لغد
هآرتس
عميت فيرشيتسكي
13/3/2026
لم يصدم الهجوم ضد إيران النظام في طهران فقط، بل حلفاءه أيضا، وعلى رأسهم روسيا. فموسكو تتابع التطورات عن كثب وهي تقلق من احتمالية حدوث تغيير جذري في ميزان القوة الجيوسياسي في الشرق الأوسط. بالنسبة للكرملين، فإن إيران ليست فقط شريكة إقليمية، بل هي ركيزة أساسية في المحور الذي يهدد هيمنة الغرب، وقد يؤدي المس باستقرارها إلى تقويض مصالح روسيا الحيوية. بعد سلسلة الاضطرابات في مناطق نفوذها في السنوات الأخيرة، بما في ذلك سورية في عهد الأسد وفنزويلا في عهد مادورو، فإنه لا يمكن لموسكو أن تخسر شريكا استراتيجيا آخر. فبالنسبة لها، يعد التصعيد حول إيران اختبارا لمكانتها كقوة عظمى ولقدرتها على الحفاظ على نفوذها الإقليمي والعالمي.
حتى الآن، اكتفت موسكو بالضغط الدبلوماسي وعرض الوساطة، إلى جانب التنديدات الشديدة بالهجمات على إيران واتهام إسرائيل والولايات المتحدة بخرق القانون الدولي وتقويض الاستقرار في المنطقة. وقد أوضح مسؤولون كبار في الكرملين أن روسيا لا تنوي الانجرار إلى أي تدخل عسكري، وشددوا على ضرورة وقف إطلاق النار والعودة إلى القناة الدبلوماسية. ولكن وراء هذا الخطاب الدبلوماسي المتحفظ يوجد قلق عميق، الخشية من حملة إقليمية واسعة يمكن أن تقوض منظومة التحالفات التي تعتمد عليها موسكو، وزيادة تدهور وضعها في الشرق الأوسط.
وقد حذر نائب رئيس مجلس الأمن الروسي والرئيس الروسي السابق ديمتري ميدفيديف، في مقابلة مع وكالة الأنباء الروسية "تاس"، من أن العدوان الأميركي - الإسرائيلي قد يشعل فتيل تصعيد واسع النطاق وقد يتطور إلى حرب عالمية ثالثة. ووفقا له، فإن الهجوم المشترك على إيران هو جزء من مؤامرة غربية لتقويض الوضع الراهن وفرض سيطرة استراتيجية في الشرق الأوسط. وقد حذر وزير الخارجية الروسي سرجيه لافروف، في تصريحات مشابهة، من أن الحرب قد تؤدي إلى نتائج معاكسة لما يأمله مؤيدوها، ومن تسارع سباق التسلح النووي في المنطقة. وبحسبه، فقد تستنتج دول المنطقة بأن السلاح النووي وحده كفيل بضمان أمنها من الهجمات.
مع ذلك، فإن من يسعى إلى فهم العقلية السائدة في الكرملين وفي أوساط مؤيدي بوتين يجدر به الاستماع إلى أصوات لا تتقيد بالخطاب الدبلوماسي للسياسيين. مثلا، الفيلسوف الكسندر دوغين، معروف بنفوذه لدى الحكومة في موسكو ودعوته الحماسية لتحقيق رؤية جيوسياسية تنهي الإمبريالية الغربية وفكرة العالم "أحادي القطب" الذي تسيطر عليه حضارة واحدة وهي الحضارة الأميركية.
دوغين دعا دائما إلى إقامة نظام عالمي متعدد الأقطاب يقوم على الحضارات العظيمة والسيادة الوطنية كبديل للهيمنة الغربية الليبرالية. وهو يرى أن الأمم كيانات تاريخية وعضوية، لها تقاليد وقيم ورؤى عالمية فريدة. لذلك، فإنه لا ينبغي الحكم على ثقافة أمة بمعايير أمة أخرى، ولا يجوز فرض قيم دولة على دولة أخرى. لذلك، فإن دوغين يعتقد أن النظام العالمي ليس سوى غطاء لـ"الإمبريالية الروحية" الأميركية التي لا هدف لها إلا إقامة عالم أحادي القطب والقضاء على السيادة الثقافية والسياسية للحضارات الأخرى.
ويرى دوغين أن صعود دونالد ترامب وحركة "لنجعل أميركا عظيمة من جديد" الانفصالية، شكل نقطة تحول في تاريخ العالم، إذ أصبح لدينا أخيرا رئيس مثير للجدل في البيت الأبيض يعارض اتفاقات التجارة الدولية ويعمل على تفكيك حلف الناتو ويعارض بشكل علني النخب العالمية والخطاب التقدمي، ويتحدى مؤسسات النظام الدولية. دوغين رأى في ذلك فرصة لتقويض هيمنة الغرب الليبرالية وإقامة نظام عالمي متعدد الأقطاب. ولكن بعد تورط سلاح الجو الأميركي في الهجوم على المنشآت النووية في إيران في حزيران (يونيو) الماضي، استنتج دوغين أن روسيا لم تعد قادرة على الاعتماد على ترامب كحليف استراتيجي، وأن عليها الاستعداد لمواجهة حاسمة مع الغرب. وأعلن في حينه: "لقد بدأت الحرب العالمية الثالثة بالفعل".
عند انطلاق الحملة الانتخابية الحالية، شن دوغين حملة مكثفة من التغريدات والمقابلات مع وسائل الإعلام، بعضها مع وسائل إعلام غربية، عبر فيها عن خيبة أمله من ترامب، الذي أصبح في رأيه دمية في يد الصهاينة، ودعا روسيا إلى الاستعداد لحرب يوم القيامة: "هذه الحرب ضدنا... إذا سقطت إيران فسنكون نحن التالين". وفي مقابلة أخرى، وجه دوغين تهديدا ضمنيا: "الأميركيون والإسرائيليون ما يزالون لا يعرفون معنى الحرب الحقيقية، لكنهم سيكتشفون ذلك في القريب. إذا صمدت إيران فكل شيء وارد".
لا تكمن أهمية أقوال دوغين في عكسها للخوف والألم والتيارات العميقة في النخبة السياسية في موسكو فقط، بل أيضا في تأثيرها على النظام الأيديولوجي لليمين المتطرف في أوروبا وفي الولايات المتحدة. وبصفته ضيفا مطلوبا في وسائل الإعلام الدولية وناقدا لاذعا للنظام العالمي، فإن دوغين يحظى باهتمام متزايد في الأوساط السياسية والفكرية، التي تعتبره محللا للصراع الجيوسياسي بين حركات الصحوة الوطنية و"النخبة الغربية العالمية".
مرة أخرى لا يتوانى دوغين عن استخدام أسلوب مؤثر، مستعينا بعالمه الغني بالصور التشبيهية الكارثية ليؤكد خطر هذه اللحظة التاريخية. ففي الأسبوع الماضي في مؤتمر عبر الإنترنت، قال: "نحن نقترب من حرب ميتافيزيفية... لم يعد استخدام السلاح النووي فكرة مجردة بل واقع ملموس... هذه حرب ما وراء الطبيعة... لا يجوز لنا التهاون مع الشيطان".
دوغين يعرف أنه وراء الصراع الوطني الإقليمي والسياسة العالمية بشكل عام يوجد بعد لاهوتي عميق يضفي على الصراعات الجيوسياسية دلالات ميتافيزيقية وحتى أخروية. ففي مقابلة مع الصحفي جوني ميلر من قناة "برس تي.في" الإيرانية في تموز (يوليو) 2025، أوضح دوغين أن الهجوم الإسرائيلي على إيران ليس إلا استنزافا للمشروع الصهيوني، الذي يهدف في أساسه إلى تحقيق رؤية "إسرائيل الكبرى" التي تعتبر إيران عقبة رئيسية أمام تحقيقها. وأوضح أن الصهيونية هي مسيحانية مزيفة، شوهت الفكرة المسيحانية اليهودية، التقليدية، واستبدلتها بإله قومي زائف. وقد حلت المسيحانية السياسية للصهيونية مكان انتظار يهود الشتات قدوم المسيح.
وفي مقابلة مع قناة "سبوتنيك" الروسية في حزيران (يونيو) الماضي، قال: "هم يعتقدون أنهم المسيح المنتظر... نتنياهو يتصرف الآن وكأنه المسيح المنتظر. هو يشن حربا على كل الشعوب غير اليهودية في الشرق الأوسط، ويدمر الشعب الفلسطيني... تقوم سياسة نتنياهو على مزيج من الميتافيزيفية وعلم الآخرة والسياسة، بالضبط مثلما هي الحال في عصر التوراة القديم. هذا هو جوهر الصهيونية". ويحذر دوغين من أن المرحلة التالية ستكون تفجير المسجد الأقصى وبناء الهيكل الثالث على أنقاضه. يمتلك نتنياهو "وعي ساحر"، لكن الشيعة على الطرف الآخر يفكرون بالمثل أيضا. فبالنسبة لهم أيضا السياسة مدفوعة بدافع أخروي وتوقع ظهور المهدي، الإمام الـ12 الخفي الذي سيقضي على المسيح الدجال الذي يجسده الغرب العلماني المادي والصهيونية. "بالنسبة لإيران، فإن إسرائيل هي عدو ميتافيزيقي"، أوضح.
باختصار، يشرح دوغين أن هذا انفجار أخروي، ومواجهة عالمية بين مفاهيم مختلفة لنهاية الزمان، تبلغ ذروتها في هذه اللحظة التاريخية. فمن جهة، فكرة المسيح الدجال لنتنياهو وسموتريتش وبن غفير، ومن جهة أخرى، الأخروية الشيعية مع وجود الأفنغلستيين والصهاينة المسيحانيين في الولايات المتحدة، المدعومين من لندسي جراهام وتيد كروز وأمثالهم، الذين يعملون في الخفاء ويعتبرون روسيا "مملكة الشمال"، يأجوج وماجوج، التي حسب تفسيرهم لنبوءة نهاية الزمان مقدر لها أن تقود الحرب الكارثية ضد إسرائيل.
"يجب علينا تغيير قراءتنا للواقع الجيوسياسي الآن لأن التفسيرات الكلاسيكية لم تعد تفسر أي شيء... هذا عالم خطر جدا، حيث لم يعد للقانون الدولي وكل الترتيبات الدولية أي معنى"، قال دوغين. وقد اختتم أقواله، وقال: "نحن نشاهد اندماجا بين العقائد الدينية القديمة وحساسية ما بعد الحداثة، الأمير الذي يخلق واقعا جديدا -وجود كمي للجغرافيا السياسية الحديثة- تتعايش فيه الأبعاد اللاهوتية والأسطورية والسياسية".
كنا في السابق نستخف بهذه الأمور، لكن في ظل الواقع المتبلور أمام أنظارها، هل من المعقول أن نتجاهل تماما احتمالية أننا في قلب حرب دينية قد تؤدي إلى نهاية العالم؟