الغد-عزيزة علي
وقع الدكتور مجد الدين خمش، في المكتبة الوطنية، أول من أمس، كتابه "المدن والتجارة في الحضارة العربية الإسلامية"، الصادر عن الصايل للنشر والتوزيع.
حفل التوقيع الذي جاء برعاية وزير الثقافة مصطفى الرواشدة، أشار فيه المشاركون إلى أن الكتاب يقدم دراسة شاملة للتاريخ الحضاري والتجاري للعالم العربي الإسلامي، بدءا من المدن العربية القديمة قبل الإسلام وحتى العصر الرقمي والثورة الصناعية الرابعة، مع التركيز على دور التجارة في صعود المدن وتأثيرها على الاقتصاد والسياسة والثقافة، وربطها بمسارات العولمة الحديثة.
أدار الحفل الدكتور رياض ياسين، وتحدث فيه: الدكتور سلطان المعاني والدكتورة هند أبو الشعر، وتحدث المؤلف عن أهمية هذا المنجز.
الدكتورة هند أبو الشعر قدمت إضاءة حول الكتاب، معبرة عن تقديرها للدكتور خمش بمناسبة ترشيح كتابه للقائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد للكتاب، مؤكدة أن الترشيح مستحق نظرا لمكانته الأكاديمية والفكرية المتميزة وحضوره خارج الإطار الجامعي.
وقالت أبو الشعر إن الكتاب يمثل نقلة فكرية نوعية في مسيرة خمش، حيث بلغ فيه مستوى المفكر الشمولي، معتمدا على منهج علمي رصين. وقد تجاوز الإطار التقليدي لعلم الاجتماع، مقدما قراءة شاملة للتاريخ الاقتصادي والاجتماعي، تمتد من المدن العربية القديمة قبل الإسلام حتى العصر الحديث، مؤكدة أن هذا التكامل بين علم الاجتماع والتاريخ كان خطوة جريئة وصحيحة في آن واحد.
وأوضحت أبو الشعر أن خمش اعتمد على مصادر ومراجع متنوعة وحديثة، من دون أن ينغمس غالبا في السرد التاريخي، محافظا على صلته بالحاضر، إلا أنه مال إلى الإطالة السردية عند تناول فترة الفتوحات الإسلامية بتأثير المصادر المبكرة، قبل أن يستعيد لاحقا دوره كباحث ومحلل، متجاوزا الأسلوب السردي التقليدي للمؤرخين.
ورأت أن المؤلف يعكس ارتباطه الشخصي بدراسة سِيَر المدن والأسواق، ما جعله يتفاعل مع كتابه بشغف علمي ومنهجي.
وأشارت أبو الشعر إلى أن خمش يؤكد أن التجارة كانت جوهر الحضارة العربية، بدءا من عرب الجنوب الذين سيطروا على تجارة العالم القديم ووصلوا إلى الصين وجنوب شرق آسيا بفضل معرفتهم بالبحار والرياح واللغات، وجعلوا مدنهم مراكز حضارية قبل الإسلام.
وأضافت أبو الشعر أن الريادة انتقلت بعد ذلك إلى مدن عرب الشمال، التي ازدهرت عبر القوافل والطرق التجارية المتنوعة. ومع الفتوحات الإسلامية، انتقلت الهيمنة التجارية إلى العرب، فأسسوا الأمصار والمدن الكبرى، مثل بغداد والقاهرة وفاس، التي أصبحت مراكز حضارية وتجارية عالمية ذات تفاعل ثقافي واسع.
ويربط الكاتب بين محاور الكتاب وتجربته البحثية حول تجارة البصرة، اعتمادا على كتابات الجاحظ، مبرزا مكانة البصرة كمركز تجاري عالمي يصل بين الشرق والغرب.
ويؤكد خمش، بحسب أبو الشعر، أن ازدهار المدن الحضارية مرتبط بقوة تجارتها، مشيدا بنجاح المؤلف في تتبع دور الموانئ والمدن الداخلية وانتقال الحضارات مع السلع، ومقنعا القارئ بعمق العلاقة المتشابكة بين التجارة والحضارة.
وأشارت إلى أن خمش في هذا الكتاب ربط بين التجارة والحضارة والصراع الاقتصادي، محللا الحركات الاجتماعية والثورات المرتبطة بالأوضاع الاقتصادية في التاريخ الإسلامي، مع إبراز دور المدن التجارية في تشكيل تاريخ المشرق وعلاقته بالغرب.
وخلصت إلى أن الكتاب يمثل جهدا موسوعيا استثنائيا، يمتد برؤيته إلى الحاضر والمستقبل، موضحا تأثير التجارة والعولمة والشبكات الكونية والتحولات التقنية، بما فيها الذكاء الاصطناعي، في تشكيل النظام العالمي المعاصر.
من جانبه، استعرض الدكتور سلطان المعاني بنية كتاب "المدن والتجارة في الحضارة العربية الإسلامية"، موضحا أنه يتبع مسارا منهجيا متدرجا ينتقل من الإطار النظري إلى التاريخ الحضري والتنظيم الاجتماعي، وعلاقة المدن العربية بالنهضة الأوروبية، ثم إدماجها في النظام العالمي الحديث وصولا إلى العصر الرقمي. وأكد أن هذا البناء يخلق سياقا معرفيا واسعا يحرك القارئ بين مستويات متعددة، مع بقاء التجارة خيطا تفسيريا ناظما يوجه القراءة ويمنحها تماسكها التداولي.
يتناول الكتاب في فصوله الأساسية للتاريخ الحضاري والتداولي؛ الفصل الأول يؤسس لمنطق الكتاب من خلال التاريخ العالمي ومسارات التجارة الكبرى، مستندا إلى طرح بيتر فرانكوبان الذي يربط ازدهار الإمبراطوريات وتراجعها بشبكات التجارة والسلع كمصدر للثروة والسلطة، موضحا دور الطرق والقوافل والموانئ في نقل الأفكار والثقافات وتشكيل الأنظمة الاقتصادية والدينية.
يبحث الفصل الثاني في تحول المدن إلى مراكز تداولية، ويدرس الفصل الثالث التحول الحضري في العالم العربي الإسلامي، فيما يركز الفصل الرابع على التنظيم الاجتماعي للمدينة العربية الإسلامية، ويستعرض الفصل الخامس العلاقات بين المدن العربية الإسلامية وأوروبا، مع تأثير التجارة والسياسة والثقافة عبر التاريخ. ويضع الفصل السادس المنطقة العربية في سياق النظام العالمي الحديث تحت تأثير الاستعمار الأوروبي، موضحا دور الفاتحين والتجار في نقل السلع والمعرفة وتطوير المدن والصناعات.
وأشار المعاني إلى أن خاتمة الكتاب تنتقل إلى العصر الرقمي والثورة الصناعية الرابعة، مستعرضة استراتيجيات الصعود الحضاري المستدام عبر الاستثمار، التصنيع الموجه للتصدير، والتحالفات الاقتصادية والسياسية، وربطها بالعولمة والتجارة العالمية.
وخلص المعاني إلى أن الخاتمة تبرز التداولية في أربعة أبعاد: بناء السياق العالمي، تحويل المدينة إلى عقدة حضرية، إنتاج الحجة المرجعية، والانتقال إلى الاقتراح السياسي والاقتصادي. وتراعي القارئ الباحث عن التاريخ والقارئ الراغب في التأثير في الحاضر، لتصبح التجارة والمدينة والمؤسسات والسياسات أدوات لفهم التاريخ وتحريك الفعل في العالم المعاصر.
من جانبه، أوضح المؤلف الدكتور مجد الدين خمش أن كتابه يقدم مشروعا نهضويا عربيا معاصرا يربط بين التجارة، المدينة، والمؤسسات، بهدف تأسيس نهضة حضارية واقتصادية مستدامة، مع التركيز على استثمار تقنيات الذكاء الاصطناعي والدخول في الثورة الصناعية الرابعة.
وأشار خمش إلى أن الكتاب يحلل تاريخ الحضارات من منظور عالمي، مبينا أن صعودها أو تراجعها مرتبط بازدهار أو انهيار طرقها التجارية البرية والبحرية، مثل "طرق الحرير"، ويركز على القوى المحركة للتاريخ على مستوى الحضارات والتفاعلات الداخلية والخارجية بينها، مع الحفاظ على خصوصية كل حضارة، تمهيدا لاستنتاج ديناميات التطور التاريخي وعوامله.
ويبرز الكتاب دور طرق التجارة في تشكيل العالم القديم، وتوسيع الإمبراطوريات، وانتشار الأديان، وتصاعد الصراعات، وتحفيز الاكتشافات الجغرافية، ويربط هذه الديناميات بالتجارة العالمية المعاصرة القائمة على التصنيع الكثيف والطرق الرقمية الذكية، موضحا قدرتها على إعادة تشكيل العالم الحديث.
ويعتمد الكتاب على رؤية منهجية شاملة ومتعددة الأبعاد، تجمع بين التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي.