المدن -
اليوم يعقد اللقاء المنتظر بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وصديقه الحميم " بيبي " رئيس حكومة اسرائيل. منذ مدة، كلّما دار نقاش بين متابعي شؤون وتطورات أوضاع المنطقة والاحتمالات المرتقبة كان أكثر من تعليق : لننتظر لقاء ترامب - نتانياهو .لا شك انه لقاء مهم. الأول يعتبر نفسه قائد العالم ومحرّك سياسته، وفارض طقوسه وأساليبه، ومطوّق أخصامه، وراسم معالم عالم جديد، والثاني يرى نفسه سيد المنطقة هنا ويحمل تفويضاً من الأول وإذا كان خلاف بينهما فلديه هامش من المناورة واللعب والتصرف. ومع ذلك ثمة أمور واضحة لناحية قراءة آفاق المرحلة وعجز المعنيين فيها عن فعل أي شيئ ورهان آخرين أو تسليمهم بنيات أو نتائج ما يفعله نتانياهو للأسف. وفي الحالتين، تذهب الأمور في اتجاه مصلحته.
ما هي أولويات نتانياهو في جدول أعمال اللقاء؟
واضح أنه حمل ملفاً متكاملاً حول إيران، وإعادة العمل على تطوير قدراتها النووية والصاروخية، وتسليح وتمويل أذرعها وبالتالي ينبغي ضربها وشلّها وصولاً الى إسقاط نظامها. ترامب لا يميل الى هذه الفكرة. مع الحصار، مع تشديد المراقبة، لكن خطر إيران وتمدّدها لم يعد كما كان وهذا ما ورد في وثيقة " استراتيجية الأمن القومي الأميركي " التي لا تحبّذ الاستمرار في سياسية العمل على إسقاط الأنظمة وتغييرها كما كانت في السابق.
موضوع غزة والمرحلة الثانية من الاتفاق الذي وقّع بشأنها ونفّذت مرحلته الأولى بالكامل بالتزام تام من " حماس " وضربات متتالية من اسرائيل. نتانياهو لا يريد الدخول الى المرحلة الثانية بالشروط المفروضة. ويريد استكمال حربه. بل ذهب أبعد من ذلك بتغطية عملية الاستيطان التي أعلنها أكثر من وزير في حكومته. ترامب يعتبر ما تحقق في غزة إنجازاً كبيراً. يتباهى به. ويكرّر القول دائماً : " أوقفنا الحرب ". يريد تنفيذ خطته. المنطقة الاقتصادية. هنا لا خلاف مع نتانياهو. لكن الأخير يريد تهجير الفلسطينيين الذين رغم البرد والشتاء والفيضانات والرياح التي اقتلعت خيامهم لا يزالون على أرضهم. وثمة مشكلة مع مصر التي ترفض حتى الآن فتح معابرها من جانب واحد.
الموضوع الثالث: سوريا. ترامب اتخذ قرارات سريعة مهمة، إسقاط اسماء من لوائح الإرهاب. إلغاء قانون قيصر. فتح الأبواب أمام النظام الجديد للتعافي ولو نسبياً أو تدريجياً. وتجاوب النظام مع رغباته. فلا يريد ترامب استهدافه بل يطلب وقف العمليات الاسرائيلية على الأراضي السورية من الجنوب في السويداء الى الداخل مع التأكيد على الشراكة بينه وبين النظام في مواجهة تنظيم "داعش". نتانياهو لا يريد النظام الحالي. لا يريد علاقته مع تركيا. لا يريد تركيا على حدوده من خلاله. لا يريد قواعد تركية في الداخل. من مصلحته زعزعة الأمن الداخلي وعدم الاستقرار واستمرار المشكلة مع الأكراد التي تطورت الى مواجهات في المرحلة الأخيرة.
هذه العناصر الأساسية قد تكون اتفاقات بشأنها. إطلاق يد اسرائيل في مكان. غضّ طرف في كل الأمكنة. تغطية أعمالها في مجالات محدّدة لا تخرج السياسة الأميركية وأهدافها عن مسارها. بقاء الحركة الاسرائيلية غير مقيّدة نسبياً ليبقى نتانياهو قوياً ويقبل على الانتخابات مرتاحاً. يعني احتمال تدوير الزوايا في مكان وتوسيع رقعة الحركة في مكان آخر محدّد ممكن في الحركة الاسرائيلية. لكن ماذا عن لبنان؟
رغم التطور الأخير بإدخال مدنيين في لجنة " الميكانيزم " وإقرار الجميع بدور الجيش في جنوب الليطاني وإنجاز مهمته كاملة بتنسيق دائم مع اليونيفيل، فإن اسرائيل استمرت في عدوانها المفتوح وبث الأكاذيب والأضاليل والتعبئة ضد السلاح الذي لا يزال محصوراً في المنازل لخلق مشاكل بين الجيش والأهالي. دخل الجيش، فتّش، لم يجد شيئاً بل فضح اسرائيل ومع ذلك هي تستمر في عدوانها على كامل الأراضي اللبنانية وتهدّد بمزيد من الضربات وقد تكون ساحة لبنان الساحة الأفضل والمتروكة لاسرائيل لتمارس عدوانها وترفها وهوايتها بالقتل المبرمج وهي تريد تحقيق بنك أهدافها. والمشكلة هنا أن الانقسام بل الخلاف في لبنان يكاد يكون حول كل شيئ. وليس ثمة تفاهمات او اتفاقات أو قراءة مشتركة على الأقل حول الأهداف الاسرائيلية وكيفية التعامل معها ومع استباحتها المفتوحة وعدوانها المستمر واستهدافها الأهالي المقيمين ولو بأعداد قليلة على أرض الجنوب، ومنع الآخرين من العودة وانعكاس ذلك على الواقع السياسي الداخلي الذي نسمع فيه اصواتاً عالية وتهديدات متبادلة واتهامات في ظل وضع عربي متدهور وأولويات تفرض نفسها على من يفترض أنه يتابع شؤوننا أو يمكن أن يساعدنا من " أرض الصومال " الى " اليمن "، الى ليبيا، والسودان والعراق وإيران وبالتأكيد فلسطين، واليد الطولى في كل ذلك لاسرائيل الذاهبة الى واشنطن ومعها الاعتراف ب " دولة أرض الصومال " ومشهد التفتيت يهدّد كل المنطقة.
ليس ثمة مصلحة في النقاش حول الجغرافيا والديموغرافيا في لبنان الآن. لا مصلحة في القول: " إن من يطرح الديموغرافيا نقول له في يدنا ورقة الجغرافيا ". " لا مصلحة في الدعوة الى تغيير التركيبة الآن أو عندما تتغير الظروف قريباً كما قيل ". " ولا مصلحة في المطالبة العلنية ببقاء احتلال اسرائيل حتى ينزع سلاح حزب الله او بتجميد إعادة الإعمار والتفكير بتأجيل الانتخابات النيابية الى ما بعد تحقيق الأهداف المذكورة ". " ولا مصلحة في هذا الشرخ الكبير وفي تعميم لغة الحقد والكراهية ". هذا يضعف كل لبنان ولا يقوي فريقاً على آخر أو يضعف فريقاً أمام آخر. مبارك ما قاله البطريرك الراعي في عظة الميلاد : " لبنان بلد شراكة وليس بلد إقصاء ". ومباركة رسائل البابا لاوون الرابع عشر خلال زيارته وبعدها في صلاته بمناسبة قداس الميلاد أيضاً، ومباركة كل خطوة في الداخل تكسر حدّة هذا النقاش، تدرك الخطر المحدق بلبنان الكبير وجوداً وحدوداً وميزة واستثناء وتنوعاً في هذه المنطقة. البلد لا يحتمل هذا النوع من اللامسؤولية، او الحقد أو الكراهية أو الاستهتار أو الاستكبار أو الغرور أو الأورام والأوهام. كفى عبثاً بلبنان وأهله ومستقبله. الخطر داهم ويستهدف الجميع. اياً تكن نتائج لقاء ترامب - نتانياهو لن يفيدنا شيئ سوى وحدتنا لخلاصنا! نصف قرن من الحروب والتوترات وعدم الاستقرار من 1925، 1975 والنتيجة واحدة : الحوار والتفاهم بعد كلفة كبيرة. فهل يتعلّم الذين عاشوا هذه الحروب أم أن بعضهم مصرّ على البقاء أسير دوائرها؟