عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    09-Feb-2026

تشجيع الإعلام للهجوم على إيران

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
جوناثان كوك* - (مدونة كوك) 30/1/2026
 
لا تمثّل وسائل الإعلام المؤسسية في الغرب مصالح الإنسانية. إنها تروّج لمصالح أصحاب المليارات وحاشيتهم، الذين يحققون أرباحًا هائلة من آلة حرب تحتاج على الدوام إلى ذرائع للقتل. وصحافتها كتابة إملائية، وتدوين حرفي لحساب حكومات غربية لا تختار أعداءها وحلفاءها على أساس التزامهم بأي معايير أخلاقية أو قانونية للسلوك، وإنما على أساس واحد فقط: مدى مساعدتهم للغرب في معركته للهيمنة على موارد النفط في الشرق الأوسط.
 
 
القانون الدولي واضح تمامًا في هذا الشأن. إذا قامت الولايات المتحدة بمهاجمة إيران، فسيكون ذلك حربَ عدوان، وارتكابًا لـ"الجريمة الدولية الأشد خطورة".
لكن مهمة وسائل الإعلام -حتى التي توصَف منها بأنها ليبرالية، مثل صحيفة "الغارديان"، هي إقناعك بأن هذا ليس هو جوهر القضية. وبأن تشكّك في ما تراه بعينيك لأنهما -كما يُفترض- تكذبان عليك.
انظر إلى هذا العنوان والعنوان الفرعي المذهلين في عدم أمانتهما، اللذين ظهرا في عدد يوم الخميس، من الصحيفة:
"...ترامب يحذّر من أن الوقت للتوصل إلى اتفاق ينفد". يوحي هذا العنوان وكأن ترامب يملك نوعًا من السلطة يتيح له إصدار هذا "التحذير". مهلاً يا "غارديان"، ربما كان يفعل ذلك نيابةً عن "مجلس السلام" خاصته!
الحقيقة أنه لا يملك أي سلطة من هذا النوع. وتعود السلطة في هذا الشأن إلى الأمم المتحدة. وما يقوم ترامب بإصداره ليس تحذيرًا؛ إنه تهديد عدواني غير قانوني على الإطلاق.
على أي حال، كانت إيران تحاول جرّ الولايات المتحدة للعودة إلى طاولة المفاوضات منذ أن مزّق ترامب -من طرف واحد- الاتفاق الأصلي بينهما قبل ثماني سنوات. ولا يحدث "نفاد الوقت" إلا لأن الولايات المتحدة قررت الآن أنها تحتاج إلى ذريعة لشن حرب عدوانية غير قانونية. فلماذا لا توضح "الغارديان" ذلك في عناوينها؟
كان ما فعلته الصحيفة هو العكس، حيث قلبت الواقع رأسًا على عقب. كان ترامب، بحسب "الغارديان"، هو الذي يُفترَض أنه يسعى إلى تأمين صفقة -وهو ترامب نفسه الذي مزّق الاتفاق الأصلي، ورفض العودة إلى المفاوضات، وبدلًا من ذلك قصف إيران الصيف الماضي- في فعل عدواني غير قانوني آخر.
ويقول العنوان الفرعي: "الرئيس الأميركي يقول إن هناك أسطولًا بحريًا متجهًا نحو إيران، ’مستعدًا لتنفيذ مهامه بالعنف إذا لزم الأمر‘". هذه كانت طريقة "الغارديان" في حجب حقيقة أن ترامب يستعد لانتهاك القانون الدولي بشنّ حرب عدوانية، أي "الجريمة الأكثر فداحة".
يُقدِّم عنوان "الغارديان" الرئيسي وعنوانها الفرعي معًا فعلًا أميركيًا مفرطًا الافتقار إلى الشرعية كما لو أنه كان إجراءً من إجراءات إنفاذ القانون. وليس هذا عملًا صحفيًا. إنه تشجيعٌ وترويجٌ لحرب غير قانونية سيدفع المدنيون الإيرانيون حتمًا الثمن الأثقل لها.
علينا أن نتوقف عن الاعتقاد بأن أيًّا من وسائل الإعلام المؤسسية يمثّل مصالح الإنسانية. إنها تروّج فقط لمصالح طبقة المليارديرات وحاشيتهم، الذين يجنون أرباحًا هائلة من آلة حرب تحتاج باستمرار إلى ذرائع للقتل.
ولا تستنطق وسائل الإعلام المؤسسية هؤلاء المليارديرات وتدعو إلى محاسبتهم، وإنما تتلخص وظيفتها الوحيدة في أن تعمل كذراع لعلاقاتهم العامة فحسب.
في الأثناء، إليكم مثالًا آخر على نوع الصحافة بالغة اللامسؤولية من "هيئة الإذاعة البريطانية" (BBC) في برنامج "أخبار العاشرة" لهذا المساء.
تبدأ المراسلة الدبلوماسية، كارولاين هاولي، بتضخيم ساذج لحصيلة وفيات خيالية تبلغ "عشرات الآلاف من القتلى" جراء الاحتجاجات الأخيرة في إيران -وهي أرقام مقدَّمة من معارضي النظام. وقارنوا ذلك بالحذر المستمر، على مدى عامين كاملين، والتقليل المنهجي من ذكر أعداد القتلى الذين سقطوا في غزة على يد إسرائيل، كما دأبت عليه "هيئة الإذاعة البريطانية".
إن فكرة أن قوات الأمن الإيرانية تمكّنت خلال أيام قليلة من قتل عدد من الإيرانيين يوازي ما قتلته إسرائيل من الفلسطينيين في غزة عن طريق حملة قصفٍ سجّادي مطوّل وتسويةٍ شبه كاملة لذلك الجيب الصغير بالأرض، فضلًا عن تجويع سكانه، هي فكرة تثير الدهشة إلى حدّ عدم التصديق. الأرقام تبدو سخيفة بوضوح -لأنها سخيفة فعلًا.
إمّا أن تكون حصيلة القتلى في إيران مضخَّمة إلى حدٍّ كبير، أو أن تكون حصيلة القتلى في غزة أقل بشكل فادح من الحقيقة. أو، وهو الأرجح بكثير، أن كلا الرقمين يُستخدَمان عمدًا للتضليل.
لدى "هيئة الإذاعة البريطانية" أجندة سياسية تعتبر أنه من المقبول تمامًا تصدير عنوان رئيسي يتضمن رقمًا مختلقًا ومضخَّمًا لعدد القتلى في إيران، لأن قادتنا عرّفوا إيران بأنها "عدو رسمي". وفي المقابل، لدى "الهيئة" أجندة سياسية معاكسة ترى أنه من المقبول استخدام تحفّظات لا تنتهي لتقليل حصيلة القتلى في غزة -وهي حصيلة من المؤكد سلفًا أنها أقل بكثير من الواقع، لأن إسرائيل تُعرَّف بأنها "حليف رسمي".
ليس هذا عملًا صحفيًا. إنها كتابة إملائية، وتدوين حرفي لحساب حكومات غربية لا تختار أعداءها وحلفاءها على أساس التزامهم بأي معايير أخلاقية أو قانونية للسلوك، وإنما على أساس واحد فقط: مدى مساعدتهم للغرب في معركته للهيمنة على موارد النفط في الشرق الأوسط.
لاحظوا شيئًا آخر. هذا المقطع الإخباري -الذي يعيد تركيز انتباه الرأي العام الغربي مرة أخرى على ما يُفترَض أنه ذبحٌ عشوائي للمتظاهرين في إيران في كانون الثاني (يناير)، والذي تستخدمه "هيئة الإذاعة البريطانية" لدفع الحجة باتجاه شنّ حرب على إيران بدواعٍ إنسانية بحتة -وهي دوافع لا يبدو أن ترامب نفسه يتبنّاها.
لم يرسل ترامب أسطوله من السفن الحربية إلى الخليج لأنه يقول إنه يريد حماية المتظاهرين -سوف تقتل الضربات الصاروخية بلا شك عددًا أكبر بكثير من المدنيين الإيرانيين. لقد أرسله لأنه يقول إنه يريد إرغام إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات بشأن برنامجها النووي.
ثمة مُسبقًا طبقات عميقة من الخداع لدى الساسة الغربيين عندما يتعلق الأمر بإيران -ليس أقلّها الافتراض الممتد لسنوات بأن إيران تسعى إلى امتلاك قنبلة نووية، وهو ادعاء ما يزال بلا أي دليل، وكذلك الزعم بأن طهران هي المسؤولة عن انهيار الاتفاق الخاص بمراقبة برنامجها النووي المدني. والحقيقة أن ترامب هو الذي مزق، في ولايته الرئاسية الأولى، ذلك الاتفاق.
وردّت إيران برفع نسبة تخصيب اليورانيوم إلى ما يتجاوز المستويات اللازمة للاستخدام المدني، في خطوة كانت طهران قد أبلغت واشنطن بها مرارًا وبوضوح، وكان هدفها الواضح هو تشجيع إدارة بايدن السابقة على إحياء الاتفاق الذي دمّره ترامب.
لكن ترامب لم يستخدم هذا التخصيب، عند عودته إلى السلطة، كمبرر للعودة إلى الدبلوماسية، واستخدمه بدلًا من ذلك كذريعة؛ أولًا لتشديد العقوبات الأميركية التي زادت من شلل الاقتصاد الإيراني وعمّقت الفقر بين الإيرانيين العاديين، ثم كذريعة لشن ضربة ضد إيران الصيف الماضي، والتي يبدو أنها لم تُحدِث فرقًا يُذكر في برنامجها النووي، لكنها خدمت في إضعاف دفاعاتها الجوية، واغتيال بعض قادتها، وبثّ الرعب في أوساط السكان على نطاق أوسع.
لاحظوا أيضًا -ولو أن "هيئة الإذاعة البريطانية" لن تشير إلى ذلك- أن العقوبات الأميركية هي شكل من أشكال العقاب الجماعي المفروض على السكان الإيرانيين المدنيين، وهو ما يشكل خرقًا للقانون الدولي، وأن الضربات التي نُفِّذت ضد إيران العام الماضي كانت حربَ عدوانٍ واضحة، تُعرَّف بأنها "الجريمة الدولية الأعلى".
والآن يتخذ الرئيس الأميركي موقفًا يريد أن يوحي من خلاله بأنه هو الذي يسعى إلى جرّ إيران إلى طاولة المفاوضات عن طريق إرسال أسطول من السفن الحربية، في حين أنه هو نفسه كان الذي قلب تلك الطاولة التفاوضية رأسًا على عقب في أيار (مايو) 2018، ومزّق ما كان يُعرَف بـ"خطة العمل الشاملة المشتركة".
بطبيعة الحال، لا تذكر "هيئة الإذاعة البريطانية" من قريب أو بعيد هذا السياق بالغ الأهمية للحكم على مصداقية ادعاءات ترامب بشأن نواياه تجاه إيران. وبدلًا من ذلك، تعيد محررة شؤون أميركا الشمالية فيها، سارة سميث، ترديد ادعاء البيت الأبيض الخالي من أي دليل -كما لو أنه حقيقة- بأن لدى إيران "برنامج أسلحة نووية" يريد ترامب منها "التخلّص منه"، كما جاء في حلقة البرنامج المذكورة أعلاه.
وفوق كل ذلك، تضيف وسائل الإعلام، مثل "هيئة الإذاعة البريطانية" طبقاتها الخاصة من الخداع لتسويق الحجة المؤيدة لشن حرب أميركية على إيران. وهي تفعل ذلك، أولًا من خلال محاولة إيجاد زوايا جديدة لبث أخبار قديمة عن القمع العنيف للاحتجاجات داخل إيران. ويجري ذلك من خلال الاستشهاد بأرقام استثنائية ومبالغ فيها تمامًا لعدد القتلى، من دون أي سند أو دليل، ثم ربطها بأسباب اندفاع ترامب نحو مسار الحرب. ويعيد هذا النوع من التغطية -بعد الكوارث في أفغانستان والعراق وليبيا وغيرها- بث تبريرات إنسانية زائفة للحرب في صلب السرد، عندما لا يقيم ترامب نفسه أي صلة من هذا النوع.
وثانيًا، تعرض تغطية "هيئة الإذاعة البريطانية" التي تقدّمها سارة سميث، ببرود لافت، الآليات الأميركية للهجوم على إيران -أي مسار التصعيد المؤدي إلى الحرب- من دون أن تذكر مطلقًا أن مثل هذا الهجوم سيكون انتهاكًا كاملًا للقانون الدولي. وسيكون، مرة أخرى، "الجريمة الدولية الأعلى".
بدلًا من ذلك، تكتفي بالملاحظة التالية: "يستشعر دونالد ترامب فرصة لتوجيه ضربة إلى قيادة ضعفت في طهران. ولكن كيف سيفعل ذلك فعليًا؟ أعني أنه تحدث في رسالته عن الإجراءات العسكرية الناجحة التي زادت من جرأته بلا شك بعد التحركات التي قام بها في فنزويلا، وفي وقت سابق من العام الماضي في إيران".
تخيّلوا -إذا استطعتم، ولن تستطيعوا- أن تقوم "هيئة الإذاعة البريطانية"، ببرود مماثل، بعرض خطط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للانتقال من غزوه لأوكرانيا إلى شنّ ضربات عسكرية على بولندا.
تخيلوا مراسليها وهم يعرضون بهدوء عدد الصواريخ التي حشدها بوتين قرب حدود بولندا، والمطالب التي يفرضها الزعيم الروسي على وارسو إذا أرادت تفادي الهجوم، والعقبات العملية التي تعترض طريق هذا الهجوم. ثم يختتم أحد المراسلين بالإشارة إلى "نجاحات" بوتين السابقة، كما يزعمها هو نفسه -مثل غزو أوكرانيا- باعتبارها سابقة تمهّد لأعماله العسكرية الجديدة.
إنه شيء لا يمكن تصوّره. ومع ذلك، لا يكاد يمرّ يوم من دون أن تبثّ "هيئة الإذاعة البريطانية" هذا النوع من الهراء الوقح المحرِّض على الحرب، المتنكّر في هيئة صحافة. ويُجبَر الجمهور البريطاني على دفع ثمن هذا السيل المتواصل من التضليل الذي يتدفّق إلى غرف معيشتهم -أكاذيب لا تكتفي بتركهم في حالة جهل مطبق إزاء أحداث دولية بالغة الأهمية، بل تدفعنا جميعًا خطوةً إضافية نحو حافة حريق عالمي شامل.
 
 
*جوناثان كوك Jonathan Cook: المراسل السابق في صحيفة "الغارديان". صحفي بريطاني حائز على جوائز. أقام في الناصرة، في فلسطين، لمدة عشرين عامًا، قبل أن يعود إلى المملكة المتحدة في العام 2021. وهو مؤلف ثلاثة كتب عن الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: "الدم والدين: كشف القناع عن الدولة اليهودية" (2006)، و"إسرائيل وصدام الحضارات: العراق، إيران، وخطة إعادة تشكيل الشرق الأوسط" (2008)، و"فلسطين المتلاشية: تجارب إسرائيل في اليأس الإنساني" (2008).
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Cheerleading Aggression Against Iran