«بوخارست قبل أن تصرخ».. المرأة التي لا تنام نموذجاً
الدستور-فاتن ازدحمد/ ناقدة فلسطينية من لبنان
في قصته القصيرة «المرأة التي لا تنام» من مجموعة «بوخارست قبل أن تصرخ»، يقدّم مصطفى القرنه نصًا كثيفًا ومخاتلًا، يشتغل على التخويف الصامت أكثر مما يشتغل على الحدث، وعلى الرعب النفسي أكثر من الرعب المباشر. إنها قصة عن المراقبة، لا بوصفها فعلًا أمنيًا فقط، بل بوصفها حالة وجودية تُفرغ الإنسان من طمأنينته، وتحوّل حياته اليومية إلى سجنٍ مفتوح بلا قضبان.
تدور القصة في بوخارست، ديسمبر 1988، أي في اللحظة التي تسبق سقوط المدينة والنظام معًا. اختيار الزمن هنا ليس تفصيلًا عابرًا، بل هو عصب النص. نحن أمام مدينة على حافة الانهيار، لكن الخوف ما زال حيًا، يعمل بكفاءة، ويؤدي وظيفته حتى اللحظة الأخيرة. البرد المتراكم، الثلج الذي لا يذوب، والبنايات الإسمنتية التي يصفها السارد بـ«المقابر العمودية»، كلها عناصر مكانية تتحول إلى امتداد نفسي لحالة القمع والجمود، حيث يُمنع الحلم قبل أن يُمنع الكلام.
المرأة الواقفة خلف النافذة هي قلب القصة ورمزها الأكبر. حضورها الثابت، الصامت، غير القابل للتفسير، يجعل منها كائنًا بين الإنسان والشيء، بين الجسد والآلة. لا اسم لها، لا تاريخ مؤكّد، فقط شائعات: أرملة ضابط في جهاز «السيكوريتي»، أو كاميرا بشرية، أو عقاب مزروع في قلب المبنى. هذه الضبابية ليست نقصًا سرديًا، بل هي مقصودة، لأن الأنظمة الشمولية لا تحتاج إلى حقيقة واضحة؛ يكفي الشك. الخوف لا يتغذّى من اليقين، بل من الاحتمال.
السارد في البداية يتجاهلها، ثم يحلم بها، ثم يعتقد أنها تراقبه وحده. هذا التدرّج النفسي يكشف كيف تنتقل المراقبة من الخارج إلى الداخل، من نافذة مقابلة إلى وعي الفرد نفسه. هنا تبلغ القصة ذروتها الرمزية: النظام لا يكتفي بأن يراقبك، بل يجعلك تراقب ذاتك، وتشكّ في رؤيتك، وفي صدق حواسك.
المشهد المفصلي حين تغيب المرأة وتُظلم نافذتها، يمنح القارئ مثل السارد إحساسًا زائفًا بالراحة. لكن سرعان ما ينقلب هذا الإحساس إلى فزع أشدّ، مع زيارة الرجلين الغامضين، وسؤالهم البارد: «متى كانت آخر مرة رأيت فيها المرأة؟». السؤال هنا ليس بريئًا، بل فخ. الحقيقة لا تهم، ما يهم هو اختلافك عن الرواية الجماعية. حين يقولان له: «الجميع رأى الضوء أنت وحدك لم تره»، تتحول القصة من مراقبة امرأة لرجل، إلى مراقبة جماعية للفرد الخارج عن السرد الرسمي.
العودة الأخيرة للمرأة، بابتسامتها الخافتة، هي الخاتمة الأكثر رعبًا في النص. الابتسامة ليست انتصارًا، بل توقيع. توقيع النظام على روح السارد. منذ تلك اللحظة، يدرك أنه صار «تحت عينيها إلى الأبد»، حتى لو سقطت المدينة لاحقًا. هنا يلمح النص بذكاء إلى أن سقوط الأنظمة لا يعني بالضرورة سقوط آثارها النفسية. الخوف أطول عمرًا من الطغاة.
«المرأة التي لا تنام» ليست قصة عن رومانيا فقط، ولا عن 1988 فحسب. إنها نص كوني، قابل للاستنساخ في كل مكان عرف القمع، حيث تتحول النوافذ إلى عيون، والابتسامات إلى تهديدات، والصمت إلى لغة رسمية. إنها قصة تقول لنا إن أخطر ما تفعله السلطة ليس ما تراه بل ما تجعلك تظن أنها تراه.
نصّ مكثف، ذكي، ومخيف بهدوئه، يثبت أن الأدب حين يقترب من السياسة دون شعارات، يصبح أكثر قدرة على فضحها.