الغد-موفق ملكاوي
لا يمكن قراءة الاستقبال الفاتر لفيلم "ما بعد الصيد" بوصفه مؤشرا على إخفاق فني بقدر ما يعكس نمطا شائعا في تلقي الأعمال السينمائية التي تختار الاشتباك مع أسئلة فلسفية وأخلاقية معقدة، وترفض تقديم إجابات جاهزة أو مواقف مطمئنة أخلاقيا. فمنذ لحظاته الأولى، يعلن الفيلم أنه لا يسعى إلى استرضاء المتلقي، بل إلى إقلاقه، ودفعه إلى مواجهة منطقة رمادية غالبا ما تستبعد من النقاش العام حول قضايا العدالة والاعتداء والضحايا.
النص السينمائي يشتبك مع إشكاليات العدالة الأخلاقية داخل المؤسسة الأكاديمية، من منظور يتقاطع مع فلسفة الأخلاق ونقد المؤسسة وبعض أطروحات النسوية المعاصرة، فهو لا يقدم بوصفه عملا سرديا عن حادثة بعينها، بل بوصفه مختبرا أخلاقيا يتقصى معنى العدالة حين تنفصل عن يقينياتها السهلة.
تنطلق الحكاية من فرضية مألوفة: اتهام أستاذ جامعي بالاعتداء الجنسي على طالبة دراسات عليا. غير أن "ما بعد الصيد"، بتوقيع المخرج لوكا غوادانيينو وبطولة جوليا روبرتس، لا يلبث أن ينسحب من إغراء الحدث نفسه، ليغوص في ما يتبقى بعد الاتهام. فالسؤال المركزي لا يدور حول حقيقة الواقعة بقدر ما يتمحور حول ما يحدث بعد أن تخفت ضوضاء المطالبة بالعدالة، ويبقى أثر الفعل، واللغة التي تصاغ بها الحقيقة، وموقع المؤسسة في إدارة هذا الأثر.
تدور أحداث الفيلم داخل الوسط الأكاديمي لجامعة ييل الأميركية، ويتخذ من شخصية ألما، أستاذة الفلسفة، مركزا أخلاقيا ظاهريا. غير أن هذا المركز سرعان ما يتصدع، حين تجد ألما نفسها عالقة بين طالبتها المفضلة ماغي، التي تتهم أستاذا بالاعتداء الجنسي، وبين إيمانها العميق بالإجراءات المؤسسية، والتحقق، وحياد النظام الأكاديمي. عند هذه النقطة، لا يعود السؤال: من نصدق، وإنما بأي أدوات أخلاقية نملك حق التصديق، ومن يمتلك سلطة تعريف الحقيقة داخل المؤسسة؟
يتعمد الفيلم الامتناع عن تمثيل حادثة الاعتداء نفسها؛ فلا تأكيد قاطع ولا نفي حاسم. هذا الامتناع لا يشكل نقصا سرديا، بل يمكن قراءته بوصفه موقفا فلسفيا واعيا، يفترض أن الحقيقة الأخلاقية لا تقيم في الحدث ذاته، بل في شبكة التأويلات والانحيازات واللغات التي تحيط به.
من الناحية الدرامية، ينتمي الفيلم إلى ما يمكن تسميته "دراما الأفكار"؛ فالحبكة لا تقوم على تصاعد تقليدي أو ذروة صاخبة، بل على تراكم توتر أخلاقي بطيء يظل فيه الاتهام غير محسوم، والشخصيات غير يقينية، والزمن أقرب إلى زمن الصدمة النفسية منه إلى زمن السرد الكلاسيكي. في هذا السياق، تتحول ألما من ضمير مفترض للفيلم إلى مأزقه الأخلاقي الأعمق، فصمتها لا يصدر عن ضعف بل عن امتلاكها سلطة اللغة والمؤسسة وشرعية الشك، وهو ما يكشف حدود النسوية الليبرالية القائمة على الإجراءات حين تعجز عن احتواء الألم الإنساني.
في المقابل، لا تقدم ماغي بوصفها "ضحية نموذجية" وفق القوالب الشائعة، بل كشخصية وجودية ترى في الجسد والتجربة مصدرا للحقيقة. غير أن الفيلم لا يتبنى هذا الموقف على نحو تبسيطي، بل يسائله ويكشف مخاطره، خصوصا حين يتحول الألم إلى معيار وحيد للحقيقة، وعندما تختزل العدالة في ثنائيات أخلاقية مغلقة لا تحتمل الشك.
في هذا السياق، يمكن قراءة الفيلم بوصفه استدعاء ضمنيا لنقاشات فلسفية قديمة حول العلاقة بين الألم والمعنى والحقيقة، فالألم، وإن كان يمنح التجربة كثافتها الأخلاقية، لا يضمن امتلاك الحقيقة كاملة، والفيلم يقيم معادلة دقيقة بين العدالة والانتقام المقنع أخلاقيا، فهو يميز بين فعل يسعى إلى التعميم الأخلاقي، كما في بعض أطروحات فلسفة الأخلاق الحديثة، وبين فعل يستعيد السيطرة بوصفها تعويضا نفسيا عن الجرح، من دون أن يكون ذلك استعادة حقيقية للعدالة.
أحد أكثر عناصر الفيلم براعة يتمثل في تفكيكه للغة ذاتها. لغة ماغي مباشرة وانفعالية تطالب بالاعتراف لا بالنقاش، في مقابل لغة ألما التحليلية التي تستند إلى شرعية المؤسسة وإجراءاتها. الفيلم لا يحاكم أيا من اللغتين بصورة تقريرية، بل يضعهما في سياق كاشف، ويبين كيف أن كل لغة تقترب من جانب من الحقيقة، لكنها في الوقت نفسه تحجب جانبا آخر، فاللغة هنا ليست أداة تواصل فحسب، بل ممارسة سلطوية.
الجامعة في الفيلم، تقدم لا بوصفها خلفية محايدة، بل بوصفها شخصية درامية صامتة. حيادها لا يظهر كفضيلة أخلاقية مطلقة، وإنما كاستراتيجية تهدف إلى حماية البنية المؤسسية أكثر من حماية الأفراد. ويطرح الفيلم، في هذا السياق، سؤالا إشكاليا: هل يمكن لمؤسسة تأسست تاريخيا على حماية الامتياز الذكوري أن تكون وسيطا عادلا في قضايا تتعلق بالعنف الجنسي؟ لا يقدم الفيلم إجابة مباشرة، لكنه يكشف التوتر العميق بين نسوية تطالب بالإجراءات، وأخرى تشكك في أصل هذه الإجراءات وحيادها.
وكما يليق بعمل يؤسس نفسه على مأزق فكري، تأتي النهاية بلا إدانة أو تبرئة. ما يحدث هو تحول أخلاقي صامت، فماغي لم تعد تطالب بالعقاب بوصفه غاية في ذاته، وألما لم تعد تختبئ خلف الشك بوصفه درعا أخلاقيا. هذا التحول لا يحسم الصراع، بل يعيد تعريفه، ليشير إلى أن العدالة ليست لحظة يقين، بل قدرة مستمرة على تحمل النقص وعدم اليقين.
في المحصلة، لا يمكن اختزال "ما بعد الصيد" في كونه فيلما عن التحرش أو عن البراءة والإدانة، بل هو عمل يتأمل هشاشة العدالة حين تتحول إلى يقين أخلاقي مغلق. وهو، في الوقت ذاته، تحذير من قداسة الألم بقدر ما هو تحذير من قداسة المؤسسة. بهذا المعنى، يفتح الفيلم أفقا نقديا لإعادة التفكير في العدالة بوصفها ممارسة أخلاقية مشروطة بالشك، لا بوصفها أداة عقاب قد تنقلب إلى عنف جديد.