ثم جاء الدور على.. أوروبا
الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
دوبرافكا جاركوف* - (فورين بوليسي إن فوكَس) 22/1/2026
كانت الحكومات الأوروبية صامتة إلى حدٍّ بعيد إزاء الإبادة الجماعية في غزة. وربما يكون دفاعها الآن عن غرينلاند قليلًا جدًا، ومتأخرًا جدًا.
يتذكر الناس اسم القسّ اللوثري الألماني مارتن نيمولر غالبًا بسبب عبارته الشهيرة التي تبدأ بما يلي: "في البدء جاؤوا في طلب ..."، ويذكُر الاشتراكيين، والنقابات العمالية، واليهود، قبل أن يقول: "ولم أرفع صوتي بالاحتجاج" -لأنه لم يكن اشتراكيًا، ولا نقابيًا، ولا يهوديًا. وتنتهي العبارة بقوله: "ثم جاؤوا في طلبي أنا، ولم يكن أحد قد تبقى ليرفع الصوت احتجاجًا من أجلي".
كان نيمولر يشير إلى صمته الخاص، وإلى صمت عامة الناس وقادة الكنائس في ألمانيا النازية، الذي أتاح اضطهاد ملايين البشر وإبادتهم خلال الحرب العالمية الثانية. إن الصمت، كما يجادل، هو تواطؤ في الجريمة. وكما تُظهر حياته هو نفسه، فإن الصمت لا يوفر حماية للصامتين من الاضطهاد.
ولم تُصغِ أوروبا إلى هذا التحذير. وتقدم فلسطين دليلًا مأساويًا على هذه الحقيقة.
بحلول نيسان (أبريل) 2025، كانت إسرائيل قد أسقطت على غزة ما يعادل 70 ألف طن من المتفجرات؛ أي ما يوازي القوة التفجيرية لست قنابل نووية من نوع قنبلة هيروشيما. وقد تعرضت غزة، وهي واحدة من أكثر المناطق كثافة سكانية في العالم ولا تتجاوز مساحتها ربع مساحة لندن، لإحدى أعنف وأكثف حملات القصف في التاريخ، التي أسفرت عن مستويات غير مسبوقة من القتل والدمار.
لكن الحكومات الأوروبية بقيت صامتة في معظمها لفترة طويلة جدًا. نعم، صدرت لاحقًا تعبيرات عن "القلق". وغالبًا ما صدرت همسات اعتذارية واهنة ومائعة، بلا عمود فقري، بشأن الإبادة الجماعية في غزة، "في الأحاديث الخاصة" وفي إطار ما تُسمّى "الدبلوماسية الهادئة"، بينما كانت تلك الحكومات نفسها تقوم -بنشاط ووحشية ومن دون أي اعتذار- بإسكات أي صوت معارض للإبادة داخل حدودها. وقد وُصِف المواطنون الفلسطينيون والصحفيون المقيمون في أوروبا، الذين احتجّوا على الإبادة، مرارًا، بالإرهابيين والداعمين لـ"حماس" والمعادين للسامية. وتم تخويفهم، والتحرش بهم ومضايقتهم، وتجريمهم، وملاحقتهم قضائيًا. كما تم حظر الكثير من المنظمات الفلسطينية.
كما تبنت الحكومات الأوروبية الاستراتيجية نفسها المتمثلة في التزام الصمت بشأن حرب إسرائيل على الفلسطينيين في الضفة الغربية. بل إنه لا يُطلق على هذه الحملة الإسرائيلية في أوروبا حتى اسم "حرب" -ناهيك عن اعتبارها جزءًا لا يتجزأ من السياسة الإبادية الأوسع التي تنتهجها إسرائيل ضد الفلسطينيين. بدلًا من ذلك، يُترك السياق الأوسع مسكوتًا عنه، ويجري تناول جرائم محددة -غالبًا ما تكون توسيع المستوطنات وعنف المستوطنين- بشكل منفصل. لكنّ العنف وجرائم القتل التي يرتكبها المستوطنون الإسرائيليون تشكّل مرافِقًا عضويًا للعنف وعمليات القتل التي ينفذها الجيش الإسرائيلي.
ثمة الاعتقالات المتواصلة وإعادة الاعتقال، والتعذيب في مراكز الاحتجاز، والضرب، وتدمير البنى التحتية (المساكن، المدارس، المستشفيات)، والتهجير القسري، وازدياد عدد الحواجز ونقاط التفتيش والقيود على الحركة، وتدمير المحاصيل الزراعية (وخاصة أشجار الزيتون)، وذبح المواشي -كل هذا أصبح من الوقائع الحياتية اليومية في الضفة الغربية. ويستمر التوسع الاستيطاني في القدس الشرقية والضفة الغربية مع عدم وجود أي قيود، على الرغم من "القلق" الذي تعبّر عنه الحكومات الأوروبية بشكل متقطع، عندما يكون أحد أوجه هذا الهجوم على الفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية فاضحًا إلى حد يصعب التستر عليه.
ثم كسرت الحكومات الأوروبية صمتها بحماسة، لتصفّق وتُهلّل بصوت عالٍ لـ"خطة السلام ذات النقاط العشرين" الخاصة بغزة، التي طرحها رئيس الولايات المتحدة الخطير والمختل والمضطرب والنرجسي. ولا تفعل هذه الخطة ترسيخ احتلال إسرائيل ونظام الفصل العنصري الذي تفرضه، وتحميه من المساءلة. ولم يكن الهدف منها أصلًا تحقيق العدالة أو تقرير المصير للفلسطينيين. ومع ذلك، نجحت الخطة نجاحًا لافتًا في إسكات أي حديث عن الإبادة الجماعية. ومع وجود "وقف إطلاق نار" على الورق، لم تعد الحكومات الأوروبية حتى تهمس مجرد همس بشأن غزة.
والآن، انقلب هذا النرجسي الخطير والمختل والمضطرب على أوروبا نفسها. وقد وبّخ الحكومات الأوروبية بسبب قوانينها التي تقيّد خطاب الكراهية بحجة حرية التعبير. وفرض عليها رسومًا جمركية. وأجبر الدول الأوروبية على زيادة إنفاقها العسكري. والآن، يريد الاستيلاء على أراض أوروبية. يريد غرينلاند.
عندما قامت الولايات المتحدة بمهاجمة فنزويلا واختطفت رئيسها، صرخ قادة أميركا اللاتينية عاليًا احتجاجًا. ومع ذلك، همس القادة الأوروبيون فقط بأن: "الأمر معقّد". وبدا أن الرؤساء ورؤساء الحكومات الأوروبيين لم يدركوا أن الهجوم العسكري على أراضي دولة ذات سيادة يشكّل انتهاكًا للقانون الدولي. كما أنهم لم يدينوا قط القصف الأميركي الأسبق للمواقع النووية في إيران.
ولكن عندما اكتسبت الولايات المتحدة شهية لابتلاع أراضٍ أوروبية، أصيبت الحكومات الأوروبية بالذهول. وتساءل الزعماء الأوروبيون: "كيف يمكن للأب أن يفعل بنا هذا؟ لقد تملّقناه، ومدحناه، وأغرقناه بالمظاهر والاحتفالات، وقبّلنا خاتمه، وصمتنا عن كل تجاوزاته، وهو يفعل بنا هذا! هذا! بنا نحن؟!".
كما أشار مارتن نيمولر، فإن الصمت لا يحمي الصامتين. واسترضاء شخص مصاب بجنون العظمة لا يؤدي سوى إلى زيادة جرأته. كانت الانتهازية الأوروبية والاعتماد على الولايات المتحدة من صنع أوروبا نفسها. ومصالحها السياسية والاقتصادية متحالفة مع مصالح الولايات المتحدة بدرجة أكبر بكثير مما تعترف به الحكومات الأوروبية عادة. نادرًا ما كانت الديمقراطية، وسيادة القانون، والحرية، وكل تلك الكلمات الجميلة -وإنما الفارغة- إن وُجدت أصلًا، هي المصالح الحقيقية للقوى الأوروبية. في الحقيقة، كان الدافع الحقيقي لأوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية، كما هو الحال مع الولايات المتحدة، هو السعي إلى الهيمنة الاقتصادية والسياسية العالمية. وحتى البرامج التي تبدو خيرية، مثل المساعدات التنموية والإنسانية، إنما تتعلق في جوهرها بالسيطرة على الأراضي، وإن كان ذلك بوسائل غير عسكرية.
لقد عملت آلة الحرب الأوروبية في انسجام تام مع الولايات المتحدة للقتل والتدمير في أنحاء العالم. كما انضمت الآليات السياسية والاقتصادية الأوروبية بسعادة مع تلك الأميركية لنشر الفقر في عدد لا يُحصى من البلدان. وأن تجد أوروبا نفسها، في القرن الحادي والعشرين، على الجانب المتلقّي لهذه البنى التدميرية، وعلى يد حليفها المزعوم، فإن ذلك لا بد أنه شكّل صدمة لا يمكن تصورها.
ما الذي سينتج عن هذا الاضطراب بين الولايات المتحدة وأوروبا؟ هل سيحط مشاة البحرية الأميركية على سواحل غرينلاند؟ وهل ستخاطر الحكومات الأوروبية بخوض حرب تجارية، ناهيك عن حرب فعلية، مع الولايات المتحدة من أجل الجزيرة؟ أم أنها ستستمر في إصدار بياناتها المحسوبة الداعية إلى الهدوء، وتحاول شرح أن هذا الوضع أيضًا "معقّد"، وأن مثل هذه "العملية الأمنية الخاصة" تفيد في الواقع جميع حلفاء الناتو؟ وماذا سيعني تزايد أعداد المستشارين العسكريين والمراقبين والجنود بالنسبة لحياة سكان غرينلاند؟ هل ستغلق الدول الأوروبية، واحدة تلو الأخرى، أعينها وتُطبق أفواهها، خوفًا من أن تكون الولايات المتحدة التالية ستأتي في طلبهم تاليًا؟
*دوبرافكا جاركوف Dubravka Žarkov: تقاعدت في العام 2018 من عملها كأستاذة مشاركة في دراسات الجندر والنزاعات والتنمية في "المعهد الدولي للدراسات الاجتماعية"، جامعة إيراسموس في روتردام، هولندا؛ حيث درّست الإبستمولوجيات النسوية، ونظريات الصراع، والتمثيلات الإعلامية للحرب والعنف. من مؤلفاتها كتاب "جسد الحرب: الإعلام، والإثنية، والجندر في تفكك يوغوسلافيا" The Body of War: Media, Ethnicity and Gender in the Break-up of Yugoslavia (2007)، وتحرير مجموعة المقالات المشتركة "سرديات العدالة داخل قاعات المحاكم وخارجها: يوغوسلافيا السابقة وما بعدها" Narratives of Justice In and Out of the Courtroom, Former Yugoslavia and Beyond (بالاشتراك مع مارليس غلازيوس، 2014). وكانت محررة مشاركة في "المجلة الأوروبية لدراسات المرأة". تقيم حاليًا في بلغراد، صربيا.
*نُشر هذا المقال تحت عنوان: And Then They Came for…Europe