الغد
مايكل يونغ* - (مركز مالكوم-كير كارنيغي للشرق الأوسط) 2026/1/13
تحاول الولايات المتحدة دفع لبنان وسورية إلى التطبيع مع إسرائيل، لكنّ البلدَين لا يريان لهما مصلحةً في ذلك.
في 6 كانون الثاني (يناير)، نشر الصحفي الإسرائيلي باراك رافيد مقالًا على موقع "أكسيوس"، أفاد فيه بأن الولايات المتحدة قدّمت مقترحًا جديدًا لكلٍّ من سورية وإسرائيل بهدف "التوصّل إلى اتفاق أمني بينهما، يتضمّن إنشاء منطقة اقتصادية مشتركة على جانبي الحدود...". وجاء هذا الطرح عقب جولة محادثات مكثّفة عُقدت بين مختلف هذه الأطراف في باريس في اليوم نفسه، حيث اقترح الجانب الأميركي أيضًا إنشاء "خلية تنسيق" مشتركة تتّخذ من عمّان مقرًّا لها، وتضمّ ممثّلين عن الولايات المتحدة وإسرائيل وسورية، وذلك "للإشراف على الوضع الأمني في الجنوب السوري، واستضافة جولاتٍ لاحقة من المحادثات المتعلقة بنزع السلاح وانسحاب القوات الإسرائيلية".
أثار هذا القرار ضغوطًا متزايدة في بيروت، حيث تحاول الولايات المتحدة وإسرائيل الدفع نحو ترتيب اقتصادي مماثل، خلافًا لرغبات كبار المسؤولين اللبنانيين. حتى أن وزير الخارجية، يوسف رجّي، المقرّب من "القوات اللبنانية" المعروفة بعدائها العلني لـ"حزب الله"، اضطرّ إلى الإدلاء بتوضيح تصحيحي بعد أن سُئل عن مسألة التطبيع بين لبنان وإسرائيل، في مقابلة أجراها معه مؤخرًا "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى" -وهو مركز أبحاث يتبنّى رؤية مؤيّدة لعلاقات وثيقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
في المقابلة أجاب رجّي من دون مواربة: "من غير الممكن، في الوقت الراهن... الحديث عن السلام مع إسرائيل في لبنان. تبقى هذه المسألة من المحرّمات... بصراحة، أنا متفاجئ جدًّا من حديث القيادة الإسرائيلية عن مفاوضات اقتصادية...". وفي ما يتعلّق بـ"لجنة الميكانيزم"، (اللجنة الخماسية التي جرى توسيع صلاحياتها، والتي تتولّى مهمة مراقبة ومناقشة تطبيق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في العام 2024 بين لبنان وإسرائيل)، لم يكن تعيين شخصية مدنية (سيمون كرم، لرئاسة الوفد اللبناني إلى اجتماعات الميكانيزم) بكل صراحة سوى خطوة تجميلية. فهي لم تغيّر شيئًا، وكان واضحًا، علنًا وبشكل قاطع، أنّ شيئًا لم يتغيّر في مهمة الوفد اللبناني إلى اجتماعات "لجنة الميكانيزم".
لقد أدرك اللبنانيون، عن حق، أنه لا يوجد أي توافق داخلي في البلاد بشأن تطبيع العلاقات مع إسرائيل. ولن يؤدي اتّباع مثل هذا المسار سوى إلى مفاقمة الانقسام في المجتمع. يُضاف إلى ذلك أن التطبيع هو مسألةٌ لا يرغب أي مسؤول لبناني في الدفاع عنها أمام معارضيه المحليين. ويُعزى ذلك أساسًا إلى أن خوض نقاش في هذا الموضوع لا معنى له في ظلّ استمرار إسرائيل في احتلال أراضٍ لبنانية، وغياب أي اتفاق سلام بين الجانبَين. وما يزال لبنان ملتزمًا رسميًا بـ"مبادرة السلام العربية" للعام 2002، التي تعرض إقامة سلام مع إسرائيل مقابل انسحابها من كامل الأراضي العربية التي تحتلّها منذ العام 1967، وسماحها بإنشاء دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية -وهي شروط تجاهلتها الولايات المتحدة تمامًا.
ولكن، لنفترض أن السياسة الدولية محكومة بمنطق السلطة والقوة، كما يردّد بعض المسؤولين الأميركيين. يعي اللبنانيون جيدًا أمرًا آخر يغفل عنه كثيرون خارج المنطقة. إن مساعي الولايات المتحدة إلى ليّ ذراع لبنان وسورية لدفعهما نحو التطبيع مع إسرائيل تتجاهل الانعكاسات الجيوسياسية لمثل هذه السياسة. إن الخصم الأساسي لإسرائيل في منطقة المشرق هو تركيا، التي وسّعت نطاق نفوذها إلى داخل الأراضي السورية. ومن منظور أنقرة، يعد السماح بانزلاق دمشق إلى دائرة النفوذ الإسرائيلي تهديدًا لها، فيما تنظر إلى لبنان بوصفه امتدادًا استراتيجيًا لسورية. وبذلك، يتطب استقرار دمشق، جزئيًا، استقرار بيروت. وترى تركيا أن فرض إدخال لبنان في الفلك الإسرائيلي سيكون من شأنه تمكين إسرائيل من التأثير في مسار الأحداث في سورية، وهو ما لن تسمح به أنقرة.
لهذا السبب، أبدت تركيا عداءً واضحًا تجاه إقدام لبنان مؤخرًا على توقيع اتفاقية الترسيم البحري مع قبرص. وهي ترى أن الاتفاقية لا تمسّ فقط بالحدود البحرية لجمهورية شمال قبرص التركية، بل إنها قد تربط لبنان مستقبلًا بترتيبات لتصدير موارده البحرية من النفط والغاز مع الدولتَين اللتَين رسّم معهما حدوده البحرية -أي مع إسرائيل وقبرص. وقد يتيح ذلك إنشاء خط أنابيب يربط هذه الدول الثلاث ويمتدّ إلى أوروبا عبر اليونان لينافس خط أنابيب "ترك ستريم" الذي ينقل الغاز إلى بلغاريا. وترغب أنقرة في أن تتدفّق موارد المشرق من النفط والغاز عبر خط "ترك ستريم"، وهو ما من شأنه أن يعزّز مكانة تركيا بوصفها مركز طاقة إقليميًّا أساسيًّا يربط آسيا الوسطى، وبعض دول الخليج، والمشرق، بأوروبا.
لذلك، من غير المرجَّح أن تقف تركيا مكتوفة اليدين في حال جنوح لبنان نحو محور خاضع للنفوذ الإسرائيلي. فما الذي يمكن أن تفعله في مثل هذا السيناريو؟ قد تلجأ أنقرة إلى حشد مناصريها في أوساط المجتمع السنّي اللبناني ضدّ مسار التطبيع، ومن الوارد تمامًا أن تتعاون مع إيران و"حزب الله" -على الرغم من خلافاتها معهما بشأن سورية- لعرقلة هذا المسعى. ومن منظور لبنان، ليس هناك أي معنى في تمزيق النسيج الوطني من أجل ترتيب لا يحظى بتأييد يُذكر في البلاد، ولن يؤدّي على الأرجح سوى إلى مفاقمة مكامن ضعفه في وجه إسرائيل ذات النزعة الافتراسية.
مع ذلك، ثمة إجماعٌ في لبنان حول مسألة نزع سلاح جميع الأطراف غير الحكومية وتحييد تهديد الحدود الجنوبية. ومن المُنصف القول إن معظم اللبنانيين لم يؤيّدوا انخراط "حزب الله" في حرب غزة، وإنهم يرحبّون بحصر السلاح بيد الدولة. فلماذا لا تستطيع الولايات المتحدة ببساطة قبول هذا الأمر والمضي قدمًا بشأن الضمانات الأمنية على الحدود مع إسرائيل، بدلًا من فرض ترتيبات أوسع ومثيرة للانقسام على لبنان؟
يمكن البحث عن الإجابة في الأحداث التي شهدتها فنزويلا. وتُظهر العمليات الأميركية الأخيرة هناك أن واشنطن تعمل على ترسيخ عالم تستطيع فيه القوى التدخّل في ما تعتبره مجالها الحيوي. وكان هذا هو ما فعلته روسيا في أوكرانيا، وما قد تفعله الصين قريبًا في تايوان. ومن الواضح اليوم أن الولايات المتحدة تساعد إسرائيل على تعزيز منطقة نفوذ خاصة بها في المشرق. لكنَّ إعادة تشكيل عالم يكون فيه إنشاء وحماية دوائر النفوذ هو القاعدة السائدة، ستُفضي إلى بيئة عالمية أكثر تقلُّبًا بكثير. وفي الشرق الأوسط، سيؤدّي ذلك إلى سنوات من التوتّر، مع احتمال ضئيل لأن تتوصّل الدول قريبًا إلى اتفاق يمكن اعتباره نسخةً شرق أوسطية من مؤتمر فيينا.
لعل المثير للاهتمام في كلّ هذا أن تفكير دونالد ترامب لا يختلف كثيرًا عن تفكير باراك أوباما، الذي يمقته الرئيس الحالي. فقد أعرب أوباما، في مقابلة أصبحت شهيرةً أجراها معه جيفري غولدبيرغ من مجلة "ذي أتلانتيك" في العام 2016، عن أسفه لأن "التنافس القائم بين السعوديين والإيرانيين، الذي أسهم في إذكاء حروبٍ بالوكالة ونشر الفوضى في سورية والعراق واليمن، يتطلّب منا أن نقول لأصدقائنا -وللإيرانيين أيضًا- إن عليهم التوصّل إلى طريقة فعّالة لتقاسم المنطقة وإرساء نوع من السلام البارد". ويجسّد هذا التفكير إلى حد كبير رؤيةً تعود إلى القرن التاسع عشر، كان على السعوديين والإيرانيين بموجبها إيجاد طريقة للتعايش معًا داخل مناطق نفوذهم الخاصة، من خلال ضبط الأطراف التابعة لهم. وتجدر الإشارة إلى أن أوباما لم يُبدِ فهمًا أعمق لحقّ الشعوب في تقرير مصيرها ممّا أظهره ترامب، حيث حصر جميع الدول ضمن ثنائيةٍ سعودية-إيرانية وسنّية-شيعية، تتناقض تمامًا مع الدروس المستخلصة من ثورات 2010-2011.
في عالم تحكمه مناطق النفوذ، تكون المشكلة الأكبر هي: لماذا قد ترغب دولٌ مثل لبنان وسورية في أن تكون جزءًا من مجال إسرائيلي مدعوم أميركيًا؟ تتصرف الولايات المتحدة راهنًا كدولة خارجة عن القانون، بينما ارتكبت إسرائيل أعمال قتل جماعي في غزة، وتسعى إلى استكمالها عبر تنفيذ التطهير العرقي بحقّ فلسطينيي القطاع والضفة الغربية. وإذن، ما الذي قد تقدّمانه لدول مثل لبنان وسورية؟ لقد طرحت واشنطن خطةً لوقف إطلاق النار في تشرين الثاني (نوفمبر) 2024، أرفقتها بوثيقة جانبية تُجيز لإسرائيل انتهاك الاتفاق. وقامت هذه الأخيرة بتجاهل المهلتَين المحدّدَتين للانسحاب، في كانون الثاني (يناير) وشباط (فبراير) 2025. فكيف يمكن الوثوق إذن بأيٍّ منهما؟ ومع أن لبنان وسورية لا يمكنهما تجاهل الأميركيين والإسرائيليين، وقد يستفيدان منهم بين الحين والآخر، فلا مصلحة للجانبَين في الارتباط بمثل هذه الدول التي تمارس التعسّف السياسي والأخلاقي، والخضوع لسلام إسرائيلي. ويتيح النظام الإقليمي متعدّد الأقطاب لبيروت ودمشق هامشًا للمناورة في هذا الصدد.
من خلال فرض معادلة تقوم على الاختيار بين إما التطبيع مع إسرائيل أو الصراع، لا يبدو أن الولايات المتحدة وإسرائيل تدركان أن التطبيع سيشعل أيضًا فتيل الصراع. فنحن في شرق أوسط جديد حيث باتت الهيمنة متنازعًا عليها. وإذا استطاع لبنان، ومعه سورية، أن يخوضا بنجاح لعبة توازن القوى وتجنّب الالتزامات المضرّة بهما، فسيحاولان تحقيق ذلك. ويزداد هذا الاحتمال في ظلّ فقدان الثقة بأن الخطط الأميركية والإسرائيلية المرسومة لهما ستعود عليهما بفائدة تُذكر.
*مايكل يونغ: مدير تحرير في "مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط" في بيروت، ومحرر مدونة "ديوان" في كارنيغي المعنية بشؤون الشرق الأوسط. كان سابقا كاتبا ومحرر صفحة الرأي في صحيفة "ديلي ستار" اللبنانية، وينشر راهنا مقالا أسبوعيا في كل من صحيفة "ذا ناشونال" الإماراتية، وفي الموقع الإلكتروني "ناو ليبانون". وهو أيضا مؤلف كتاب "أشباح ساحة الشهداء: رواية شاهد عيان عن نضال لبنان من أجل البقاء" The Ghosts of Martyrs Square: An Eyewitness Account of Lebanon’s Life Struggle، الذي أدرجته صحيفة "وول ستريت جورنال" ضمن قائمة الكتب العشرة الأبرز للعام 2010، وحاز الجائزة الفضية في مسابقة "جائزة الكتاب للعام 2010" التي نظمها "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى".