عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    02-Jan-2020

أبرز مواهب السادات إعادته لتأليف ما هو مؤلف - د. محمد الجوادي

 

الجزيرة - من الإنصاف لتاريخنا في المقام الأول (وليس للرئيس أنور السادات ولا لغيره من أنصاره أو مخالفيه) أن نعترف أن الرئيس أنور السادات كان أمهر من كل رجال الثورة ومن كل صحفيي الثورة في إعادة تصوير الأحداث وخلقها خلقا جديدا يعجز عنه خيال كل مَنْ جُبلوا على التأليف.. وقدرات كل مَنْ اجتهدوا في طريق إعادة التركيب. وربما ساعد على هذا النجاح أن الرئيس أنور السادات كان عارفا على سبيل المثال معرفة جيدة بأدبيات الإخوان المسلمين.. عارفا بآلياتهم.. قادرا على مخاطبتهم.. قادرا على مد يد التعاون معهم.. قادرا على تقنين التعاون معهم.. والحقيقة التي لا شك فيها أن الشعور الديني في الرئيس أنور السادات كان هو العامل الأول في انجذابه أو تعاونه مع الإخوان المسلمين.. والذي يقول بغير ذلك يكون مفتريا على الحقيقة.. سواء كان القائل بغير هذا من الوفديين أو من الإخوان المسلمين أو من رجال الثورة أو من رجال أمن الدولة أو من المؤرخين أو من غيرهم.. ليس من شك أن الشعور الديني المرهف في الرئيس أنور السادات كان ذا شأن كبير في تعاونه مع الإخوان وتعاونهم معه في فترة من الفترات.
 
   
 
لكن الجانب الآخر في العلاقة يتعلق بما رأينا في تاريخ الرئيس أنور السادات ومن تكوينه من أنه كان قادرا على أن يعرف ويتعرف على ما نسميه في اللغة العامية «الحارات السد».. كان يجيد معرفة الطرق ونهاياتها.. وكان يعرف أن هذا الطريق لن يوصل إلى شيء في المدى القريب.. ومن ثم فإنه لم يكن لديه استعداد ليمضي في الطرق التي استطاع أن يستكشفها فوجد أنها حارات سد.. لذلك فإن انصراف الرئيس أنور السادات المبكر عن التعاون مع حركة الإخوان المسلمين لم يكن عن إيمان بضرورة البحث عن منفعة في مكان آخر.. ولا عن تأثر باختلاف من الاختلافات الكثيرة التي حدثت بين فصائل الإخوان.. ولا عن انحياز لفريق ضد فريق.. وإنما كان عن خبرة شخصية وعقلية بأن هذا الطريق لا يوصله إلى شيء، ونحن لا نستطيع أن ننكر أن من حق إنسان مجاهد مناضل ومكافح وله تجربة مثل الرئيس أنور السادات أن يختار الطرق والمسارات التي ينبغي له أن يسير فيها في مراحل مختلفة من حياته.. وأن يكون في وقت من الأوقات قادرا على أن يستكشف النجاح هنا.. وأن يستكشف عدم النجاح (لا نقول الفشل) هنا.. وأن يبتعد عما يظن أنه ينتهي به إلى الفشل.
 
   
 
الحرس الحديدي كان ذا علاقة بالثورة لكنه ليس هو الثورة.. وكما أن هناك أناسًا في الثورة لم تكن لهم علاقة بالحرس الحديدي.. فقد كان هناك أناس بالحرس الحديدي لم تكن لهم علاقة بالثورة
تصوير علاقته بالحرس الحديدي
على أننا لا نستطيع أن نمضي في قراءة حياة الرئيس أنور السادات في هذه الفترة دون أن ننتبه إلى الأقاويل الكثيرة التي أثيرت عن علاقة الرئيس أنور السادات بالحرس الحديدي.. ونحن نعرف الآن أن الحرس الحديدي كان بمثابة تنظيم شبه سري. وقد أثير هذا الحديث في تاريخنا المعاصر مرتين.. المرة الأولى عقب قيام الثورة.. وقد اختلطت الأحداث والظروف التي أدت إلى نجاح الثورة.. كما اختلط رجال التنظيمات السرية المختلفة ببعضهم.. وانتصرت قيم وأيديولوجيات لم تكن الغالبية تريد لها أن تنتصر.. ولم يكن التنظيم القائد الذي كان عبد الناصر والرئيس أنور السادات أبرز أعضائه مسيطرا تمامًا على الروح الثورية.. وكان لا بد لجمال عبد الناصر (باعتباره المحرك للأمور) أن يظهر أمام زملائه أنه لم يكن يعلم بانتماء الرئيس أنور السادات للحرس الحديدي.. وأن يطلب من الرئيس أنور السادات بأن يدلي (أمام مَنْ كانوا أقل منه رتبة) ببعض الأقوال عن الحرس الحديدي.
 
 
 
وقد حدث كل هذا برضا الرئيس أنور السادات وفهمه، حتى وإن لم يكن سعيدًا ولا مقتنعًا.. وكان ظهوره بمظهر المتذمر أمرًا مطلوبًا.. لأن جمال عبد الناصر كان من الذكاء بحيث كان واعيا لأهمية ألا يطلع فصائل أو أجنحة الثورة جميعا على ما كان يعرفه هو.. وكان يحتفظ لنفسه بالسر الذي يعرفه.. ولا يمنع هذا من أن يترك عبد الناصر فصيلا من الفصائل يحاكم فصيلا آخر أو شخصا آخر.. على حين يحتفظ عبد الناصر بصورة «البراءة» التي يريدها له التنظيم المسيطر في ذلك الوقت.
 
 
 
وقوع أعداء السادات في فخ ناصري
على أن المشكل التاريخي اللاحق حدث عندما ظن هؤلاء الذين أخذوا أقوال الرئيس أنور السادات عن علاقته بالحرس الحديدي أو أخذوا في الهجوم عليه بسبب هذه العلاقة أن هذه العلاقة لم تكن بعلم عبد الناصر.. ولم تكن بموافقته.. بل ولم تكن بترتيبه.. ولا يزال هؤلاء يظنون ذلك.. بينما هذه العلاقة ـ طبعًا ـ تمت وأثمرت ثمارها لمصلحة جمال عبد الناصر قبل أن تكون لمصلحة الرئيس أنور السادات نفسه. لكننا كما نعرف في التاريخ والدراما نواجه ببعض الناس الذين يظلون على اعتقاداتهم الجامدة ولا يستطيعون أن يتصوروا حقيقة الأمور كما تنبئهم الأحداث نفسها.. فالأحداث كما نرى كانت تنبئ بوضوح بأن الرئيس أنور السادات ظل على علاقته بجمال عبد الناصر ولم يؤثر فيه ما يسمى «اكتشاف علاقته بالحرس الحديدي».. فلو أن هذا كان اكتشافا ذا قيمة لكان قد غير رأي جمال عبد الناصر نفسه.. لكن أن يحدث هذا الكشف دون أن يغير رأي جمال عبد الناصر، ثم يحيل جمال عبد الناصر الرئيس أنور السادات إلى شخص من رجال الثورة للتحقيق معه في هذه الواقعة.. فهذا دليل واضح نفهم منه أنه محاولة لإرضاء فصيل من الفصائل.. أو للإتيان على ما في جعبة هذا الفصيل.. والأمر في النهاية واضح جدًّا ذلك أن الرئيس أنور السادات استمر مع عبد الناصر إلى أن توفي سنة 1970.. بينما هذا الفصيل الذي هاجم الرئيس أنور السادات خرج قبل نهاية عام 1952.
 
 
 
وقد أثيرت هذه القضية مرة ثانية عقب اغتيال الرئيس أنور السادات في ظل حملة اغتيال معنوي منظمة للرئيس أنور السادات.. لم يهتم بها أحد بالدرجة التي تستحقها لو أنها كانت على نحو ما صورها به من أرادوا استغلالها في هدم الرئيس أنور السادات. وليس من شك في أن الحرس الحديدي كان يضم عددًا كبيرًا من رجال الثورة، وهذا أمر طبيعي.. بل إن بعض الناس يذهبون إلى أن كل قيادات الثورة نفسها كانت من رجال الحرس الحديدي، وربما كانوا على حق.. وآخرون يذهبون إلى أن الحرس الحديدي صاغ الثورة لمصلحة نفسه بعدما استنزف كل ما يمكنه من الملك فاروق. والواقع أن الحقيقة تكمن هادئة فيما بين القولين تمامًا.. وهو ما يعني أن الثورة كانت ذات علاقة بالحرس الحديدي لكنها ليست الحرس الحديدي.. وأن الحرس الحديدي كان ذا علاقة بالثورة لكنه ليس هو الثورة.. وكما أن هناك أناسًا في الثورة لم تكن لهم علاقة بالحرس الحديدي.. فقد كان هناك أناس بالحرس الحديدي لم تكن لهم علاقة بالثورة.. لكن الجانب المشترك أو الطائفة المشتركة بين الحرس الحديدي والثورة كانت تتعدى الفرد والفردين والثلاثة وكانت تضم أكثر من هذا بكثير.
اعلان
 
 
 
وربما أننا لا نعرف حتى الآن بعض مَنْ كانوا ينتمون إلى الحرس الحديدي وإلى الثورة في نفس الوقت.. وإن كان الرئيس أنور السادات بالطبع هو أبرز هؤلاء الذين أثيرت حولهم الأقاويل. لكننا إذا عدنا إلى قراءة وتأمل التكوين الذي تحدثنا به عن الرئيس أنور السادات وإيمانه بالوطنية، ومعاداته في الوقت نفسه للحركة الوطنية الرئيسية ممثلة في الوفد.. وتبنيه لرؤية الأحزاب والجماعات اليمينية.. وإيمانه بالأسلوب الثوري أو الأسلوب الفاشي أو الأسلوب النازي أو مثل هذه الأساليب جميعا.. فلا نستبعد عليه أنه كان يؤمن بوسيلة مثل الحرس الحديدي أو يؤمن بوسيلة مثل الثورة أو الانقلاب العسكري.. وهذا ما حدث بالفعل.. ولا نستطيع أن نغير التاريخ.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات