الغد
دانيال بايمان* - (إندبندنت عربية) 2025/12/27
توقف القتال الواسع في غزة من دون إحراز تقدم فعلي نحو تسوية دائمة، فيما يقوض غياب قوة دولية قادرة على نزع سلاح "حماس" وتشكيل حكومة بديلة، أي آفاق لإعادة الإعمار أو الاستقرار. ومع انحسار الاهتمام الدولي وتردد واشنطن وحلفائها، يبدو مستقبل القطاع متجهاً نحو عنف محدود مزمن، وإعمار مجمد، وجمود سياسي طويل.
وصل قطاع غزة إلى حالة توازن جديدة. لكن من غير المستغرب أنه توازن بشع. الخبر السار هو أن القتال العنيف قد توقف، وأن المساعدات الإنسانية بدأت تدخل القطاع بوتيرة ثابتة. منذ بدء وقف إطلاق النار في العاشر من تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، أفرجت إسرائيل عن نحو 2000 أسير فلسطيني، في مقابل إعادة "حماس" جميع الرهائن الأحياء ومعظم جثامين القتلى، التزاماً بخطة السلام ذات النقاط العشرين التي طرحتها إدارة ترامب. كما أعادت إسرائيل فتح معبري "كيرم شالوم" (كرم أبو سالم) وكيسوفيم وزيكيم، وتعهدت بالسماح بدخول 600 شاحنة محملة بالمساعدات والبضائع التجارية يومياً، وبدأ تنفيذ هذا التعهد بالفعل. وانسحب الجيش الإسرائيلي إلى ما يسمى "الخط الأصفر" بحيث أصبح وجوده ينحصر في نحو 53 في المائة من مساحة القطاع، مع استمرار الخلافات حول عدد من حدوده المرسومة.
لكن الخطط الرامية إلى تسوية أعمق ما تزال معلقة. والعلاقة بين "حماس" وإسرائيل اليوم يحكمها نزاع محدود ومستمر أكثر مما يحكمها أي تقدم حقيقي نحو السلام. ومن المرجح أن تفضي السياسات الإسرائيلية، وتمسك "حماس" بالحفاظ على نفوذها، ومحدودية تركيز إدارة ترامب على التنفيذ طويل الأمد إلى تقويض الجانب الأكثر طموحاً في مقترح إعادة تأهيل غزة. وبشكل أساسي، ما يزال إحراز أي تقدم إضافي مرهوناً بتشكيل قوة دولية لحفظ الاستقرار تتولى ضبط الأمن في غزة، ونزع سلاح "حماس"، وتدريب قوة شرطة فلسطينية جديدة منتقاة بعناية وغير تابعة للحركة لتتسلم لاحقاً إدارة الأمن. وعند تحقق ذلك، يُفترض أن ينسحب الجيش الإسرائيلي إلى 40 في المائة من مساحة القطاع، ثم إلى 15 في المائة مع تحسن الظروف الأمنية. وبالتوازي مع ذلك، يفترض قيام حكومة فلسطينية تكنوقراطية وغير مسيسة لإدارة غزة، والتي تعمل تحت إشراف ما سماه الرئيس الأميركي دونالد ترامب "مجلس السلام" الذي يترأسه هو نفسه رسمياً ويتولى توني بلير إدارته اليومية. وفي الوقت نفسه، يفترض بـ"السلطة الفلسطينية" في الضفة الغربية الشروع في إجراء إصلاحات جوهرية استعداداً لتولي دور أوسع في حكم القطاع مستقبلاً.
لا يخلو الأمر من وجود جهود أميركية لدفع الأمور قدماً. فقد أنشأ الجيش الأميركي "مركز التنسيق المدني العسكري" في إسرائيل لمراقبة وقف إطلاق النار وتدفق المساعدات الإنسانية إلى غزة. كما قام مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى، بمن فيهم نائب الرئيس، جي دي فانس؛ ووزير الخارجية ماركو روبيو، وكبير المستشارين (وصهر ترامب) جاريد كوشنر، بزيارة إسرائيل في الآونة الأخيرة لإظهار التزام الولايات المتحدة باتفاق وقف إطلاق النار. إلا أن الغموض الذي يكتنف التصريحات والخطط المتعلقة بالخطوات التالية المهمة لتحسين الأمن، وتردد إدارة ترامب في الاضطلاع بدور أكبر وأكثر مباشرة في إعادة إعمار غزة، بالإضافة إلى تردد شركاء محتملين بشأن تقديم دعم أكبر لمثل هذه الجهود، كلها عوامل تجعل من غير المرجح تنفيذ الأجزاء الأكثر طموحاً من خطة ترامب، ولا سيما نزع سلاح "حماس"، وإنشاء حكومة فلسطينية جديدة في غزة في المستقبل القريب، هذا إن تم تنفيذها أصلاً.
في الأثناء، يتواصل العنف، مخلفاً قتلى من جنود الجيش الإسرائيلي، وعدداً أكبر من الفلسطينيين، من المقاتلين والمدنيين على السواء. ويصعب التحقق من صحة التقارير المتعلقة بانتهاكات وقف إطلاق النار. لكن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، الخاضع لسيطرة "حماس"، يدعي أن إسرائيل انتهكت اتفاق وقف إطلاق النار ما لا يقل عن 282 مرة. وفي المقابل، يدعي الجيش الإسرائيلي أن "حماس" انتهكت الاتفاق 24 مرة. ومع استمرار هذا القتال المحدود، ما يزال 90 في المائة من سكان غزة نازحين، ويحتاج 1.5 مليون شخص إلى مساعدات إيواء طارئة. وعلى الرغم من تعهد إسرائيل بالسماح بدخول 600 شاحنة مساعدات يومياً إلى غزة، أفادت الأمم المتحدة بأن المعدل اليومي الفعلي لم يتجاوز في المتوسط 120 شاحنة. وعلاوة على ذلك، زادت الأمطار الغزيرة والطقس البارد من معاناة سكان غزة.
هذا الوضع الحالي القائم على سياسات مرتجلة، وجهود أميركية متسرعة لإخماد الأزمات، ومعاناة مدنية مستمرة، قد يبدو غير مستقر. إلا أن وضعاً مشابهاً للوضع الحالي قد يمثل مستقبل غزة: عنف محدود لكنه دائم وأزمات صغيرة متكررة بدلاً من التقدم نحو التنمية والسلام واستقرار أكبر.
قضايا شائكة
يمثل تشكيل قوة مكلفة بإرساء الاستقرار على المدى الطويل إحدى أكثر المهام حيوية لتحقيق أي تقدم نحو السلام، لكنه سيكون أيضاً من بين أكثرها صعوبة. من منظور إسرائيل، تعد هذه القوة ضرورية لمنع عودة "حماس" إلى السلطة والإشراف على نزع سلاحها. وقد طمأن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، حكومته، بأن إسرائيل ستحظى بحق النقض في تحديد الدول التي ستشارك في هذه القوة.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة كانت من أبرز الداعمين لفكرة قوة الاستقرار الدولية، فإنها رفضت المشاركة فيها. وكذلك فعل شركاء واشنطن الآخرون على الرغم من خطابهم الداعم في الغالب. وحتى الدول العربية والإسلامية المتعاطفة مع الفكرة ترددت في الانضمام بسبب اقتناعها بأن هذه القوة -على الأرض- ستقوم عملياً بقمع الفلسطينيين نيابة عن إسرائيل. وهذا عبء سياسي لا يمكن تحمله، لا سيما في ظل غياب مسار واضح نحو إقامة دولة فلسطينية قد يبرر تعاونها مع إسرائيل في المدى القصير. وترى أطراف أخرى ضرورة وجود تفويض أممي شامل لهذه المهمة، وهو أمر يصعب تحقيقه في ظل معارضة الصين وروسيا اللتين تسعيان عبر هذا الموقف إلى إظهار دعمهما السيادة الفلسطينية وعدائهما لنفوذ الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
لكن، حتى لو أمكن نشر قوات على الأرض، تبقى مكافحة التمرد مهمة بالغة التعقيد، ولا سيما في بيئة حضرية. فهي تتطلب قواعد اشتباك صارمة، وقوات عالية الكفاءة، واستعداداً لقبول الخسائر البشرية -وهي مجموعة شروط نادرة التحقق حتى في أفضل الظروف.
يعد تجريد غزة من القدرات العسكرية وتفكيك ترسانة "حماس" تحديين لا يقلان صعوبة. وتدعو خطة ترامب إلى ضمان أن تكون أسلحة "حماس" "خارج نطاق الاستخدام بصورة دائمة"، وإلى تدمير كل "البنية التحتية العسكرية والإرهابية والهجومية". وبالنظر إلى مدى مقاومة "حماس" الراسخة لمحاولات نزع سلاحها سابقاً، فمن المرجح أن تواصل ذلك عملياً على الرغم من قبولها الافتراضي بخطة النقاط العشرين. من الناحية الأيديولوجية، ترى "حماس" نفسها حركة مقاومة، وحركة مقاومة بلا سلاح تفقد مقومات صدقيتها. ومن الناحية العملية، تحافظ القوة العسكرية لـ"حماس" على سيطرتها في غزة، بما يمكنها من قمع خصومها وحمايتها من هجمات انتقامية يشنها أعداؤها الكثر. وعلى سبيل المثال، بعد وقت قصير من بدء وقف إطلاق النار، هاجمت "حماس" أفراداً من عشيرة دغمش النافذة -وهي عائلة كبيرة يتركز وجودها في غزة وخاضت صراعات ضد "حماس"، والتي تعاونت وفق تقارير إعلامية مع إسرائيل -حتى تؤكد للعشيرة ولسكان غزة الآخرين أنها ما تزال صاحبة القرار في القطاع.
كما أن الدول الأخرى ليست متحمسة لإعادة إعمار غزة. فقد روجت إدارة ترامب لرؤى طموحة حول شكل غزة المستقبلية، واقترحت، كأحد بنود خطتها ذات النقاط العشرين، "خطة تنمية اقتصادية لإعادة بناء غزة وتنشيطها... من خلال تشكيل لجنة من المتخصصين الذين أسهموا في ولادة بعض المدن المعجزة الحديثة المزدهرة في الشرق الأوسط". وقد ألقى ترامب بعبء تمويل إعادة الإعمار على عاتق "الدول الإسلامية والعربية"، وقدّر أن عملية إعادة إعمار غزة ستكلف نحو 70 مليار دولار. ولكن حتى الآن، كانت الوعود والخطابات أكثر بكثير من التمويل الفعلي. وسيؤدي استمرار القتال، ولو بوتيرة منخفضة، إلى إبعاد الاستثمارات وأموال إعادة الإعمار.
ربما تكمن الصعوبة الأكبر في السؤال غير المحسوم بشأن الجهة التي ستحكم غزة على المدى الطويل. فالحديث عن "تكنوقراط" أو "سلطة فلسطينية معاد إصلاحها" يخفي حقيقة أنه لا يوجد حالياً بديل واضح أو قابل للتطبيق لحكم "حماس" أو الاحتلال العسكري الإسرائيلي المباشر، وهما الواقعان القائمان في غزة اليوم. وقد بدأت "حماس" بالفعل في ترميم صورتها بين سكان غزة، ببساطة لأنها القوة الوحيدة القادرة على توفير الحد الأدنى من الأمن والنظام. ولكي لا تتجاوزها إسرائيل أو تستهدفها "حماس"، ستحتاج أي حكومة مستقبلية إلى أن تكون مقبولة من الطرفين معاً، وهو أمر يصعب تصوره حالياً. ومن دون حكومة كهذه وقوة أمنية كفؤة، ستظل إسرائيل ترى ضرورة توجيه ضربات إلى غزة لمنع "حماس" من إعادة بناء قدراتها.
لا أحد يريد هذا
لا تسعى إسرائيل إلى استئناف القتال الشامل. فمع إطالة أمد الحرب أخذت فعالية عملياتها العسكرية تتراجع، وهي مشكلة تفاقمت بفعل الضرر المتراكم الذي لحق بسمعتها الدولية. كما ارتفعت الكلفة الداخلية للحرب، إذ عطلت الاقتصاد وجعلت كلفة الحرب تقع بصورة غير متوازنة على شرائح معينة من الأسر الإسرائيلية في ظل الإعفاءات من الخدمة العسكرية التي تمتعت بها تاريخياً المجتمعات اليهودية المتطرفة (الحريديم) والمجتمعات العربية الإسرائيلية. واليوم، قد يؤدي تجدد القتال إلى إثارة غضب ترامب إذا رأى أن إسرائيل تتحمل مسؤولية تقويض أحد أبرز إنجازاته، ولهذا رحب معظم الإسرائيليين بوقف إطلاق النار.
مع ذلك، يبقى الإسرائيليون غير مستعدين لقبول قيادة "حماس" في غزة، سواء نتيجة الخشية من تكرار أحداث السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023 أو بسبب الغضب الأعمق تجاه الحركة المسلحة لما ألحقه هجومها من دمار وإذلال بإسرائيل. ويعارض قادة اليمين الإسرائيلي أي اتفاق يمنح الفلسطينيين مكاسب ملموسة، انطلاقاً من قناعة مفادها بأن الفلسطينيين لا ينبغي أن "ينتصروا" بأي شكل نتيجة أحداث السابع من تشرين الأول (أكتوبر). وتبقى الشكوك تجاه السلطة الفلسطينية واسعة النطاق داخل إسرائيل. وعلى المستوى التنفيذي، يعني هذا أن إسرائيل ستكون مترددة في تسليم الملف الأمني إلى قوة مكلفة بإرساء الاستقرار -فضلاً عن قوات فلسطينية- ما لم تكن واثقة تماماً من قدرة تلك القوة على إخضاع "حماس"، وهي ثقة قد لا تتحقق مطلقاً. وعلى الرغم من أن هذه المواقف قد لا تدفع إلى استئناف حرب شاملة، فإنها مرشحة لأن تفضي إلى ضربات إسرائيلية متكررة على غزة في المستقبل. وإذا عمدت "حماس" إلى تثبيت نفوذها علناً في أجزاء من القطاع، فمن المحتمل أن تسعى إسرائيل إلى تصفية القادة الذين يبرزون في صفوفها لضمان بقاء الحركة في موقع دفاعي دائم.
من جهتها، لا ترغب "حماس" في العودة إلى قتال شامل، لكنها تمتلك دوافع قوية لشن أعمال عنف محدودة. فقد أدت الحرب الوحشية التي أعقبت هجوم السابع من تشرين الأول (أكتوبر) إلى استهداف معظم قياداتها وإضعاف منظومة القيادة والسيطرة لديها. وقد تبدو مبرراتها للهجمات الأخيرة على الجيش الإسرائيلي قابلة للتصديق نسبياً، إذ قد يقدم القادة الميدانيون المحليون أحياناً على شن ضربات من تلقاء أنفسهم. غير أن الحركة ستواصل على الأرجح استخدام العنف لإخضاع من يتحدى حكمها، وقد تهاجم القوات الإسرائيلية بين حين وآخر، إما بدافع الانتقام أو لتوجيه رسالة لأنصارها مفادها بأنها ما تزال قادرة على مقاومة إسرائيل.
وعندما يحين وقت تنفيذ البنود في خطة ترامب التي من شأنها تقليص نفوذ "حماس" جذرياً وتجريدها من دورها السياسي، فمن المرجح أن تواجه هذه الخطوات بمقاومة عنيفة -لأسباب أيديولوجية تتعلق بسعي "حماس" المستمر إلى السيطرة على غزة وعلى الحركة الوطنية الفلسطينية، ولخشيتها من انتقام الفصائل الفلسطينية المنافسة إذا فقدت القدرة على الدفاع عن نفسها. وستفضي هجمات "حماس" على الجيش الإسرائيلي، والرد الإسرائيلي الواسع الذي سيعقبها بالضرورة، إلى تقويض أي حكومة تكنوقراطية أو سلطة فلسطينية معاد إصلاحها، من خلال كشف عجزها عن حماية سكان غزة وتعزيز احتمالات النظر إليها باعتبارها حكومة متعاونة مع إسرائيل. وسيصب ذلك في مصلحة "حماس" سياسياً، حتى لو دفع قادتها وسكان غزة الثمن جراء الرد الإسرائيلي.
لم يختف، لكنه منسي
اليوم، تكثف القوات الإسرائيلية دورياتها على طول "الخط الأصفر" الذي حدده وقف إطلاق النار، وتطلق النار على الغزيين الذين يحاولون عبوره -مما أسفر عن مقتل العشرات- وتبني حواجز مادية من كتل إسمنتية لترسيم هذا الخط. ومن السهل تخيل كيف يمكن لخط موقت كهذا أن يتحول إلى واقع شبه دائم. وفي ظل هذا الوضع، تم بالفعل إحباط بعض الجهود الأميركية الرامية إلى دفع عملية إعادة الإعمار قدماً. ففي تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، على سبيل المثال، حاولت الولايات المتحدة إنشاء "مجتمعات آمنة بديلة" يقطنها فلسطينيون خضعوا لفحص أمني إسرائيلي على الجانب الخاضع لإسرائيل من خط الفصل داخل غزة. لكن هذا المقترح تعثر سريعاً عندما ظهرت تساؤلات معقدة بشأن قدرة الفلسطينيين في تلك المجتمعات على التنقل بحرية بين مناطق القطاع الخاضعة لسيطرة إسرائيل وتلك الخاضعة لسيطرة "حماس". وما يزال هذا الجهد معلقاً، في إشارة تحذيرية إلى أنه حتى المبادرات التي تبدو بريئة في ظاهرها قد تنطوي على تداعيات سياسية قد يرفضها أحد الطرفين أو كلاهما.
مع مرور الوقت، سيتلاشى الاهتمام الدولي بغزة، ولا سيما إذا ظل العنف محدوداً ولم يتحول إلى مواجهات واسعة، وإذا ما بقيت الأزمة الإنسانية متدهورة لكنها ليست كارثية. ومع انحسار الرقابة الدولية، ستتراجع الضغوط على الطرفين لتقديم تنازلات مؤلمة، وستتقلص التبعات الدبلوماسية المحتملة على إسرائيل عند تنفيذ ضربات عسكرية.
تظهر الزيارات المتتالية لمسؤولين أميركيين رفيعي المستوى أن إدارة ترامب تفخر بدورها في التوصل إلى وقف إطلاق النار وتطمح إلى تحويل غزة إلى قصة نجاح سياسية. غير أن تحقيق ذلك يستلزم ضغطاً مستمراً ودبلوماسية صبورة -وهما سمتان لا تميزان السياسة الخارجية في عهد ترامب. كما يتطلب الأمر من واشنطن نشر قوات أميركية ضمن قوة مكلفة بإرساء الاستقرار على المدى الطويل، أو إقناع حلفاء قادرين بالانضمام إليها. وسيتعين على ترامب نفسه الضغط على نتنياهو وغيره من القادة الإسرائيليين للانسحاب من أجزاء من غزة على الرغم من هشاشة الوضع الأمني، إلى جانب تنسيق ضغط عربي وإسلامي مستمر على "حماس". ولكن، من دون ما تثيره الحرب والمجاعة في غزة من عناوين صاخبة، من غير المرجح أن تحافظ الإدارة الأميركية على زخم جهودها. ومن دون هذا الجهد شبه الدائم من الولايات المتحدة، من المرجح أن تستقر العلاقة بين إسرائيل و"حماس" في صيغة مضطربة تتجنب الحرب الشاملة، لكنها تبقى محكومة بالصراع المستمر، وتجميد الإعمار، وتقدم سياسي محدود -أو منعدم- نحو سلام دائم.
*دانيال بايمان: أستاذ في كلية الشؤون الدولية بجامعة جورج تاون، ومدير برنامج الحرب والتهديدات غير النظامية والإرهاب في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية. هذا المقال مترجم عن "فورين أفيرز"، حيث نشر في 23 كانون الأول (ديسمبر) 2025.