"الرواية وآليات التمازج الفني".. قراءة نقدية في التجربة الروائية لمحمود عيسى
الغد-عزيزة علي
صدر عن دار العائدون للنشر كتاب بعنوان "الرواية وآليات التمازج الفني: دراسة في التجربة الروائية للمبدع محمود عيسى موسى"، للباحثة الدكتورة حنان عثامنة. يقدم الكتاب قراءة نقدية لتجربة الكاتب والفنان التشكيلي الأردني الفلسطيني، مع التركيز على تفاعل السرد الروائي مع الفنون الأخرى، بما في ذلك الموسيقى، والفن التشكيلي، والسينما، والملحمة.
يقع الكتاب في أربعة فصول؛ تناول الفصل الأول العلاقة بين الرواية والفن الموسيقي، من خلال مباحث الإيقاع الزماني والمكاني، وشعرية اللغة، والتقنيات الموسيقية في السرد. وعالج الفصل الثاني حضور الفن التشكيلي عبر رسوم الغلاف، والصور واللوحات المضمنة، والرموز البصرية.
أما الفصل الثالث فتناول البُعد السينمائي في الرواية، من حيث البنية البصرية، والمونتاج، والزوايا السردية ذات الأثر السينمائي. وناقش الفصل الرابع عناصر الملحمة والحضور الملحمي في رواية "أسطورة ليلو وحتن".
توضح حنان عثامنة أن الدراسة تهدف إلى كشف تأثير الفنون الأخرى، مثل الموسيقا والرسم والسينما والملحمة، في البناء السردي لروايات محمود عيسى موسى، من خلال تحليل التداخل بين النص الروائي والخطابات الفنية والثقافية، وبيان كيفية تحويل الكاتب لهذه المؤثرات إلى بنى سردية ذات هوية أدبية مميزة.
ترى المؤلفة أن محمود عيسى موسى، الروائي والفنان التشكيلي الأردني الفلسطيني المولود في إربد عام 1952، يُعد من أبرز الأصوات الأدبية في الأردن وفلسطين.
وتميزت أعماله بتناول قضايا الهوية الفلسطينية والمنفى والذاكرة الجمعية بأسلوب يجمع بين الفصحى والمحكية، بدءا من مسيرته الأدبية في سبعينيات القرن الماضي.
وفي مجالات الرواية والقصة القصيرة والمسرح. في مجال الرواية أبرز أعماله رواية "حِنْتِش بِنْتِش"، التي نالت إشادة نقدية واسعة، ورواية "بيضة العقرب"، التي تقدم تجربة إنسانية عميقة عن الصراع مع مرض السرطان والتشبث بالأمل.
وتشير عثامنة إلى أن روايات محمد عيسى موسى تتميز بدمج الحس الجمالي بالبعد التوثيقي، وبثراء لغوي وتاريخي وثقافي يجعلها خزانا لذاكرة الفلسطينيين والعرب، كما توظف تقنيات فنية تتجاوز التقاليد السردية التقليدية، مما يتيح قراءتها من زوايا نقدية متعددة.
توضح المؤلِفة أن الدراسة تتناول أسئلة مركزية حول كيفية تأثر سرديات محمود عيسى موسى بالفنون الأخرى، ودور الموسيقى والرسم والسينما في إبراز خصوصيتها الفنية، ووظائف اللهجة العامية والرموز التراثية في تعزيز البعد الجمالي والفلسفي للرواية، كما تتيح الدراسة قراءة هذه النصوص عبر آليات نقدية معاصرة نظرا لتفاعلها مع الفنون البصرية والسمعية.
توضح عثامنة أن أهمية الدراسة تكمن في إبراز جوانب جديدة من خطاب الرواية العربية، لا سيما في سياق تداخلها مع الفنون، وكشف قدرة الكاتب على توظيف اللهجة العامية كأداة أدبية مميزة وتأصيل العلاقة بين الفن والهوية، مما يثري الذائقة النقدية ويوسع إمكانات التأويل لدى القارئ.
وخلصت المؤلفة إلى أن الدراسة هدفها إبراز أهمية التداخل الفني في الرواية، وإمكانات اللغة العامية كلغة أدبية وثقافية، ودور التراث الفني في بناء نص روائي متجدد، مؤكدة قدرة الكاتب والمتلقي على إعادة تشكيل العلاقة مع النص، واعتمدت في ذلك المنهج الوصفي التحليلي مع الاستفادة من النظريات الحديثة في الرواية والفن والسيميائيات.
في خاتمة الدراسة، توضح عثامنة أن هذه الدراسة مثلت محاولة منهجية لتحليل الأعمال الروائية لمحمود عيسى موسى من منظور جمالي تركيبي، يستند إلى تقاطعات السرد الروائي مع الفنون المختلفة، ولا سيما الموسيقا والفن التشكيلي والسينما والملحمة.
وقد انطلقت الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن الفن الروائي لدى محمود عيسى موسى لا يقتصر على المعالجة الموضوعية للقضية الفلسطينية وما يتصل بها من قضايا الهوية والمنفى والمخيم والعودة، بل يقدم رؤية فنية مركبة عبر نسق من العلاقات البنيوية المستلهمة من الفنون الأخرى، والمعاد توظيفها في بناء نص سردي مبتكر وغني بالدلالات.
كما أظهرت نتائج التحليل أن البنية الإيقاعية، بشقيها الزماني والمكاني، تؤدي دورا جوهريا في توليد التوتر الدرامي وتكثيف الأثر الجمالي. وقد تكررت في الروايات مشاهد ذات طابع موسيقي، سواء على مستوى اللغة أو على مستوى البناء السردي؛ إذ لم يعد الإيقاع حكرا على الشعر، بل تسلل إلى السرد من خلال تكرار الأفعال، وتوزيع الأصوات، وتداخل الأزمنة، فضلا عن المشاهد الحركية المشحونة بطاقة صوتية ودلالية عالية.
وتقول عثامنة إن الرواية عند محمود عيسى موسى تشكلت ضمن ما يمكن تسميته بـ"السرد الموسيقي"، حيث تسهم البنية الإيقاعية، عبر التواتر والتكرار والتوازي والتحول، في إضفاء طابع سمعي على المشاهد البصرية، ليغدو النص معادلا سرديا لقطعة موسيقية ممتدة.
وقد تجلى ذلك بوضوح في توظيف تقنيات التناوب الإيقاعي الزمني، وفي الحوارات المحملة بالطبقات الصوتية، مما أتاح للنص الانفتاح على بُعد شعري داخلي أسهم في إنتاج تجربة سردية مركبة
وتضيف المؤلفة، إن الدراسة كشفت عن حضور بصري كثيف في هذه الروايات، بدءا من عتبات الغلاف، ومرورا باللوحات التشخيصية داخل المتون، وصولا إلى المشهدية السينمائية بوصفها تقنية فنية لا محاكاة شكلية. فالسرد لا يكتفي بالوصف، بل يستدعي المشهد بكامل أبعاده البصرية والحركية والزمنية، بما يشكل ما يمكن تسميته بـ "الكتابة الفوتوغرافية" أو "السرد التصويري".
ويندرج ذلك ضمن منظومة أوسع من التفاعل مع الفنون البصرية الحديثة، ولا سيما السينما، التي تتقاطع مع الرواية في مستويات عدة، مثل البناء الزمني، والمشهد، والحركة، والمونتاج السردي، أما على مستوى البنية الملحمية، فقد أظهرت الدراسة وعيا عميقا لدى الكاتب بالبناء الملحمي التقليدي، مع إعادة تشكيله برؤية معاصرة تراعي هموم الإنسان الفلسطيني والعربي في ظل الاحتلال والمنفى.
وترى عثامنة أن الروائي استُعيض عن البطل الأسطوري بالبطل الإشكالي أو المهمَش، وعن المعارك الخارجية بصراعات داخلية ونفسية، بما يستحضر الوظيفة المعرفية للملحمة، لا بوصفها خطابا بطوليا فحسب، بل صيغة رمزية لمواجهة الفقد والشتات والتشظي الوجودي.
وتشير المؤلفة إلى أن هذه المقاربات المتعددة أسهمت في تقديم صورة متكاملة للمشهد السردي لدى محمود عيسى موسى، الذي يتبدى، في ضوء هذا التحليل، روائيا يمارس كتابة متعددة الأصوات والمراجع، تتغذى من التفاعل بين الفصحى والعامية، والموسيقى الكلاسيكية والتراثية، والسينما، والملحمة، لتعيد إنتاج الواقع لا بصورة مباشرة، بل عبر تشكيله جماليا باستخدام تقنيات فنية متنوعة.
ولا تمثل روايات محمود عيسى موسى تقاطعا مع الفنون الكتابية والبصرية فحسب، بل تقدم نموذجا لانفتاح السرد الروائي العربي على مفاهيم الإيقاع الموسيقي العميق، بما ينطوي عليه من تداخل بين الصوت والصمت، والفعل والزمن، والتأمل والانفجار الشعوري، بحيث يغدو الإيقاع السردي صوتا موازيا للإيقاع الموسيقي من حيث البنية والوظيفة.
كما يُسهم توظيف المفاهيم الفنية وعناصرها في قراءة هذه الروايات بوصفها أنساقا صوتية متعددة المستويات؛ ففي رواية "حِنْتِش بِنْتِش"، على سبيل المثال، يخلق الراوي إيقاعا داخليا قائما على التوتر والتكرار والاختلاف، على نحو يشبه انتقال المقطوعة الموسيقية من مقام إلى آخر.
ويؤكد حضور اللوحات وتداخل معطياتها، إلى جانب توظيف التقنيات السينمائية والعناصر الملحمية، أن تعالق اللغة الروائية وأسلوب الكاتب مع الفنون السمعية والبصرية يمنح النص إمكانات تأويلية واسعة.