عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    20-Apr-2026

حيل ومكر التاريخ*جمال الكشكي

 الغد

 لا يسير التاريخ في خط مستقيم. يتحرك غالبا في دوائر خفية، تتقاطع فيها الأحداث ثم تتباعد، قبل أن تلتقي من جديد في لحظة كاشفة.
ما يبدو اليوم تناقضا بين الوقائع، قد يتحول غدا إلى مسار واحد متماسك، وهذا ما نشهده في التباعد المتزايد بين أميركا وأوروبا، حيث لم يعد حلف شمال الأطلسي ذلك الكيان الصلب الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، وقد أصبح ساحة لتوترات عميقة، تتعلق بتوزيع الأعباء، وتعريف العدو، وحدود الالتزام.
 
 
منذ سنوات، تتصاعد داخل أوروبا أصوات تدعو إلى الاستقلال الدفاعي، مدفوعة بإحساس متزايد بأن المظلة الأميركية لم تعد مضمونة كما كانت، خاصة مع التحولات التي قادها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حين أعاد طرح سؤال الكلفة، ودفع الحلفاء إلى تحمل مسئولياتهم العسكرية، ملوحا بتقليص الدور الأميركي، وهذا التحول فتح الباب أمام تفكير أوروبي مختلف، يتجه نحو بناء قدرة عسكرية ذاتية، مدعومة بصناعة دفاعية مشتركة، ومشاريع تسليح عابرة للحدود.
في قلب هذا التحول تبرز مفارقة لافتة، فالحرب التي اندلعت بين روسيا وأوكرانيا بسبب سعي الأخيرة إلى الاقتراب من الناتو، قد تنتهي إلى نتيجة معاكسة تماما، إذ لم تعد كييف هي التي تسعى إلى الحلف، لكنها أصبحت مرشحة للتحول إلى مركز ثقل عسكري لأوروبا نفسها، من خلال خبرتها القتالية، وبنيتها العسكرية التي تشكلت تحت ضغط الحرب، باتت نموذجا جاهزا يمكن البناء عليه، في وقت تعترف فيه دول أوروبية كثيرة بأنها تفتقر إلى جيوش تمتلك خبرة ميدانية مماثلة.
بهذا المعنى يتحقق مكر التاريخ، إذ تتحرك القارة نحو أوكرانيا، وليس العكس، ويتحول المسار من طلب الانضمام إلى إعادة تشكيل مركز القوة ذاته.
 وفي موازاة ذلك، تظهر أفكار تعيد تعريف التحالف من أساسه، من بينها ما طرحه بعص الساسة الأوروبيين حول إنشاء "ناتو اقتصادي"، يقوم على دمج السوق الأوروبية والأميركية في كتلة واحدة قادرة على فرض قواعد التجارة العالمية، ومواجهة صعود قوى كبرى مثل الصين. 
هذه الرؤية تعكس إدراكا متزايدا بأن التحالف لم يعد عسكريا كما كان، وأصبح مع متغيرات الواقع حلفا اقتصاديا أيضا، متأثرا بمنطق الصفقات الذي اتخذه ترامب منطقا وحيدا في العلاقات الدولية.
غير أن هذا التحول لا يمكن فصله عن الحرب المركبة التي دارت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وهي حرب لم تحسم عسكريا بقدر ما أعادت تشكيل البيئة الإستراتيجية المحيطة بها.
 وكشفت هذه المواجهة حدود القوة الصلبة، وأظهرت أن أدوات مثل إغلاق الممرات البحرية، والضغط على سلاسل الإمداد، واستخدام التكنولوجيا منخفضة الكلفة كالمسيّرات، قادرة على إعادة توزيع التأثير خارج ساحات القتال المباشر، كما دفعت هذه الحرب القوى الكبرى إلى إعادة حساباتها، إذ لم يعد الصراع محصورا في الشرق الأوسط، وقد امتد أثره إلى أسواق الطاقة، وأمن الملاحة، وتوازنات الردع العالمية، ما خلق سياقا جديدا تتقاطع فيه الجغرافيا بالاقتصاد، والقتال بالتكنولوجيا، والسياسة بالأسواق.
لكن مكر التاريخ لا يتوقف عند الجغرافيا والتحالفات العسكرية، لكنه يمتد إلى مفهوم العدالة نفسه، ففي الكنيست الإسرائيلي جرى إقرار قانون يجيز إعدام الأسرى الفلسطينيين، في خطوة أثارت جدلا عالميا واسعا، لما تحمله من تعارض مع قواعد القانون الدولي واتفاقيات جنيف، ولما تكشفه من ميل متزايد إلى تجاوز المحاسبة، وقد أيدها المتطرف اليميني بنيامين نتنياهو، ليعكس تحولا في بنية التفكير الأمني والقانوني داخل إسرائيل، لنكتشف أنها تتعامل مع الفلسطينيين كأنهم دخلاء معتدون، رغم أنهم اصحاب الأرض الأصليون، وسيبقون كذلك مهما تكن سيوف القوانين الجائرة. 
غير أن أخطر ما في هذا القانون أنه يحمل صدى تاريخيا عميقا، ففي خضم الحرب العالمية الثانية، كان  رئيس وزراء بريطانيا الشهير ونستون تشرشل يميل إلى إعدام القادة النازيين فور القبض عليهم، رافضا منحهم محاكمات قد تتحول إلى منابر خطابية، وفي الاتجاه نفسه، طرح الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين فكرة إعدام أعداد ضخمة من الأسرى الألمان، باعتبار أن الحسم لا يتحقق إلا بالقوة. ورغم أن العالم انتهى لاحقا إلى محاكمات نورمبرج التي أرست مبدأ المحاسبة القانونية، فإن الجدل بين العدالة والانتقام لم يختف، وقد عاد في صور جديدة.
المفارقة أن الخوف لم يكن من ارتكاب جريمة إعدام الأسرى الألمان، إنما كان الخوف من المحاكمة نفسها، لأن المحاكمة قد تفتح باب الرواية، وقد تمنح المتهم فرصة للكلام، وهو ما قد يقوض السردية التي تريدها القوة المنتصرة، لذلك يصبح الإعدام وسيلة لإغلاق الباب قبل أن يفتح، ولإنهاء القصة قبل أن نكتشف القتلة.
في ظل هذه التحولات، يجد العالم العربي نفسه أمام لحظة نادرة، لحظة يتراجع فيها اليقين الغربي، وتتصدع فيها التحالفات التقليدية، وتعاد فيها صياغة موازين القوة. هذه اللحظة لا تعني تحولا تلقائيا، لكنها قد تفتح نافذة لإعادة التفكير في الموقع والدور، بعيدا عن منطق التبعية الذي حكم المنطقة لعقود.
التاريخ لا يمنح الفرص كثيرا، لكنه حين يفعل، يفعل ذلك في لحظات ارتباك كبرى، حين تنشغل القوى الكبرى بإعادة ترتيب نفسها، وحين تصبح المسارات القديمة غير صالحة للاستمرار، عندها فقط، يمكن لمن يقرأ المشهد بعمق أن يتحرك إلى قلب الحدث.
هكذا يعمل مكر التاريخ، وهو لا يعلن عن  نفسه صراحة، لكنه يتسلل عبر المفارقات، ويعيد ترتيب النتائج بطريقة لا يتوقعها أحد، تاركا لمن يراقب فرصة الفهم، أو خطر الضياع.