، دون الاقتراب من البنى الاقتصادية والثقافية والسياسية العميقة التي تُنتج هذا الظلم والتفاوت الطبقي.
ويزداد هذا النقد حدّة مع تحليل التحولات الاقتصادية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وصعود هيمنة الولايات المتحدة، حيث يبيّن المؤلف كيف أدّت سيطرة رأس المال المالي على حساب رأس المال الصناعي-ولا سيما في ظل الثورة الرقمية وتطور الذكاء الاصطناعي-إلى إعادة تشكيل بنية السلطة على المستوى العالمي.
ويرى أن هذا التحول أسهم في إضعاف الأسس التقليدية للمجتمع المدني، وربطها بصورة أوثق بمنظومة الهيمنة المالية العالمية.
ومع ذلك، يدعو الكتاب إلى تجاوز هذه الأزمة من خلال العودة إلى مفهوم "المجتمع الإنساني"، أو ما يسميه "المادية الجديدة"، بوصفه بديلًا نظريًا وأخلاقيًا وعمليًا ممكنًا. غير أن هذه الدعوة، على أهميتها، تظل-كما يمكن ملاحظته-غير مكتملة من حيث تحديد الوسائل العملية والشروط الموضوعية اللازمة لتحقيق هذا الانتقال، سواء في بلدان المركز أو الأطراف التي تختلف عنها بنيويًا، بحكم طبيعة علاقاتها الداخلية بين قطاعاتها المتعددة، وكذلك علاقاتها الخارجية القائمة على التبعية والاستقطاب وعدم التكافؤ.
ومن زاوية نقدية، يمكن الإشارة إلى أن هذا الكتاب، على الرغم من طابعه النقدي، لا يمنح اهتمامًا كافيًا للفروق البنيوية بين "المراكز" و"الأطراف" في النظام العالمي. فكما بيّن مفكرون مثل مهدي عامل وسمير أمين وإيمانويل والرشتاين، فإن مؤسسات المجتمع المدني في دول المركز الرأسمالية في الشمال تمتلك موارد كبيرة، ورؤى إستراتيجية، وترتبط ارتباطا وثيقا بالأحزاب الفاعلة، ما يتيح لها أداء دور-ولو جزئيا-في التخفيف من آثار الاستغلال الذي تمارسه هذه المراكز على دول الأطراف، مثل مظاهر الفقر والبطالة.
في المقابل، تعاني مؤسسات المجتمع المدني في دول الأطراف في الجنوب من اختلالات بنيوية عميقة. فبينما يُروَّج لكون هذه الدول في طور النمو، فإنها-في الواقع-تعيش حالة "تنمية في التخلف"، وهو المفهوم الذي يتقاطع مع ما طرحه سمير أمين في تحليلاته، ويتقاطع أيضًا مع ما ورد في كتاب "تنمية التخلف العربي".
وتعكس هذه الحالة هشاشة البُنى الاقتصادية، وصعوبات التمويل، وارتفاع مستويات المديونية الناتجة عن القروض المتواصلة.
وتكشف الخبرة العملية أن مؤسسات المجتمع المدني في دول مثل الأردن تعاني من محدودية شديدة في الحصول على الدعم المحلي، في مقابل تدفقات مالية كبيرة تُمنح لمنظمات دولية تعمل غالبًا ضمن أجندات خاصة. وفي هذا السياق، يُنظر إلى دور بعض هذه المنظمات بوصفه مساهمة في تلطيف آثار النهب الإمبريالي في دول الجنوب، وتأجيل تفجّر الأزمات الاجتماعية والسياسية، بدلًا من معالجتها جذريًا.
تطرح هذه المفارقة سؤالًا جوهريًا حول مدى مشروعية تعميم نقد واحد على مختلف أشكال المجتمع المدني، ومواقعه، وبرامجه، وقدراته التقنية واللوجستية والمالية، من دون تمييز بين سياقاته البنيوية المتباينة بين دول الشمال ودول الجنوب. كما تفتح المجال لإعادة التفكير في دور هذه المؤسسات في المجتمعات النامية، لا بوصفها أدوات هيمنة وتلطيف للفقر والتخلف والمعاناة فحسب، بل أيضا كفضاءات مقاومة محدودة الإمكانات، أو كمساحات للتنفيس عن القيود المفروضة على الحريات، عبر السماح بتناول قضايا مثل تلوث البيئة والاعتداء على الغابات، وغيرها.
في المحصلة، يقدّم كتاب "نقد المجتمع المدني ومفاهيمه" مساهمة فكرية جريئة في تفكيك أحد أكثر المفاهيم تداولًا في الفكر السياسي المعاصر. وتكمن قوته في عمق تحليله التاريخي والفلسفي، وجرأته في مساءلة المسلّمات، غير أنه يترك بعض الأسئلة مفتوحة، لا سيما ما يتعلق بآفاق التغيير العملي المؤدي إلى "المجتمع الإنساني" وشروط تحققه، فضلًا عن غياب التمييز الكافي بين المراكز والأطراف من حيث استراتيجيات التغيير.
وبذلك، لا يقدّم الكتاب إجابات نهائية بقدر ما يدفع القارئ إلى إعادة التفكير في مفاهيم المجتمع، والديمقراطية، والحرية، في سياق تطورها التاريخي، ضمن عالم تحكمه تحولات رأس المال المعولم والتقانة غير المنضبطة المصاحبة له. ولعل القيمة الأعمق لهذا العمل تكمن في قدرته على إزعاج اليقين وفتح أفق التفكير، بدل إغلاقه بأجوبة جاهزة؛ فهو نص لا يُقرأ بحثًا عن حلول نهائية، بل بوصفه دعوة متجددة إلى مساءلة الواقع واستئناف التفكير في إمكان تغييره.