"روابط الفكر والروح".. قراءة جديدة في تفاعل العرب والغرب
الغد-عزيزة علي
صدر عن منشورات ضفاف (بيروت)، ومجاز (عمّان)، والاختلاف (الجزائر)، الطبعة الثانية من كتاب "إلياس أبو شبكة: روابط الفكر والروح بين العرب والفرنجة"، للشاعر اللبناني إلياس أبو شبكة (1903–1947)، بتحقيق وشرح أستاذ الأدب الحديث والبلاغة المعاصرة في الجامعة الهاشمية، الأستاذ الدكتور مصلح النجار.
ويشكل كتاب "إلياس أبو شبكة: روابط الفكر والروح بين العرب والفرنجة"، واحدا من الأعمال الريادية في سياق الأدب المقارن العربي في النصف الأول من القرن العشرين، لما ينطوي عليه من وعي مبكر بأبعاد التفاعل الثقافي والفكري بين الحضارتين العربية والغربية، متجاوزًا حدود التأثير الأدبي المباشر إلى استكشاف وشائج الفكر والروح بين الأمم.
وفي تقديمه للكتاب، يركز الدكتور مصلح النجار على الأسباب التي دفعته إلى إنجاز هذا العمل، قائلاً: "قبل قرابة أربعة عقود، وقع كتاب "روابط الفكر والروح بين العرب والفرنجة" بين يدي للمرة الأولى، وذلك في مكتبة والدي العامرة بالكتب النقدية، التي كانت تولي اهتمامًا خاصًا بالنقد اللبناني. وشدني هذا الكتاب، وأنا ما أزال طفلاً، وكان أبرز أسباب انجذابي إليه آنذاك الرسوم الرائعة التي تزين صفحاته، بريشة أربعة من الفنانين، صوروا عشرات الأدباء والساسة العرب والعالميين. ومثلما تشد الرسوم طفلا، شدتني رسوم كتاب أبي شبكة".
وأضاف النجار قرأت الكتاب للمرة الأولى في أثناء دراستي الإعدادية، ثم عدت إلى قراءته وأنا على مقاعد الدراسة في جامعة اليرموك، ضمن قراءاتي الذاتية لخدمة مساق الأدب المقارن، وظلّ الكتاب يستحوذ على إعجابي. وبعد سنوات طويلة، وحين حانت سنة التفرغ للبحث العلمي خلال عملي في الجامعة الهاشمية، كان لزامًا عليّ اختيار موضوع بحثي، فلم يستغرقني الأمر وقتًا طويلًا حتى استقر رأيي على كتاب "روابط الفكر والروح"، لما أشعر به من قيمة عظيمة يتسم بها في مجال الأدب المقارن ونقد الأدب الحديث ولا سيما، في ظل قلّة الدراسات المقارنة في مطلع أربعينيات القرن العشرين.
كما تتجلى أهميته في غزارة المعلومات التي يضمّها بين دفتيه، وهي معلومات تبهر القارئ بنوعها وكمّها.
وتابع الدكتور مصلح النجار قائلاً "نظرتُ في الكتاب من جديد بعين أكاديمي مهتم هذه المرة، فوجدته بحاجة إلى التعريف به وبصاحبه، وقد كانا مغبونَي الحق بين الكتب والنقاد، فضلًا عن ضرورة توضيح المفاهيم الكثيرة الواردة فيه، والتعريف بالأعلام الأجانب والعرب، على تنوع مشارِبهم وكثرة أسمائهم، التي تتزاحم في كل صفحة من صفحات الكتاب الصغيرة، والتعليق على بعض القضايا التي أثارها أبو شبكة، إلى جانب التعريف بالمذاهب والحركات والاتجاهات والتيارات الأدبية والسياسية، وكذلك بالأماكن والمناسبات التاريخية. وقد توخيت، عند التعريف بالمؤلِّف، ترجمة حياته ومكانته، وعرض اتجاهه الأدبي، وآرائه النقدية".
ثم يتحدث النجار عن الصعوبات التي واجهته أثناء هذا العمل، فيقول: تمثّلت أبرز الصعوبات في وفرة الأسماء، وانتمائها إلى مشارِب أدبية متعددة وعصور مختلفة، واختلاف طرائق تهجئتها بالعربية، فضلًا عن قلة إثبات تهجئتها باللغات الأجنبية، وعدم توافر معلومات عن بعض هؤلاء الأعلام إلا في لغاتهم الأصلية. بل لربما تعذر العثور على أي شيء عن بعضهم لولا المكتبة الإلكترونية وشبكة الإنترنت.
كما فرضت الإمكانات الطباعية في أربعينيات القرن العشرين، بعض الإهمال في صف الحروف، فنتج عن ذلك غياب بعض العلامات الإملائية، كالهمزات، وهو أمر تضافر مع خصوصية تهجئة أسماء الأعلام الأجانب المشار إليها، ما استدعى مزيدًا من التدقيق والمراجعة.
ويشير النجار، إلى مشكلة أخرى تتمثل في أن أبي شبكة لم يوثق المعلومات التي ضمّنها كتابه، وهي طريقة كانت مقبولة في التأليف آنذاك، وإن كنا سنكون أوفر حظًّا لو أنّ تلك المعلومات جاءت موثقة. غير أن ريادة الكتاب في مجاله، وتفوق مؤلفه، وسعة اطلاعه التي مكنته من الإحاطة بتلك المادة المعرفية الواسعة، تجعلنا نركز على قيمة الكتاب نفسه دون الالتفات إلى ما سواه.
ومن جدير بالذكر، أن الكاتب نذر كتابه لإلقاء الضوء على روابط الفكر والروح، ولم يقتصر على التأثير الأدبي وحده، وهو ما يمثل وعيًا مبكرًا بالأبعاد الثقافية للتأثر والتأثير بين الأمم، لا يقتصر على الآليات والتحريات الشكلية فحسب.
واعتمد المحقق في هذا العمل على الطبعة الثانية من الكتاب، الصادرة سنة 1945، علمًا أن الطبعة الأولى كانت صدرت قبل ذلك بنحو عامين. كما أثبت نماذج من صفحات الكتاب، وصور غلافي الطبعتين، وأدرج الرسوم التي أنجزها أربعة من الفنانين، هم: "قيصر الجميل، ومصطفى فروخ، ورضوان الشهّال، ومحمد عيتاني"، كما وردت في الأصل.
ويذكر أن إلياس أبو شبكة كان كاتبًا وشاعرًا ومحررًا ومترجمًا وناقدًا أدبيًا لبنانيًا، وُلد في بلدة الزوق بقضاء كسروان في لبنان. وكان أحد مؤسسي عصبة العشرة، إحدى الجماعات البارزة في حركة النهضة العربية. وقد تميز نتاجه الإبداعي بغنى أوجهه وتعدد مساراته.
ووصف أبو شبكة بأنه "سريع الاندفاع، وافر الحماسة، شديد التعصب لرأيه وقوله ولا سيما شعره، عنيف الرد على مناظريه، عصبي التعبير، غير أنه كان وشيك الهدوء، قريب الرضى، فيعود كما بدا صديقًا مخلصًا وفيًّا، سليم القلب، طيّب السريرة، على إباء أنوف وكبرياء تيّاهة".
وعمل إلياس أبو شبكة مدرسًا ومترجمًا، وإلى جانب نشره عددًا من الدواوين الشعرية، اشتغل بالصحافة، فكتب في عدد من الصحف والمجلات الأدبية العربية. وبحكم تمسكه بالمدرسة الرومانسية، آمن بالإلهام، وشجب التحكم الواعي في عملية الإبداع الشعري.
ويعد الدكتور مصلح النجار باحثًا في الأدب العربي الحديث ونقده، وله عدد من المؤلفات والإصدارات، من أبرزها: "الحسن بن طلال: حكاية أمير عربي"، "حمّى الأشياء المكسورة"، "البرعم والمشنقة"، "السراب والنبع"، "البناء اللغوي للصورة في شعر محمود درويش"، "كتاب النهايات"، "مواقف مصلح النجار". وأصدر مجموعة من المؤلفات في مجالات أخرى، من بينها: "الأمن الإنساني: ملامحه ومفاهيمه وقضاياه"، "تدريب حول الأمن الإنساني للفئات المستضعفة"، "الأمن الإنساني: كل شيء عن حياة الناس".
إضافة إلى مجموعة مؤلفات في مجالات أخرى ومنها: "الأمن الإنساني: ملامحه، ومفاهيمه وقضاياه"، و"تدريب حول الأمن الإنساني للفئات المستضعفة"، و"الأمن الإنساني: كل شيء عن حياة الناس"، وله أعمال مشتركة وأعمال نقدية وكتب مشتركة. وله مجموعة واسعة من البحوث العلمية المحكمة، وأشرف وناقش عشرات الأطروحات والرسائل لطلبة الدراسات العليا، وهو مستشار في شؤون الأمن الإنساني.