عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    27-Jan-2026

اليقظة الإستراتيجية ومفهوم "الجيش الرشيق"*لواء ركن متقاعد جمال مضاعين

 الغد

العقائد العسكرية بطبيعتها تتكيف مع مصادر وحجم التهديد؛ وتبعاً لذلك تتغير « طبائع الحروب»؛ بدءا بمعادلة (الربح والخسارة) ثم تكتيكات ووسائل الحرب نفسها؛ وقد تجلى ذلك وبوضوح خلال الحروب القريبة الماضية، والتي طُبقت خلالها خطط خلاقه واستخدمت فيها أنظمة دفاعية مبتكرة وفائقة الفعالية؛ مما أبرز اهمية «اليقظة الإستراتيجية» والاستجابة السريعة القائمة على فكر جريء وخلاق، وهذا ما جسدته رسالة جلالة القائد الأعلى حفظه الله الأخيرة إلى عطوفة رئيس هيئة الأركان المشتركة، وضمن « لحظه تاريخية» تكاملت فيها ظروف موضوعية كافية للتغيير.
 
 
عندما يتبنى الأردن مفهوم «الجيش الرشيق» فهو يتعامل مع معطيات الحاضر والمستقبل، عبر قراءة متأنية لدروس العمليات العسكرية على مدى السنوات الماضية، وما قد يُبنى عليها من سيناريوهات، وذلك من جوانب مختلفة، أهمها:،الجانب الأول:  التطبيقات العسكرية المتقدمة للذكاء الاصطناعي وخصوصاً في مجال المسيرات ومعدات الرصد الإلكتروني، وما برز من مؤشرات على بدء العديد من الدول بتطوير برامج الذكاء الاصطناعي الخارق (SAI)، عبر المزاوجة بين الحوسبة الكيمومية (Quantum computing) والذكاء الاصطناعي، بكل ما يحمل من إمكانيات (منها  فيروسات متطورة وخارقة السرعة موجهة للأنظمة الدفاعية واللوجستية والاتصالات)، بالإضافة إلى تطوير أداء وأدوار الطيران المُسير القادر على محاكاة آلاف السيناريوهات، وإدخاله عالم التكتيكات الجوية المُنسقة على مستوى الأسراب والتشكيلات.
أما الجانب الثاني فهو دخول المستوى الاستخباراتي بقوة على المراحل المختلفة للعمليات العسكرية، وقد بدا ذلك بوضوح مؤخراً خلال العمليات الإسرائيلية في إيران ولبنان، حيث بدأت الضربة الأولى بتصفيات جماعية للقادة الميدانيين؛ لغايات شل الهياكل القيادية وإحداث تأثير معنوي عميق، وذلك وفقاً لمعلومات استخباراتية دقيقة مُستخلصة بوسائل تكنولوجية مبتكرة تتكامل مع قدرات بشرية وسيبرانية دائمة التطور، والجانب الثالث فهو: دور المسيرات في تنفيذ العمليات الدقيقة كاستهداف القادة الميدانيين والنقاط العسكرية الحيوية، وبالمقابل فإن الاستخدام المكثف للمسيرات يمكن أن يحقق الإنهاك لمنظومات الدفاع الجوي المعادية، أما الجانب الرابع  فهو شفافية مسارح العمليات وذلك عبر (الإعلام، وسائل الرصد والاستطلاع الحديثة)؛ مما يسهل من متابعة تفاصيلها وملائمتها مع عمليات تطوير الأنظمة الدفاعية حتى قبل توقف العمليات العسكرية.
لعل من أبرز التحديات في هذا المجال هي السرعة الفائقة في تطور التكنولوجيا العسكرية، بحيث يصعب اللحاق بها، مما يضع الدول أمام خيار محدد وهو تحقيق عامل «المرونة» عبر الانتقال من الاعتماد على «القوة الصلبة» إلى مفهوم “القوة الذكية”، التي عنوانها «الجيش الرشيق « القائم على تكامل القدرات العسكرية مع التكنولوجيا، والارتقاء بالاقتصاد الدفاعي إلى مستوى يعزز مفهوم الاعتماد على النفس، وتطوير برامج التدريب والتأهيل والتخطيط الاستراتيجي، بحيث تتوفر إمكانيات عالية لتغطية مختلف اتجاهات التهديد دون الحاجة لإشغالها بتشكيلات عسكرية كبيرة؛ وعليه  فليطمئن كل من راودته أي «هواجس» خلال متابعاته ليوميات الحروب الأخيرة، حول قدرة القوات المسلحة على الاستجابة لتحديات ومعاضل الحرب الحديثة؛ فالجيش العربي بقيادته الشجاعة «يتكيف» ولا «يتبدٌل» وهو «يحمي» ولا «يهدد»، دائم اليقظة ولا يؤخذ بالمفاجأة.