الغ
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
بريندان سيمز* - (الغارديان) 16/1/2026
هل وجدت رؤيةُ منظّرٍ نازيٍّ لعالمٍ مُقسَّم إلى "فضاءات كبرى" مدافعًا جديدًا عنها في شخص ترامب؟ كان كارل شميت يريد إمبراطورياتٍ تهيمن على الدول الصغيرة الواقعة في مداراتها. لكن أفعال الرئيس الأميركي الفوضوية ليست بتلك الدرجة من الاستراتيجية.
من المسلّم به لدى كثير من منتقدي الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه فاشي. بل إن بعضهم ذهب إلى رؤية أصداء لأعمال "فقيه التاج" النازي والمنظّر السياسي، كارل شميت، في سياسات إدارة ترامب الداخلية، خاصة عقيدته بشأن "الاستثناء"، التي يمكن استخدامها لتعليق بعض الحقوق الدستورية. والآن، بعد أسابيع مضطربة في الجيوسياسة، عاد الحديث عن أعمال شميت مرة أخرى بسبب راهنيتها وتجلياتها المعاصرة.
في أعقاب صدور استراتيجية الأمن القومي الأميركية الجديدة للعام 2025، والغارة التي شُنت على فنزويلا، وخطاب الرئيس بشأن غرينلاند وبنما وكولومبيا والمكسيك وكوبا، وتساهله الظاهر إزاء روسيا فلاديمير بوتين، أصبح السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كان ترامب أيضًا من المدافعين عن بعض جوانب مفهوم شميت لما يُعرف بـ"الفضاء الكبير".
مثل حال الكثير من أبناء جيله، كان شميت غاضبًا من الإذلال الذي تعرضت له ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، ومن "استعمارها" المزعوم على يد قوى الوفاق المنتصرة. وكان ينظر إلى القانون الدولي بوصفه خدعة مُنتصر، جرى تصميمها لإبقاء الرايخ في حالة خضوع دائم، وتسهيل استغلال موارد العالم. لكنّ شميت ادخر أشد ازدرائه ليخص به البريطانيين، الذين رآهم "كونيّين" منافقين يعتنقون دين إنجيل التجارة الحرة والأممية بينما يعكفون على بناء أكبر إمبراطورية شهدها العالم. وقارنهم بطريقة غير تفضيلية بالأميركيين الذين حصروا أنفسهم إلى حدّ كبير داخل قارتهم خلال القرن التاسع عشر، انسجامًا مع "عقيدة مونرو" التي كانت قد عادت إلى الواجهة، قبل أن يتم استدراجهم -على حد زعمه- إلى الدخول في الحرب العالمية الأولى.
في نيسان (أبريل) 1939، وقبل اندلاع الحرب العالمية الثانية، طرح شميت حلّه في محاضرة لاقت صدىً واسعًا ألقاها في "معهد السياسة والقانون الدولي" بجامعة كيل، ونُشرت لاحقًا في صيغة موسّعة. وفي محاضرته اقترح أن يتم تقسيم العالم إلى "فضاءات كبرى" (Großraum)، يهيمن على كل منها كيانٌ إمبراطوري (رايخ) في جوهره. ولكل فضاءٍ عظيم هويته ورسالته ومجال القوة الخاص به، والذي يُشكّل الدول الأخرى الواقعة في مداره المباشر. ويفترض أن يُحظر "التدخل" على القوى الخارجية -التي سمّاها شميت "قوى غريبة مكانيًا". ومن الواضح أن شميت تصوّر ألمانيا النازية بوصفها الرايخ الكامن في قلب الفضاء الأوروبي العظيم، الذي سعى إلى تحصينه من التدخل الأنغلو-أميركي.
وقد شُحنت هذه الرؤية بجرعة كثيفة من معاداة السامية، حيث رأى شميت -شأنه شأن هتلر- أن "اليهودية العالمية" تمارس تأثيرًا "كونيًّا" في جوهره، مصمّمًا على تفكيك الدول القومية والاقتصادات الوطنية. ويُقال أحيانًا إن مفهوم "الفضاءات الكبرى" لدى شميت ألهم هتلر، لكنّ الحقيقة هي أن هتلر كان قد دعا إلى صياغة وتطبيق "عقيدة مونرو ألمانية" منذ العام 1923، أي قبل أطروحة شميت بأكثر من خمسة عشر عامًا. كما يمكن أيضًا تلمّس أصداءٍ لشميت في مفهوم اليابان الإمبراطورية لـ"منطقة الازدهار المشترك لشرق آسيا الكبرى".
بطبيعة الحال، فشلت رؤية شميت. فقد رفضت القوى "الأنغلو-ساكسونية"، كما كان يسميها، البقاء خارج أوروبا، وواجهت هتلر في نهاية المطاف. وتم تدمير الرايخ تدميرًا كاملًا، ولو أن ذلك لم يكن قبل أن يُلحق أضرارًا مروّعة بأوروبا -وخاصة بيهودها. وتعرض شميت نفسه، الذي كان معروفًا بأنه أحد وجوه النظام النازي، لانتقادات لاذعة على نطاق واسع، ولم يشغل أي منصب أكاديمي آخر بعد العام 1945 على الرغم من أنه واصل ممارسة تأثير فكري يُعتد به على اليمين واليسار، داخل ألمانيا وخارجها.
في العقود الأخيرة، وجدَت أفكارُ شميت مدافعين جددًا عنها، وأُعيد توظيفها في دول "متحدّية" معادية للغرب -روسيا بشكل خاص. ولاقت معارضته للكَوْنية الغربية، ومفهومه عن "الفضاءات الكبرى" الخالية من التدخل الخارجي، صدىً واسعًا في موسكو وبكين. على سبيل المثال، كان الأوراسيّ المعروف، ألكسندر دوغين -وهو إحدى أبرز الشخصيات المؤثرة في بوتين، وأحد المهندسين الفكريين للهجوم على أوكرانيا- من الأنصار المتحمسين للأفكار الشميتية. وهو، بدوره، يدعو روسيا إلى بثّ مبادئها المحافظة والأرثوذكسية المسيحية في الدول المجاورة، وإقصاء النفوذ الغربي، خاصة النفوذ الأنغلو-ساكسوني بوصفه "غريبًا مكانيًا". ومثل شميت، ينطوي دوغين وكثير من نظرائه القوميين الروس على عداء خاص لبريطانيا، ويرون فيها العامل الرئيسي لنشر الليبرالية والرأسمالية الدولية وغيرها من المبادئ "الكونية" المزعومة التي يعتبرونها ضارة ومعادية لروسيا.
أدى كل ذلك، إلى جانب استعداد ترامب لفرض خسائر إقليمية في الأراضي على أوكرانيا، إلى أن يقترح بعضهم أننا نشهد أخيرًا تقسيمًا للعالم إلى فضاءات كبرى على الطريقة الشميتية. ويبدو مثل هذا التقسيم للكرة الأرضية بين ترامب وبوتين وشي جين بينغ -وربما ناريندرا مودي- ممكنًا بالفعل، لكن هذا يظل على الأرجح تفسيرًا خاطئًا -وليس فقط لأن اقتراح أن يكون ترامب قد تأثر مباشرة بشميت غير مرجح.
صحيح أن إدارة ترامب أعطت أولوية لنصف الكرة الغربي، واستدعت صراحة "عقيدة مونرو" التي تعود إلى مائتي عام مضت. ولكن، على الرغم من أن القصد الأصلي للرئيس مونرو كان الابتعاد عن أوروبا في مقابل وقف أي مستعمرات أوروبية جديدة في الأميركيتين، فإن "العقيدة" تحولت، في تطورها اللاحق إلى شأن أحادي الاتجاه بالكامل. فقد رفضت واشنطن وجود أي نفوذ خارجي في "قارتها"، حتى مع أنها اضطرت إلى قبول استثناءات مثل كوبا، لكنها أكدت في المقابل نفوذها في قارات أخرى، وخاصة أوروبا وآسيا. وكان الأميركيون يقولون عمليًا: "ما هو لكم فهو لنا، وما هو لنا فهو لنا وحدنا". وبينما اعترض كثيرون على هذا الموقف بوصفه نفاقًا، وعارض كثير من الآسيويين الوجود الأميركي بشدة، فإن أغلبية أوروبية جيدة رحّبت، مُحقة، بهذه "الإمبراطورية الأميركية بدعوة"، على حد تعبير المؤرخ النرويجي غير لوندستاد Geir Lundestad.
حتى هذه اللحظة، يظل ترامب مترسخًا -بطريقته الخاصة- داخل هذا التقليد الأميركي التوسّعي. ولا توجد أي إشارة إلى اعترافه بمناطق نفوذ أخرى -ربما باستثناء بعض الزوايا في أوكرانيا. وقد وجّه ترامب ضربات قاسية إلى إيران، ودمّر أنظمة الدفاع الجوي الروسية في فنزويلا، وأوقف ناقلات نفط روسية في المياه الأوروبية بمساعدة بريطانية. وخلال ولايته تولّت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية تدبير هجمات أوكرانية مدمّرة على البنية التحتية النفطية الروسية. ومهما يكن رأينا في كل ذلك، فإنه لا يشير إلى أي تواطؤ استراتيجي، ولا إلى أي تفاهم قائم على تقاسم مناطق النفوذ. ليس ترامب فاشيًا، وإنما نرجسي. وهو لا يقبل بآلهةٍ أخرى إلى جانبه. ويعلم بوتين وشي ذلك. كان شميت ليتقلّب في قبره، لكنه كان سيشعر أيضًا بأن قناعته بـ"نفاق" الأنغلو-ساكسونيين قد تأكدت وأثبتت وجاهتها.
*بريندان سيمز Brendan Simms: مؤرّخ وأكاديمي بريطاني بارز، يشغل منصب مدير مركز الجيوسياسة في جامعة كامبريدج. يُعدّ من أبرز المتخصصين في التاريخ الأوروبي الحديث والعلاقات الدولية والاستراتيجية الكبرى. عُرف بإسهاماته الفكرية التي تربط بين التاريخ والجيوسياسة، وبقراءاته غير التقليدية لدوافع القوى الكبرى. وهو مؤلف كتاب "هتلر: العالم وحده لم يكن كافيًا" الذي قدّم فيه تفسيرًا جديدًا لطموحات هتلر الاستراتيجية ضمن سياق توازنات القوى العالمية، إلى جانب عدد من الدراسات المؤثرة حول النظام الدولي الأوروبي وتطوره.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Has a Nazi theorist’s vision of a world divided into ‘great spaces’ found a new advocate in Trump?