عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    04-May-2026

مأزق ترامب.. المكابرة والإنكار!*محمد أبو رمان

 الدستور

لا يزال الرئيس الأميركي، دونالد ترامب (حتى كتابة هذا المقال مساء الأمس) يدرس الردّ الإيراني، الذي يتضمن (وفقاً لمصادر إيرانية) الخطوط الحمراء التي تعلنها طهران في الموافقة على أي اتفاق بين الطرفين، أكثر من ذلك تبدو جرعة الثقة الإيرانية بازدياد، إذ نشر الحرس الثوري الإيراني على منصة إكس أنّ مساحة الاختيار لدى ترامب تضيق ما بين عملية مستحيلة واتفاق سيئ!
 
على الجهة المقابلة وكتأكيد آخر على مأزق ترامب؛ فقد أبلغ الكونغرس أنّ «الأعمال العدائية» تجاه طهران قد انتهت، مما يعفيه من موافقة الكونغرس، لكن – وفقاً لما نعرفه من طبيعته المراوغة- فإنّه ليس معروفاً بعد فيما إذا كان بالفعل قد وصل إلى خلاصة بعدم جدوى العودة إلى الخيار العسكري، وهو الأمر الذي يراهن عليه الإيرانيون اليوم ولا يخضعون للشروط التي ذكرها؟!
 
من الواضح أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب في ورطة ومأزق كبير، وأنّ مجريات الأمور لم تسرّ وفقاً للسيناريوهات، التي تبناها في التعامل مع إيران، سواء قبل الحرب؛ إذ استخدم الرئيس تكنيكات نظرية اللعبة،  بخاصة ما قدّمه العالم الأميركي المعروف، هارولد شيللينغ عن «حافة الهاوية» Brinkmanship  التي تميّزت بتطوير مفهوم الإكراه بديلاً لمفهوم الردع (الذي كان سائداً خلال الحرب الباردة)، وخلاصته على إجبار الخصم تحت التهديد بالقوة وإظهار الجدية والمصداقية لتنفيذ ذلك بالخضوع وعمل ما يريده الطرف الآخر، وربما يتذكر كثيرون كيف فضح ستيف ويتكوف حالة الإحباط الأولى لدى ترامب، عندما لم يتجاوب الإيرانيون مع ذلك، وقال حينها – ويتكوف- أن الرئيس محبط ولا يفهم لماذا لا يستسلمون؟! فترامب كان يطبق هذه النظرية بصورة مثالية وقوية لكن الخصم يبدو كان مدركاً لذلك، وقد مارس الإيرانيون اللعبة بالطريقة نفسها عبر الخطابات والتصريحات التي تواجه التحدي بالتحدي.
 
الإحباط الثاني لترامب تمثّل بسقوط الفرضيات كافّة التي بنى عليها تصوراته لمسار الحرب، بداية من عدم سقوط النظام، ثم تصلبه وعدم القدرة على إحداث انشقاق شبيه بالسيناريو الفنزويلي، والإحباط الثالث عدم خروج الناس إلى الشارع، والإحباط الرابع عدم دقة المعلومات والمعطيات العسكرية والأمنية لديه عن مدى قدرة إيران على إحداث ضرر إقليمي وقوتها الصاروخية، وصمودها العسكري بصورة جلية، والإحباط الخامس فشل كل محاولات الحرب النفسية والدعاية التي مارسها للإيهام بأنّ هنالك حالة من الانهيار الداخلي، وهكذا فإنّ كل محاولات ترامب لتسجيل النصر السريع والفاعل المحسوم فشلت حتى اللحظة.
 
لم يبق أمام ترامب إلاّ سيناريوهين، في حال لم ينجح في التوصل إلى اتفاق مع إيران، الأول تشديد الحصار الاقتصادي والعقوبات ومحاولة خنق إيران اقتصادياً، لكن هذا الخيار هو على المستوى القصير، وقد طوّرت إيران سابقاً بدائل وخيارات عديدة للتحايل على هذه العقوبات، وبالنسبة لها هي سياسات قاسية، بلا شك، لكنها لا تعادل في خطورتها الحرب التي كانت مصيرية ووجودية للنظام السياسي. أما الخيار الثاني فهو العودة إلى الحرب، وهو خيار لا يفضّله بالضرورة ترامب؛ لأنّه سيكون عدمي الأهداف، بخاصة إذا استمر النظام بالصمود، حتى وإن تمكّن ترامب من إضعافه أكثر، لكن الكلفة كبيرة في حال نجح النظام الإيراني بالبقاء بل توجيه ضربات قاسية للخليج العربي والحفاظ على ورقة مضيق هرمز.
 
من الواضح أنّ هنالك عاملين يتنازعان الرئيس الأميركي، المصاب بداء العظمة، الأول هو نظريته أنه يستطيع تحقيق كل شيء عبر وسائل مختلفة من دون الاضطرار إلى استخدام القوة، فقط التهديد بها (وهذه استراتيجيته؛ السلام المبني على القوة)، لكن ذلك يعني – في المقابل- اهتزازاً كبيراً في الصورة التي أراد أن يرسمها عن نفسه وعن أميركا عالمياً وإقليمياً وحتى داخلياً، إلاّ أنّه خيار أضمن من العودة إلى الحرب بكلفها العسكرية والاقتصادية الكبيرة.
 
أما العامل الثاني فهو غروره وشعوره بأنّه الأقوى وحرصه على إذلال إيران، حتى لو اضطر إلى حرب شرسة وقاسية (كما توعّد بإعادة إيران إلى العصور الحجرية)؛ لكن مثل هذا الخيار لن ينجح بصورة فاعلة إلاّ إذا تطور نحو عمل عسكري بري، وهو الأمر الذي طالما انتقده ترامب ووعد بعدم العودة إليه!
 
ربما لو رجّح كاتب هذه السطور سيناريو فهو عودة ترامب إلى الحرب، إن لم تنجح المفاوضات مع إيران بالطبع، لأنّ الحصار الاقتصادي فقط لا يوفر له نتائج قوية يستطيع من خلالها ترويج نصر كبير وساحق له.