الغد-عزيزة علي
تأتي إعادة طباعة الجزء الأول من رواية "شجرة الفهود"، المعنون "تقاسيم الحياة"، للروائية الأردنية سميحة خريس، والصادر عن دار "الآن ناشرون وموزعون"، لتسلط الضوء مجددا على نص روائي يوثق نشأة العائلة الممتدة، ويغوص في بنيتها المعقدة، بما تنطوي عليه من صراعات داخلية وروابط قرابة، بالتوازي مع رصد التحولات في أنماط العيش الريفي، وبدايات الإقبال على التعليم، والانفتاح على المحيط العربي.
وتقدم الرواية استعادة سردية لمرحلة التشكل الأولى للمجتمع الأردني؛ حيث ترسم خريس لوحة إنسانية واجتماعية زاخرة بالتفاصيل، تستحضر من خلالها ملامح الحياة اليومية وتحولات الناس خلال النصف الأول من القرن العشرين.
كما تقدم الرواية، التي نشرت للمرة الأولى العام 2017، عبر فضاءاتها الممتدة بين مدن الشمال الأردني، صورة بانورامية لمجتمع يتشكل على وقع التحولات السياسية والاجتماعية، حيث تتقاطع حكايات الأفراد مع تحولات المكان، وتبرز الأسئلة المرتبطة بالهوية والانتماء، في سرد يجمع بين الواقعية وثراء اللغة، ويعكس مرحلة لافتة في التجربة الإبداعية للكاتبة.
وتبقى رواية "شجرة الفهود" عملا روائيا مشبعا بحس الكتابة، تزخر صفحاته بشخصيات مرسومة بوضوح وتميز، تنبض بالحيوية والعفوية، وتنتمي إلى بيئتها بعمق، فضلا عن تلك اللحظات الإنسانية الحميمية المصوغة برهافة عالية، ما يجعل الرواية إضافة نوعية إلى رصيد السرد العربي المعاصر.
ويضيء الجزء الأول من هذه الرواية على المجتمع الأردني في مرحلة مبكرة من تأسيس الدولة، متتبعا أنماط حياة الناس وعلاقاتهم الاجتماعية، والتحولات التي شهدوها حتى منتصف خمسينيات القرن العشرين.
وتزخر الرواية بأحداث تدور في مدينة إربد شمالي الأردن، مع امتدادات مكانية إلى عمّان والسلط ودمشق، بما يعكس عمق الروابط الاجتماعية والسياسية بين هذه المدن في تلك الحقبة.
وتدور أحداث الرواية حول شخصية فهد الرشيد ووالدته فريدة، قبل أن تتسع الدائرة لتشمل العائلة الممتدة التي يؤسسها فهد عقب زواجه من أربع نساء، واتخاذه قطعة أرض واسعة على هيئة هضبة مقرا له، وللسلالة التي حملت اسمه "الفهود"، والتي ارتبطت به في حياته واستمر حضورها من بعده.
وتبرز الرواية، التي حمل غلاف طبعتها الأولى لوحة للفنانة الأردنية مرام علي، ملامح الأسرة الأردنية الممتدة التي تجمع الأجداد والأبناء والأحفاد تحت سقف واحد. كما ترصد صراعات الضرائر، وطبيعة العلاقات بين الإخوة، وتسلط الضوء على تفاصيل الحياة الفلاحية، من أنماط العيش والإنتاج، إلى التفاعلات الاجتماعية داخل مجتمع تحكمه روابط القربى والجوار.
وجاء في أحد المقاطع الاستهلالية للرواية "عاودت فهد الأحلام؛ هذه الأرض الجنة ستمتلئ بالفهود قريبا. حين ابتاعها قالوا: الولد مجنون، ماذا سيفعل بأرض صخرية جبلية؟ لكن فهد بنى فوقها حجرتين؛ واحدة من الحجر الأبيض وأخرى من الطين، رافضا مساعدة أي من أبناء عمومته، ومستأجرا أولاد الرعاة الذين أسهموا في البناء، وشاركهم العمل بيديه. حتى فريدة، التي أشرفت على سير العمل ودقته، حملت الطين في القفف وضربت بالفأس، وتحملت سخرية ابنها وهو يداعبها".
الرواية ترصد طيفا واسعا من التحولات الاجتماعية والثقافية، من بينها الإقبال المبكر على التعليم في الأردن، حيث برزت المدارس بوصفها مقصدا لطالبي العلم، مثل مدرسة "السلط"، التي عرفت في العهد العثماني باسم "مدرسة التجهيز". كما تشير إلى ارتحال الطلبة لاستكمال دراستهم في جامعات الدول العربية المجاورة.
وتظهر الرواية كذلك تأثر الأردنيين، على اختلاف مستوياتهم العلمية والاجتماعية، بالأحداث السياسية في المنطقة، وانخراطهم في التيارات الحزبية والأيديولوجية المتعددة، فضلا عن تقديمهم التضحيات في سبيل القضايا التي آمنوا بها.
تصف الرواية تلك المرحلة، بالقول: "لم يكن أولاد فهد الرشيد وحدهم يقصدون هذا الصرح المسمى (مدرسة التجهيز)، ففي جنباته اكتشفوا أن الخريطة أوسع وأرحب، وأن العالم يموج ببشر لا يعلمون عنهم إلا القليل. حظوا بأساتذة من دمشق وبغداد والقاهرة، ولم تعد تلك البقاع تاريخا قديما، بل واقعا قائما يقع قاب قوسين أو أدنى على مد البصر. كان هؤلاء الأساتذة الرُّحَّل يشعرون بالشفقة حيال الشباب الذين لم يعرفوا العالم بعد، فيُزيلون عن عيونهم الغشاوة؛ فكأنّ المدرسة القابعة على أعلى جبال السلط نافذة حية على عالم أشبه بالخيال، مفتوحة على الآفاق".
وتشي الرواية بأسلوب الكاتبة سميحة خريس في فترة التسعينيات، وهو أسلوب يمثل مرحلة مهمة من مسيرتها الإبداعية، ويمكن وصفه بـ"المتجدد"، لقدرته على الانتقال بين العوالم الواقعية، كما في هذا العمل، وعوالم مغايرة في سياقاتها الاجتماعية والزمانية. ويتجلى ذلك بوضوح عند مقارنة هذه الرواية بأعمال خريس اللاحقة التي صدرت بعد عقدين أو ثلاثة.
ولعل من أبرز سمات لغة الرواية اعتماد الكاتبة اللهجة العامية في معظم الحوارات، إلى جانب توظيفها معجما ثريا بالمفردات التي أخذ كثير منها في التراجع والاندثار في الاستعمالات اليومية لدى أجيال الألفية الجديدة.
يذكر أن الروائية سميحة خريس حصلت على شهادة البكالوريوس في علم الاجتماع من جامعة القاهرة العام 1978، وعملت في مجال الصحافة الثقافية في الأردن والإمارات العربية المتحدة. منذ العام 1976، صدر لها أكثر من 25 عملاً إبداعياً، شملت الروايات والمجموعات القصصية والنصوص المسرحية، إلى جانب أدب المكان وأدب الرحلات.
وحصدت خريس العديد من الجوائز المرموقة، من بينها جائزة الدولة التشجيعية في الأردن (1997)، وجائزة أبو القاسم الشابي (2004)، وجائزة كتارا للرواية العربية (2017). كما تُرجمت أعمالها إلى لغات عدة، أبرزها الإنجليزية والألمانية والإسبانية والفرنسية، مما أكسبها حضورا دوليا متميزا في المشهد الأدبي العربي.