عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    13-Jan-2026

فقاعة الذكاء الاصطناعي ورسالة التعليم الأكاديمي*حسن الدعجة

 الغد

لم يكن التعليم الجامعي والمدرسي يوما بمنأى عن التحولات الكبرى التي تعصف بالمجتمع، لكنه في السنوات الأخيرة وجد نفسه في قلب ثلاث موجات متلاحقة: فقاعة الإنترنت في مطلع الألفية، وجائحة كورونا في مطلع العقد الثالث، ثم موجة الذكاء الاصطناعي اليوم. في كل مرة، يُقدَّم الحل التقني بوصفه المنقذ، وتُضخ الوعود والتمويلات والتوقعات إلى حد التضخم، ثم تأتي لحظة التصحيح لتكشف أن المشكلة لم تكن تقنية خالصة، بل إنسانية ومؤسسية وثقافية في المقام الأول.
 
 
عندما انفجرت فقاعة البرمجيات وشركات الإنترنت عام 2000، لم تختفِ الشبكة، بل تراجعت الأوهام وبقيت البنية. وعندما اجتاح وباء كورونا العالم، بدا للحظة أن التعليم الجامعي سيتحول كليًا إلى تعليم رقمي، وأن القاعات ستُستبدل نهائيًا بالشاشات. أغلقت الجامعات أبوابها، وانتقلت المحاضرات إلى المنصات الإلكترونية، ونجحت الأدوات الرقمية بالفعل في سد فجوة طارئة، ومنعت انقطاعًا معرفيًا كان يمكن أن يكون كارثيًا لجيل كامل من الطلبة. لكن ما بدا في حينه كتحول تاريخي دائم، تبيّن لاحقًا أنه استجابة مؤقتة لظرف استثنائي، وأن كثيرًا مما نُسب إلى "ثورة تعليمية" كان في الواقع تضخيمًا إعلاميًا ونفسيًا للحظة خوف عالمي حبست فيها البشرية أنفاسها.
بهذا المعنى، لم يكن وباء كورونا فقاعة صحية، لكنه كان فقاعة إدراكية: لحظة ضخّم فيها الإعلام والسياسة والاقتصاد أثر التقنية إلى حد بدا فيه أن كل شيء قابل للنقل إلى الشاشة بلا خسائر. ومع انحسار الجائحة، ظهرت الفجوات: ضعف التفاعل، تآكل الدافعية، تفاوت الفرص بين الطلبة، إنهاك الأساتذة، وتراجع العمق المعرفي في كثير من السياقات. الأدوات الرقمية نجحت في منع الانهيار، لكنها لم تنجح في بناء نظام تعليمي أفضل بذاته.
اليوم، يتكرر النمط نفسه مع الذكاء الاصطناعي، ولكن في صيغة أكثر جذرية. لم يعد الأمر مجرد منصات لبث المحاضرات أو إدارة الصفوف، بل أنظمة يُقال إنها تستطيع التعليم، والتقويم، والشرح، والتصحيح، بل وحتى الإبداع الأكاديمي نيابة عن الإنسان. ويُطرح هذا التحول في الجامعات كما طُرح سابقًا التعليم الإلكتروني في زمن كورونا: بوصفه ضرورة تاريخية لا بديل عنها، وبوصفه قفزة نوعية ستنقذ التعليم من أزماته البنيوية.
غير أن هذا الخطاب يخفي التباسًا خطيرًا بين الأداة والغاية. فالجامعة ليست مصنع شهادات، ولا خط إنتاج معلومات، بل فضاء لتكوين العقل النقدي، وبناء القدرة على السؤال، والتفكير، والربط، والاختلاف. هذه وظائف لا تختزل في نقل المحتوى، ولا في سرعة الوصول إليه، بل في نوع العلاقة التي تُبنى بين الطالب والمعرفة، وبين الطالب وأستاذه، وبين الطالب وذاته الفكرية.
 الذكاء الاصطناعي، مثل أدوات التعليم في زمن كورونا، قادر على سد فجوات: شرح إضافي، ترجمة، تلخيص، تدريب، محاكاة، وصول أسرع إلى المصادر. لكنه غير قادر بطبيعته على أن يحل محل التجربة التعليمية نفسها، لأن هذه التجربة ليست مجرد استهلاك معرفة، بل احتكاك بها، ومقاومة لها، وإعادة صياغة لها. الخطر أن تتحول الجامعة، تحت ضغط السوق والتنافس والتكلفة، إلى جهة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتقليص الكادر، وتسريع التقييم، وتوحيد المناهج، وتحويل التعليم إلى خدمة رقمية، فتخسر بذلك جوهرها ببطء ومن دون ضجيج.
الأخطر من ذلك أن المعرفة نفسها قد تدخل في حلقة تكرار مغلقة. فإذا كتب الطلبة بمساعدة الذكاء الاصطناعي، ودرّس الأساتذة بمساعدة الذكاء الاصطناعي، وصححت الأبحاث بمساعدة الذكاء الاصطناعي، فإن المعرفة تبدأ بالتغذي على نواتجها الخاصة، لا على تجربة بشرية جديدة. هنا لا نكون أمام تعليم، بل أمام إعادة تدوير أنماط لغوية ومفاهيم جاهزة، تتسع كميًا وتضمر نوعيًا.
كما أن الحضارة الرقمية، رغم قوتها الظاهرة، حضارة هشة في ذاكرتها. فما يُنتج اليوم في منصات الجامعات ومواقعها قد لا يبقى بعد عقدين، إذا تغيّرت الأنظمة، أو أُغلقت الشركات، أو تعطلت الخوادم. المفارقة أن مخطوطات عمرها ألف عام ما زالت تُقرأ، بينما أبحاث رقمية عمرها عشر سنوات قد تختفي بلا أثر. التعليم الجامعي، بوصفه ذاكرة المجتمع النقدية، لا يستطيع أن يبني مستقبله على وسائط لا تضمن بقاء أثره.
في العمق، ما نعيشه ليس أزمة تقنية، بل أزمة تصور. نحن نكرر نمطًا واحدًا: نضخم الأداة عند ظهورها، نعلّق عليها آمالًا خلاصية، نستخدمها لسد فجوة حقيقية، ثم نكتشف أن الفجوة كانت أعمق من الأداة، وأن المشكلة كانت في بنية النظام لا في غياب التقنية. حدث هذا مع الإنترنت، ومع التعليم الإلكتروني زمن كورونا، وهو يحدث الآن مع الذكاء الاصطناعي.
الجامعة أمام خيار حاسم، إما أن تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كما تعاملت مع أدوات كورونا: وسيلة إسعاف مؤقتة، ثم عودة إلى التفكير في جوهر العملية التعليمية، أو أن تسير في طريق تحويل التعليم إلى منتج آلي سريع، فتربح الكفاءة وتخسر المعنى.
الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون رافعة لتحسين التعليم، إذا وُضع في خدمة أستاذ يفكر، وطالب يسأل، ومؤسسة ترى في التعليم مشروعًا إنسانيًا لا صناعيًا. ويمكن أن يكون أداة لتفريغه من روحه، إذا استُخدم لتعويض النقص المؤسسي بدل إصلاحه، ولتجميل الأزمة بدل مواجهتها.
كما حبست جائحة كورونا أنفاس العالم للحظة، ثم انحسرت وبقيت الأسئلة، قد تحبس فقاعة الذكاء الاصطناعي أنفاس الجامعات اليوم، ثم تنحسر ويبقى السؤال نفسه: ماذا نريد من التعليم؟ إذا لم يُطرح هذا السؤال بوضوح، فإن كل أداة جديدة، مهما كانت متقدمة، لن تكون سوى طبقة أخرى من الطلاء فوق جدار يتصدع من الداخل.