رواية "الزنجي" للحميدي.. نصوص تتجاوز الحكاية لمساءلة المعنى
الغد-عزيزة علي
يقدم الروائي المغربي العربي الحميدي الجزء الأول من روايته "الزنجي"، بوصفها نصا يتجاوز الحكاية إلى مساءلة المعنى. ليست هذه الرواية مجرد سيرة تروى، بل تجربة تعاش، تنبض بتفاصيلها وأسئلتها وجرأتها في مواجهة الذات والعالم.
تتشكل الرواية الصادرة عن "العائدون للنشر والتوزيع"، على تخوم الاعتراف والتأمل، حيث يختبر الكاتب حدود الكتابة بين الكمال والحقيقة، ويختار أن يطلق نصه إلى القارئ كما هو، بما فيه من هشاشة وصدق. وتكتسب هذه التجربة بعدا إنسانيا عميقا من خلال الشهادات المرافقة، التي تكشف عن سيرة حياة مشبعة بالصمود والسَّعة، وعن روح ظلت منفتحة على الحب والإبداع رغم القيود والتحولات.
إنها بداية مشروع سردي لا يكتفي برواية قصة فرد، بل يسعى إلى التقاط أثر الإنسان في زمنه، وإلى تحويل التجربة الشخصية إلى مرآة أوسع، تعكس أسئلة الانتماء والحرية والمعنى.
أهدى العربي الحميدي هذا العمل، كما يقول: "إلى أبي... إليكَ أُهدي روايتي الأولى "الزِّنْجِيّ"، وأنا أعبر من سبعة دواوين شعرية إلى ضفة السرد، حاملا أسئلتي، كما كنت أحمل كفك في طفولتي.. أسئلة الهوية والانتماء، وأسئلة اللون حين يصير حكمًا، والاسم حين يتحول قيدا.
يا أبي، علمتني أن الإنسانَ أكبر من وصف، وأن الكرامةَ لا تقاس بلون، ولا تحد بصفة، فكتبتُ هذه الرواية لأجعلَ من "الزِّنْجِيّ" مرآةً يرى فيها المجتمعُ وجهَه، وسؤالًا يوقظ الضمرَ قبل أن يرضي السرد.
هي ليست حكاية شخصٍ فحسب، بل صدى لتلك القيم التي غرستَها فيَّ: أن أقاومَ بالصبر، وأن أواجهَ النظرةَ بالثبات، وأن أكتبَ كي لا يصادَر الصوت. إليكَ يا أبي هذا العمل، عرفانًا بجذور منحتني الثبات، وبوصلة دلتني على أن الحريةَ لا توهَب، بل تنتزع بالوعي والحب.
رحمك الله وأنت في الغياب، فكل حرف في هذه الرواية مدين لك بنبضه الأول".
قال الروائي العربي الحميدي في مقدمة عمله: "حين انتهيت من كتابة الجزء الأول من هذه الرواية، لم أشعر بذلك الاكتمال، بل ساورني إحساس مختلف.. ارتجاف خفي، كأن النص نفسه كان ينظر إلي بعين قلقة، ويسألني إن كنت قد أنصفته حقا، أم تركت فيه فجوات لم أنتبه إليها".
وأضاف؛ "وقفت طويلًا أمام تلك الثغرات والهَنات، لا بوصفها أخطاءً عابرة، بل باعتبارها جزءًا من الحقيقة ذاتها؛ فكل كتابة صادقة تحمل أثر معركتها، وكل نص حي لا يخلو من ندوب تثبت أنه نجا من الحريق".
ويتابع، "وجدت نفسي، آنذاك، معلقًا بين خيارين: إما أن أترك هذا العمل حبيس الانتظار، أرممه إلى أجل قد لا يأتي، أو أن أطلقه إلى القارئ كما هو، بكل ما فيه من ضعف ونقص وجرأة.
الخيار الأول: يغري بالكمال. أما، الثاني فيُغري بالحقيقة". وقال المؤلف: "أدركتُ، في لحظة تساؤل صادق، أن النصوص، مثل الكائنات، لا تولد مكتملة، بل تكتمل حين تواجه مصيرها. وأن الكتابة التي تخاف من عيون الآخرين تبقى ناقصة. أما تلك التي تقبل هشاشتها، فتبدأ حياتها فعلًا". لهذا اخترت النشر. اخترت أن أترك هذا الجزء يخرج إلى الضوء، لا بوصفه نهاية، بل بداية أخرى؛ بداية المسافة بيني وبين ما كتبت، وبداية الحياة السرية لنص لم يعد يخصني وحدي. فما يكتب في العزلة، لا يولد حقا إلا في العيون التي تقرؤه".
من جانبها، كتبت الكاتبة كلير رولف شبه مقدمة، تحدثت فيها عن تعرفها إلى العربي الحميدي للمرة الأولى عبر الإنترنت، من خلال مجموعات الشعر؛ فكانت لغة الشعر الجسر الذي جمع بينهما. فالشعر هو لسان الذين يتذوقون قراءته ويبدعون كتابته؛ إنه لغة الإحساس، حيث تدفع الكلمات إلى أقصى حدودها لتعبر عن حالة من الكينونة، لا عن مجرد وقائع للوجود، وهي الوقائع التي قد يكون من الجدير تركها للعلماء والمؤرخين.
وخلال رحلتها إلى المغرب العام 2018، التقت به وجهًا لوجه، ومنذ ذلك اللقاء وُلدت صداقة، كانا يأملان في أن تغدو صلةً راسخة ممتدة عبر الزمن.
ومع مرور الوقت، وكلما كانت تتعمق في معرفة تفاصيل حياة العربي، وجدت الكاتبة، نفسها تميل إلى الاعتقاد بأن قصته تصلح لأن تكون رواية بديعة. ولم يكن هذا التصور ينطوي على أي تعالٍ أو انتقاص من الصعوبات التي مر بها، بل جاء انعكاسًا لمقارنة صامتة بين تاريخها الشخصي البسيط نسبيًا، وبين حياة إنسان أُلقي قلبه في قلب العالم، فعاد إليه حينا مثخنًا بالجراح، وعاد إليه أحيانًا أخرى مشبعًا بالمحبة التي منحها بسخاء.
إن عبارة "حياتك تصلح أن تكون رواية عظيمة"، لم تكن مديحًا خالصًا؛ فكل عمل فني أو أدبي كبير إنما يتشكل من نسيج حياةٍ عاشت ذاتها بعفوية، بعيدة عن رقابة النقد الذاتي المفرط، ذلك النقد الذي قد يخنق العفوية ويقيد الحقيقة. وعندما أتأمل العربي، بعد مشاركتي في تطوير هذه السيرة، أجد كلمتين تختزلان جوهره: الصمود والسَّعة.
تقول الكاتبة كلير "أشعر بامتنان عميق لأنه دعاني لأكون جزءًا من هذه الحكاية. وآمل أن يشعر العربي بأن ما واجهه من صعوبات لم يكن عبثًا، بل كان ذا معنى في ذاته؛ تجارب صاغته وساهمت في تشكيل ملامح إنسانيته، ولا سيما حين لا تكون تلك التجارب قاسية إلى حد تحرم فيه الإنسان من الزمن والقدرة اللازمين للتأمل فيها، ثم تحويلها إلى شهادة حيّة". ومقترنةً بثراء التراث المغربي، تأتي هذه السيرة مشوقة وعميقة في آن، تروي ما يطلبه العالم من الإنسان، وما يتوق القلب إلى الشعور به.