عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    26-Apr-2026

كتاب يرصد التلقيات النقدية لرواية "زينب" وبدايات السرد العربي

 الغد-عزيزة علي

 يقدم الباحث صدوق نور الدين قراءة نقدية معمقة في كتابه "الرواية العربية: النقد الأدبي وإشكالية البدايات"؛ إذ يتناول الكتاب واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الدرس الأدبي، وهي سؤال البدايات وتحديد لحظة التأسيس الفعلي للرواية العربية الحديثة، من خلال العودة إلى رواية "زينب"، بوصفها نصا محوريا في هذا المسار.
 
 
ويركز المؤلف في كتابه الصادر عن "الآن ناشرون وموزعون"، على تحليل التلقيات النقدية التي أحاطت بهذا العمل، كاشفا عن تباين منطلقاتها الإيديولوجية والمنهجية، مقابل تقارب لافت في نتائجها التي تذهب، في مجملها، إلى اعتبار "زينب"، الميلاد الحقيقي للرواية العربية. كما يضيء الكتاب على سياق التحولات الثقافية والفكرية التي رافقت ظهور هذا الجنس الأدبي، وما أفرزته من أسئلة تتصل بالشكل والهوية والتعبير.
يقع الكتاب في ثلاثة فصول؛ يتناول الفصل الأول ضرورة الرواية ووعي التحول والتأثير. أما الفصل الثاني فيسلط الضوء على رواية "زينب" في النقد الأدبي الحديث، وقد جاء في أربعة أبواب: الباب الأول بعنوان "بطرس الحلاق والرؤية الجامعة"، والباب الثاني "يمنى العيد واستجلاء الأسئلة المضمرة"، والباب الثالث "حداثة الرواية بين الأدب والفلسفة"، فيما جاء الباب الرابع بعنوان "زينب وسلطة الخطاب الاستعماري".
أما الفصل الثالث، المعنون بـ"من الرواية إلى الرواية"، فقد جاء في بابين: الأول بعنوان "زينب": النضج المكتمل، والثاني بعنوان "هكذا خُلِقَت": النص الامتداد.
وفي تقديمه للكتاب، يشير المؤلف إلى أن ميلاد رواية "زينب" العام 1914 لم يكن مجرد بداية، بل كان أيضا إعلانا عن نهاية؛ نهاية تمثل قطيعة وصيغة من صيغ الإنجاز السردي التي اكتملت شروطها، وأصبحت متطلبات التحول بعدها أوسع من معناها الضيق. وفي المقابل، مثل هذا الميلاد بداية لكتابة جديدة يفرضها شرطها في بنيتها الكلية، ومن ثم انبثق وعي جديد بالكتابة الفاعلة والمؤثرة.
إنه وعي بالمفهوم المستجد للكتابة الإبداعية، ذلك المفهوم الناتج عن علاقات ثقافية منفتحة على التأثير، وعلى تداخل الآداب وحوار الثقافات، بعيدا عن ادعاء الأحادية أو انفراد أدب بخصائص تميزه. وقد يعد هذا التداخل ميزة، وقد لا يكون كذلك، إذا ما نظرنا إلى أن الآداب المقارنة، في مظاهرها وتجلياتها، كشفت عن نقاط التقاء تتضافر فيها الأوعية الثقافية وتتداخل.
يرى نور الدين أن أي ميلاد جديد يمثل صورة مقاومة لما يكرسه التقليد، كتابة وممارسة. غير أن هذا الميلاد، في الوقت ذاته، يثير قلقا مضادا؛ إذ يواجه وعيا لا يمتلك بالضرورة الكفاية الثقافية والفكرية للتفاعل معه. وفي هذا السياق، يمكن إدراج ميلاد رواية "زينب"، حيث اختلفت التلقيات حول إشكالية البداية، وهي اختلافات ذات طابع إيديولوجي في جوهرها.
فبدل الاحتفاء بميلاد جنس أدبي إبداعي جديد، هو الرواية، انشغلت العقليات بالصراع حول تجارب البداية/البدايات، علما أن مقارنتها بـ"زينب" لا تفضي إلا إلى نتائج محدودة.
واللافت أن المقارنات التي عقدت لم ترقَ إلى مستوى تقديم تلقي موضوعي؛ إذ ظلت في إطار العموميات، من دون أن تمتلك جرأة الاستدلالات الحاسمة التي توضح ما ساد في مرحلة معينة، وما تبلور لاحقا.
ويرى المؤلف أن "محمد حسين هيكل"، وهو يكتب "زينب"، كان مدفوعا بوعي الأديب والمثقف؛ ذلك الأديب الذي أدرك أن فن الرواية هو الشكل الأقدر على تمثيل طبيعة المرحلة. ولو أنه اتجه إلى الشكل المقامي بديلا، لانخرط في التأليف ضمن أطره المألوفة، تعزيزا لما كان متداولا. غير أن الهاجس الذي استبد به كان "قلق الشكل"؛ وهو قلق لا يتصل بالذات وحدها، بل يمتد إلى المجتمع أيضا.
ومن هنا، لم يكن التحديد الأجناسي حاضرا بوضوح، نظرا لكون "سوسيولوجيا القراءة" لم تكن قد استقرت بعد على تقاليد تستلزم ترتيبات انتقال القارئ من المألوف إلى المختلف. لذلك جاء هذا التحديد لاحقا، في سياق لا يخص "هيكل"، وحده بوصفه أديبا ومثقفا، بل يشمل طبيعة النظر إلى النثر في صيغته السردية الحكائية عموما.
ويقول إن تعدد الأعمال السردية التي لم تُحدد أجناسيا بدقة، وفي مقدمتها كتابات السيرة الذاتية، التي أسهمت في إنتاج معنى الاعتراف، متجاوزة تقاليد اجتماعية رسخت الكتمان والسرية والإخفاء، لولا أن الكتابة وفرت فضاء حرا للبوح وجرأته، هو ما يفرض النظر النقدي الأدبي شمولية في الرؤية؛ شمولية تُقر بأننا إزاء تنويعات على متن واحد، ذلك المتن الذي يُنتج، من خلال "قلق الشكل"، "معنى الذات". فالذات تمثل الرابط الأساس لما هو أدبي في تجربة "محمد حسين هيكل"، وهي ذات ظلت شبه غائبة عن جنس الكتابة الروائية العربية، إلى أن أسهمت المثاقفة، بوصفها انفتاحا على أوروبا ومرجعياتها في الحقل نفسه، في ترسيخ آفاق جديدة في الكتابة والتعبير.
ويشير المؤلف إلى أن الرواية، بوصفها جنسا أدبيا، هي فن أوروبي الأصل؛ إذ يختلف الحديث عن النثر في التراث الأدبي العربي القديم عن الحديث عن الرواية باعتبارها جنسا مستقلا له شروطه وبنياته الخاصة.
على أن تناول "هيكل" بوصفه مبدعا لا ينبغي أن يُغفل حضوره ناقدا ومنظرا؛ إذ قدم، في كتابه "ثورة الأدب"، تصورا للكتابة السردية (قصة/رواية)، مؤكدا ضرورتها في سياق التحولات التي مست التعبير الأدبي. وقد سلك المسار نفسه عدد من أعلام الأدب العربي، مثل "طه حسين"، "توفيق الحكيم"، "عباس محمود العقاد"، فضلا عن امتداد هذا التوجه إلى المشرق والشام، ومنهما إلى سائر الجغرافيات العربية.
ويرى نور الدين أنه إذا كان "محمد حسين هيكل" يمتلك وعيا دقيقا وثاقبا بالتجريب الإبداعي الروائي الذي انخرط في التأسيس له، من منطلق مواكبة التحول والتعبير عن اللحظة التنويرية الدالة، فإن حصيلة التلقيات -في جوهرها وعمقها- قد منحت رواية "زينب"، قيمة موضوعية معتبرة، لكنها اختلفت في منطلقاتها الإيديولوجية.
فبدل الاحتفاء بلحظة الميلاد الجديدة وغير المسبوقة، انصرفت هذه التلقيات إلى الجدل حول "البداية"، وروائية الرواية، وكأن ثمة تراكمات سابقة تدفع إلى تثبيت مقارنات داخل الجنس الأدبي ذاته.
غير أن اللافت أن هذه الحظوة التي نالتها "زينب" لم تمتد إلى الرواية الثانية"، هكذا خُلِقَت؛ بل إن بعض الآراء والمواقف النقدية وقعت في مفارقات غير موضوعية، حين عمدت إلى مقارنة تجربة بداية بتجربة امتداد.
فقد جرى التعامل مع تجربة البداية بوصفها النموذج المعياري، في حين لم يرقَ الامتداد إلى هذا المستوى في نظرهم، وكأن الزمن لم يتحرك، وأسئلة الوجود الإنساني ظلت ثابتة لا تتغير. والحال أن تطور الرواية العربية، كما يتجلى في أعمال "نجيب محفوظ"، يبرهن على اتساع تمثيلها وتجدده المستمر، بما يعكس دينامية الكتابة الروائية وتحولاتها.
وخلص نور الدين إلى أن المسعى الأساس في هذا التأليف يتمثل في الوقوف على نماذج من هذه "التلقيات"، التي أولت عنايتها بالسردية العربية وإشكالية التأسيس، وذلك من خلال التركيز على نص/مادة "زينب"، بالنظر إلى النشأة التي اقتضاها التحول والحاجة إلى التعبير. وعلى الرغم من اختلاف المنهجيات النقدية، فإن النتائج والخلاصات تكاد تتقارب، إذ تذهب في مجملها إلى اعتبار رواية "زينب" الميلاد الحقيقي والفعلي للرواية العربية الحديثة.