عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    25-Feb-2026

إسرائيل بين إنجازات الحرب ومخاطر ما بعدها: اختبار الاستراتيجية لا اختبار القوة*د.خالد العاص

 الدستور

تكشف النقاشات الدائرة داخل الأوساط الإسرائيلية عن قلق متزايد من الإفراط في الاطمئنان إلى نتائج الحرب الأخيرة. فبرغم ما تعتبره المؤسسة العسكرية إنجازات ميدانية ملموسة، يبرز تيار تحليلي يحذّر من أن الصورة الاستراتيجية أشد تعقيدًا من حصيلة العمليات العسكرية وحدها.
 
المسألة لا تتعلق فقط بما جرى في غزة، بل بامتدادات المشهد إلى الإقليم ككل، وخصوصًا في ما يتصل بإيران ووكلائها. فمستقبل أي تفاهم محتمل مع طهران، وحدود تأثيره على دعم الفاعلين المسلحين في المنطقة، واحتمالات التدخل الأمريكي المباشر، كلها عناصر تضيف طبقات من الغموض إلى بيئة أمنية تتسم أصلًا بالهشاشة. وفي ظل هذا الواقع، يصبح السؤال المركزي: هل انتهت المواجهة أم أنها دخلت طورًا أكثر تعقيدًا؟
 
أحد أبرز التحولات التي أفرزتها الحرب يتمثل في تبدل أولويات الإقليم. فقد تراجع مسار التطبيع مع بعض الدول العربية إلى الخلفية، بينما استعادت القضية الفلسطينية حضورًا سياسيًا وإعلاميًا بعد فترة من التراجع النسبي. كما توسعت رقعة الاشتباك لتشمل جبهات غير تقليدية، أبرزها الساحة اليمنية، بما أضاف عنصرًا جديدًا إلى معادلة الردع والردع المضاد.
 
إلى جانب البعد العسكري، برزت تحديات قانونية ودبلوماسية غير مسبوقة، مع تصاعد الضغوط الدولية والتحركات القضائية التي طالت قيادات إسرائيلية. هذه التطورات لا تؤثر فقط على الصورة الخارجية، بل قد تفرض قيودًا عملية على الحركة السياسية والعسكرية في المستقبل، ما يعمّق الإشكالية الاستراتيجية.
 
الأهم أن خصوم إسرائيل، رغم الخسائر البشرية والمادية الكبيرة التي تكبدوها، لا ينظرون إلى ما جرى باعتباره هزيمة نهائية؛ فبالنسبة لهم، مجرد الصمود والاستمرار في المواجهة يمكن أن يُقرأ كنجاح معنوي واستراتيجي. هذه القراءة المختلفة لنتائج الحرب تطرح إشكالية عميقة: فالتفوق العسكري لا يترجم بالضرورة إلى حسم سياسي دائم، إذا لم يُقترن بفهم دقيق لدوافع الطرف الآخر وحساباته.
 
من هنا، يتنامى التحذير من تكرار أخطاء تقدير سابقة، حين جرى الاعتقاد بأن الضربات القاسية كفيلة بخلق ردع طويل الأمد، قبل أن يتبين لاحقًا أن الطرف المقابل أعاد ترتيب صفوفه واستثمر نتائج المواجهة في تعزيز موقعه. الفجوة بين الإنجاز التكتيكي والنتيجة الاستراتيجية تظل إحدى أبرز معضلات الصراع.
 
في النهاية، تبدو إسرائيل أمام معادلة معقدة: كيف تحافظ على تفوقها العسكري دون الوقوع في فخ قراءة مفرطة للنجاح؟ وكيف تمنع خصومها من تحويل الخسارة الميدانية إلى رواية تعبئة جديدة؟ الإجابة لن تتحدد في ميادين القتال وحدها، بل في القدرة على إدارة ما بعد الحرب، سياسيًا وإقليميًا ودوليًا، ضمن رؤية طويلة الأمد تتجاوز منطق الجولة إلى منطق الاستراتيجية الشاملة.