ضمن مساعيه لتهويد القدس.. الاحتلال يغير اسم "باب العامود" إلى "البوابة القديمة"
الغد
القدس المحتلة - في خطوة غير مسبوقة، أزالت سلطات الاحتلال الإسرائيلي في القدس المحتلة اللافتة التي تحمل اسم "باب العامود" عند المدخل الرئيسي للبلدة القديمة، المؤدي إلى المسجد الأقصى المبارك من جهته الشمالية، واستبدلت بها لافتة جديدة كتب عليها باللغات العربية والإنجليزية والعبرية اسم "البوابة القديمة"، في خطوة تتجاوز التسمية التاريخية للموقع، وتحمل دلالات توراتية مرتبطة بالرواية الإسرائيلية للمدينة، وتغيّر الهوية التاريخية الإسلامية.
ويقول عضو مجلس أمناء المسجد الأقصى، فخري أبو دياب، إن "إزالة اسم باب العامود تأتي في سياق مخطط للاحتلال الإسرائيلي لتغيير الهوية البصرية للمناطق ذات الرمزية الفلسطينية والعربية والإسلامية في القدس"، مشيراً إلى أن سلطات الاحتلال بدأت من أحد أبرز أبواب البلدة القديمة وأكثرها حضوراً في الذاكرة المقدسية.
ويوضح أبو دياب أن باب العامود يعد من أهم أبواب البلدة القديمة وأشهرها، ويعرف أيضاً باسم "باب النصر"، وهي تسمية برزت عقب الانتفاضة الثانية وتعزز حضورها خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما بعد عام 2021، مضيفاً: "كما يكتسب الباب خصوصية في الذاكرة الإسلامية، باعتباره من المداخل التاريخية للبلدة القديمة، ويرتبط في الرواية المحلية بمرور القائد صلاح الدين الأيوبي من هذه الجهة خلال استعادة القدس عام 1187، ما يمنح الموقع رمزية تتجاوز كونه أحد مداخل المدينة القديمة".
ولا تنحصر أهمية الموقع، وفق المصدر، في الباب نفسه، إذ يمتد منه شارع السلطان سليمان القانوني، وهو أحد الشوارع المرتبطة بتاريخ القدس الإسلامي. ويعتبر أبو دياب أن تغيير اسم باب العامود، في هذه الحالة، يبعث برسالة تتجاوز اللافتة ذاتها إلى المجال التاريخي المحيط بها، ولا سيّما مع استمرار حضور الزوار القادمين من تركيا إلى القدس في الآونة الأخيرة على نحوٍ لافت.
تسمية "البوابة القديمة"
وبشأن تسمية "البوابة القديمة" التي وضعتها سلطات الاحتلال، فيربطها أبو دياب بالروايات التلمودية المتعلقة بما يسمى "الهيكل". ويقول في هذا السياق إن "هذه الروايات تزعم وجود باب في هذه المنطقة يستخدم للوصول إلى ما تسميه تلك الروايات (المعبد)، من خلال مسارات تبدأ من منطقة سلوان وتتجه نحو المسجد الأقصى، مروراً بما يشار إليه في الرواية التلمودية بمرافق مرتبطة بالهيكل، ومنها مياه عين سلوان".
وبحسب هذه الرواية، فإن مساراً آخر كان يتضمن الدخول من "البوابة القديمة"، الذي يربطه أبو دياب بباب العامود، إلى ما يسمى "المعبد".
ومن هنا، يرى عضو مجلس أمناء المسجد الأقصى أن اعتماد التسمية الجديدة ليس إجراءً لغوياً محضاً، وإنما محاولة لربط الموقع بالرواية التوراتية والتلمودية، والإيحاء بأن الباب كان قائماً في الحقبة التي تتحدث عنها تلك الروايات، وأنه كان جزءاً من طريق يؤدي إلى ما تسميه إسرائيل "الهيكل".
ويضع أبو دياب إزالة اللافتة ضمن سياسة أوسع تستهدف تغيير معالم القدس، مبينا إنّ "هناك سياسة لتغيير هوية مدينة القدس، وهذا برنامج ومخطط متدرج وملموس لمحو الذاكرة فيها"، ويشير إلى أن عملية محو الذاكرة تتخذ مسارات متعدّدة، من أبرزها تغيير أسماء الشوارع والمناطق واللافتات واستبدال التسميات العربية بأخرى عبرية تحمل دلالات توراتية.
ترسيخ رواية الاحتلال
إلى ذلك، يرى الخبير الفلسطيني أن الهدف من ذلك لا يقتصر على تغيير الأسماء، وإنما يمتد إلى إعادة صياغة المشهد العام في القدس بما يرسخ رواية الاحتلال في الوعي العام ولمن يزور القدس من السيّاح. وبحسب أبو دياب، فإن استبدال الأسماء العربية والإسلامية بتسميات عبرية يهدف إلى نزع الصفة التاريخية العربية والإسلامية عن المدينة المقدسة وإضفاء طابع عبري عليها.
ويرى أن ذلك يندرج ضمن ما يصفه الاحتلال بسياسة "فرض السيادة" على القدس، والتي لا تقتصر على الجانب السياسي أو الإداري، وإنما تشمل فرض سيادة ثقافية وتاريخية تمس هوية المدينة المقدسة. وعلى الرغم من أن تغيير هوية القدس وأسرلة أسمائها ليسا سياسة جديدة، فإن أبو دياب يؤكد أن تكثيف هذه الإجراءات في المرحلة الحالية "يرتبط بمحاولة الاحتلال الإسراع في فرض روايته على المدينة، مستفيداً من الظروف الإقليمية وانشغال الأنظار عمّا يجري فيها".
توظيف سياسي
في غضون ذلك، أشار عضو مجلس أمناء المسجد الأقصى إلى أن الحكومة الإسرائيلية وبلدية الاحتلال في القدس والتيارات اليمينية المتطرفة تعمل، خصوصاً في ظل الاستحقاقات الانتخابية، على تقديم خطوات داخل القدس باعتبارها إنجازات يمكن توظيفها سياسياً أمام جمهور اليمين، خلال الانتخابات المقرّرة أواخر تشرين أول (أكتوبر) القادم.
ويؤكد أن استهداف هوية القدس قد يتحول إلى ورقة انتخابية بالنسبة إلى اليمين المتطرف، من خلال تقديم تغييرات ميدانية، حتى وإن بدت محدودة، على أنها خطوات باتجاه تكريس الطابع اليهودي للمدينة.
ويعتقد أبو دياب أن اختيار باب العامود تحديداً يرتبط بأهميته الاستثنائية في حركة المقدسيين والفلسطينيين، إذ كان خلال السنوات الماضية مكان تجمّع المقدسيين والفعاليات والأنشطة الخاصة بهم.
ويقول إنّ "استهداف باب العامود قد يكون بمثابة (جس نبض) لردّات الفعل المقدسية والعربية والإسلامية تجاه تغيير اسم موقع بهذه الرمزية"، محذراً من أن تمر هذه الخطوة من دون ردّات فعل واضحة، معتبراً أن نجاح الاحتلال في تغيير اسم أحد أكثر المواقع شهرة قد يشجعه على الانتقال لاحقاً إلى مواقع وأسماء أقل شهرة، وصولاً إلى إعادة تشكيل الخريطة الاسمية للمدينة المقدسة تدريجياً.
ويؤكد أبو دياب أن كثيراً من التسميات المستهدفة ترتبط بذاكرة تاريخية تمتد لمئات السنين، وأن المعركة، في جوهرها، لا تتعلق بلافتة واحدة، وإنما بمحاولة محو الذاكرة العربية والإسلامية للقدس وإحلال رواية أخرى مكانها.-(وكالات)