عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    08-Feb-2026

إعادة جويلي أنهت الحرب شكليا وأبقت المعضلات الأمنية بلا حل

 الغد

عاموس هارئيل* - (هآرتس بالعربي) 2026/1/27
 
بعد استعادة الأسرى والقتلى بجهد غير مسبوق، يجد نتنياهو نفسه الآن أمام تفاصيل الاتفاق: من نفوذ حماس في غزة إلى التدخل العلني لقطر وتركيا. كل ذلك يحدث أبكر بكثير مما كان يخطط له.
 
 
على المستوى الظاهري، يشكل العثور في غزة على جثمان الجندي رقيب أول ران جويلي وإعادته إلى إسرائيل لحظة النهاية الفعلية للحرب في القطاع. فقد استمرت الحرب عامين وثلاثة أشهر، والآن أوفت الدولة بوعدها: جميع الأسرى الإسرائيليين، الأحياء منهم والقتلى، عادوا إلى الوطن. وتحقق ذلك تدريجيًا عن طريق جهود هائلة للأجهزة الأمنية، وبثمن باهظ من أرواح المقاتلين. وهكذا تُطوى القضية.
كان جويلي، وهو شرطي في وحدة الدوريات الخاصة التابعة لشرطة الجنوب، في إجازة يوم 7 تشرين الأول (أكتوبر) بسبب إصابة تعرّض لها في حادث. وعلى الرغم من إصابته خرج للقتال وكتفه مكسور، وسقط في المعركة دفاعًا عن كيبوتس ألوميم. وقد استمرت محاولات العثور عليه منذ ذلك اليوم. وبينما تم حل ألغاز أخرى، بقي مصيره مجهولًا -إلى أن أُعلن عن مقتله في كانون الثاني (يناير) 2024.
وأفاد جهاز الشاباك يوم الاثنين، 22 كانون الأول (ديسمبر)، بأن الاختراق الحاسم في التحقيق تحقق قبل نحو شهر، بعد أن اختطف الجهاز من جنوب مدينة غزة عنصرًا في حركة الجهاد الإسلامي، كشف خلال التحقيق عن معلومات حول الموقع المرجّح لدفن الجثمان. وبدأت عمليات البحث في المقبرة الواقعة غرب مدينة غزة قبل أيام، وتم قبل العثور على الجثة فحص نحو 250 جثمانًا، بعضها دُفن في مقابر جماعية.
على الصعيد العام، رافق هذه التطورات شعورٌ بشيء من الارتياح، مع حلّ اللغز الأخير وزوال العبء الذي خلّفه غياب آخر المفقودين. كما حملت القضية رسالة مبدئية وأخلاقية، تؤكد الالتزام الإسرائيلي الملموس بإعادة الجميع. وقال والدا جويلي بعد تلقيهما نبأ استعادة جثمانه: "الفخر أقوى من الحزن".
لكن نهاية هذه القضية لا تغيّر صورة الحرب. لن يتبدد الإحساس بالفشل الهائل -استخبارياً وعسكرياً واستراتيجياً- الذي أتاح وقوع مجزرة السابع من تشرين الأول (أكتوبر) في محيط غزة، مع استعادة جويلي. كما أن التعقيدات الأمنية في الساحات المحيطة لم تُحل بعد.
في غزة، تنتهي الحرب مؤقتاً بتسوية تفرضها الولايات المتحدة على إسرائيل، والتي هي بعيدة جداً عن وعود الحكومة. وفي إيران، ما يزال من غير الواضح على الإطلاق ما إذا كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتجه إلى شن هجوم يهدف إلى إسقاط النظام، في مواجهة قد تجرّ إسرائيل إلى خضمها.
في خطوة غير معتادة، أصدر مكتب رئيس الحكومة والناطق باسم الجيش الإسرائيلي مساء يوم الأحد في الأسبوع الماضي بيانات عن عملية البحث عن جثمان جويلي قبل العثور عليه. وقد اتضح السبب الحقيقي لنشر البيان قبل تحقيق أي نتائج ملموسة قبيل منتصف الليل، حيث أصدر مكتب نتنياهو بيانًا آخر يعلن فيه قرب فتح معبر رفح. وكان الإعلان عن جويلي مخصصًا لتخفيف حدة الانتقادات الشعبية المتوقعة لقرار فتح المعبر الذي فُرض على نتنياهو ويُنفّذ الآن خلافًا لتعهداته السابقة.
لا تنسجم المرحلة الثانية من الاتفاق في غزة، التي أعلن ترامب عن بدء تنفيذها منتصف الشهر، مع صورة "ما بعد الحرب" التي رسمها نتنياهو لجمهوره. والمفارقة أن نجاح "حماس" في تحديد مواقع معظم جثامين الأسرى القتلى بنفسها، خلافًا لتقديرات الاستخبارات الإسرائيلية، يكشف عن أمرين: أن سيطرة الحركة على نصف القطاع الذي يخضع لها ما تزال أكثر إحكامًا وتنظيمًا مما كان متوقعًا، وأن لديها مصلحة في المضي قدمًا في مراحل الاتفاق لأنها تعتقد أن هذه المراحل لا تعني إقصاءها النهائي عن حكم غزة.
في الوقت الحالي، يتحدث ترامب عن نزع سلاح "حماس" ويهدد بتدميرها إذا لم تستجب. ومع ذلك، ما تزال الحركة في موقعها، تنتظر دعمًا من قطر وتركيا في ظل الصفقة التي صاغها الأميركيون، وتواصل فرض الضرائب على البضائع الداخلة إلى القطاع، بما فيها تلك التي يجري تهريبها من إسرائيل.
طوال زمن الحرب -وحتى بعد وقف إطلاق النار في تشرين الأول (أكتوبر)- بذلت الدولة والأجهزة الأمنية جهودًا غير مسبوقة للعثور على جميع الأسرى وإعادتهم. ومن غير المرجح أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب كان سيتخيل يومًا أن ينخرط بهذا القدر في تحديد مصير جندي إسرائيلي واحد قُتل. لكن الإصرار الإسرائيلي، من خلال العمليات الميدانية والعمل الاستخباراتي وطاولة المفاوضات، أثمر في نهاية المطاف.
سوف يُخرج إغلاق ملف الجندي الأخير قضية الأسرى من صدارة الأجندة العامة، ويفتح الباب أمام التركيز على الملفات الأهم الآن: استخلاص العبر من الإخفاقات، وصياغة سياسة إسرائيلية للمرحلة المقبلة. غير أن هذه القضايا، المشحونة سياسيًا إلى أقصى حد، ستتحول إلى محور الصراع في الانتخابات المقبلة، ما يجعل التوافق بشأنها مهمة شاقة.
ما يزال الجناح اليميني المتطرف في الحكومة، الذي بقي في الائتلاف على الرغم من معارضته لصفقات التبادل، يواصل التصرف بلا أي إحساس بالمسؤولية الجماعية. وهو يهاجم الآن نتنياهو متهمًا إياه بالرضوخ لترامب. وسوف تسرِّع استعادة جثمان آخر أسير تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق الأميركي، وستجبر مؤيدي نتنياهو والحكومة على مواجهة الواقع ومعنى الاتفاق الحقيقي: من بقاء حماس في السلطة -ولو مؤقتًا- إلى الحضور العلني لقطر وتركيا في غزة. كل ذلك يحدث لرئيس الحكومة أبكر بكثير مما كان قد خطط له. ويبدو أن فتح معبر رفح لن يكون سوى أصغر مشاكله فحسب.
 
*عاموس هارئيل: صحفي ومحلل عسكري وأمني إسرائيلي بارز، يعمل مراسلًا للشؤون العسكرية في صحيفة "هآرتس". يُعد من أبرز المتخصصين في تغطية الجيش الإسرائيلي والصراعات الإقليمية. ويتميز بتحليل معمّق لبنية المؤسسة العسكرية الإسرائيلية وعقيدتها القتالية، وبقراءة نقدية لأداء القيادتين السياسية والعسكرية في الحروب والعمليات الأمنية. شارك في تأليف عدد من الكتب، من بينها كتب مشتركة مع ألوف بن تناولت تاريخ الجيش الإسرائيلي وتحوّلاته. يُعرف بأسلوب مهني دقيق يجمع بين الخبرة الميدانية والتحليل الاستراتيجي.