عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    21-Apr-2026

مفارقة الاغتيالات*إسماعيل الشريف

 الدستور

«تعلّم مني إن لم يكن من نصائحي، فعلى الأقل من مثالي. كم هو خطير اكتساب المعرفة». من رواية فرانكشتاين لماري شيلي، 1818.
 
في السابع عشر من أيلول عام 2024، شهد لبنان واحدةً من أكثر العمليات الاستخباراتية تعقيداً وإثارةً في التاريخ الحديث؛ حيث انفجر ما يزيد على ثلاثة آلاف جهاز اتصال لاسلكي «بيجر» كانت تعتمد عليه عناصر حزب الله في اتصالاتها. وقد كشفت الأدلة أن هذه العملية كانت من تنفيذ جهاز الموساد، الذي أحكم تدبيرها بقدر من الدقة والدهاء يفوق ما تستطيع أفلام هوليوود تصويره أو محاكاته. وتكمن جوهر العملية في اختراق ممنهج لسلسلة توريد هذه الأجهزة؛ حيث جرى تضمينها مواد متفجرة عالية الدقة قبل وصولها إلى أيدي المستخدمين، ثم تفعيلها جميعها في آنٍ واحد بتوقيت محكم، مما أسفر عن سقوط نحو 3500 جريح و48 قتيلًا.
 
وفي العشرين من الشهر ذاته، نفّذت إسرائيل اغتيالاً مدروسًا طال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، وذلك خلال اجتماع قيادي رفيع عُقد في منشأة قيادية محصّنة تحت الأرض، ضمّت نخبةً من كبار قيادات الحزب، واعتمدت العملية على استخدام قنابل مخصصة في اختراق التحصينات، وهي مصممة للتغلغل عبر طبقات الخرسانة المسلحة والبنى الدفاعية المتعددة قبل انفجارها في الأعماق، إذ استطاعت اختراق ما يُقدَّر بستة إلى ثمانية طوابق تحت الأرض، وذلك استناداً إلى معلومات استخباراتية مسبقة.
 
وفي الثامن والعشرين من شباط الماضي، انطلقت عملية «الغضب الملحمي» ضد إيران، باغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في طهران، وقد جسّدت هذه العملية نموذجاً كلاسيكياً لما يُعرف في الأوساط الاستخباراتية بـ»عملية نمط الحياة»، فقد أمضت وحدة 8200 الصهيونية وجهاز الموساد سنوات من العمل الاستخباراتي الدؤوب في بناء صورة شاملة ودقيقة عن حياة المرشد، إذ أحاطوا علماً بكل تفصيلة تتعلق بتحركاته وجدول أعماله، فضلاً عن بيانات الحراس الشخصيين من عناوين ومناوبات وطرق تنقل ومواقف مركبات، وسائر عناصر دائرته القريبة. وقد امتدت قدراتهم التقنية إلى اختراق منظومة كاميرات المراقبة المرورية في طهران، واستخدموا طيارين متخصصين لإطلاق صواريخ «سبارو» الدقيقة، القادرة على إصابة أهداف لا يتجاوز قطرها بضعة سنتيمترات من على مسافة تفوق الألف كيلومتر.
 
وأمام هذه الوقائع نجد أنفسنا إزاء جهاز يجمع بين القدرات التقنية المتقدمة والإرادة العملياتية الراسخة، ولا يتوانى عن توظيف إمكاناته كاملةً لتصفية خصومه في أي بقعة كانوا، من خلال عمليات بالغة التعقيد تُدار بذكاء استراتيجي ودقة عالية.
 
بيد أن هذه «العبقرية» المزعومة تغيب تماماً حين يتعلق الأمر بالأراضي الفلسطينية. فرغم الادعاءات الإسرائيلية بامتلاك معرفة تفصيلية بطهران تضاهي إلمامهم بالقدس المحتلة، يكشف الواقع الميداني عن صورة مغايرة تماماً؛ إذ تُشير الإحصاءات إلى أن ما يقارب 85 % من ضحايا غزة هم من المدنيين؛ حيث تُمحى أحياء سكنية بأسرها ذريعةً لاستهداف مقاتل واحد. أما في الضفة الغربية، فيتذرع المسؤولون الإسرائيليون بعجزهم عن تحديد هوية المقاتلين، في مفارقة صارخة تجعل التدمير الجماعي للأحياء السبيلَ الوحيد لملاحقتهم.
 
يعتمد هذا الكيان على منظومة تقنية بالغة التطور، تستند إلى خوارزميات متقدمة لتتبع الأفراد ورصد تحركاتهم بدقة عالية، غير أنه يُصرّ في الوقت ذاته على ادعاء العجز عن تحديد أماكن تواجد المقاومين الفلسطينيين. والمفارقة اللافتة أنه يُثبت قدرته على ملاحقة خصومه خارج الأراضي المحتلة عبر عمليات استخباراتية بالغة التعقيد، يصل أثرها إلى ما تحت الأرض. وعند هذه المفارقة الصارخة يتكشّف المقصد الحقيقي دون لبس: تنفيذ عملية إبادة جماعية ممنهجة بحق الشعب الفلسطيني، وتحويل أرضه إلى بيئة طاردة، تمهيداً لتهجيره وتفريغ أرضه منه.
 
وتُسلّط المسؤولة السابقة في الموساد سيما شاين الضوءَ على هذه الفكرة بالاستشهاد بمثل عبري يقول: «مع الطعام تأتي الشهية»، في إشارة إلى أن القدرة حين تقترن بالنجاح تدفع المؤسسات والدول تلقائياً نحو توسيع نطاق توظيفها وتعميق أثرها. ووفق هذا المنطق، تُوظَّف المقاومة الفلسطينية في الخطاب الإسرائيلي ذريعةً متجددة، تُتيح تبرير التمادي في تنفيذ الأجندات التوسعية وتوسيع رقعتها.
 
وبهذا يثبت الكيان الصهيوني أنه يمتلك من القوة التكنولوجية والاستخباراتية ما يكفي لتحقيق أي هدف يريده، إلا أنه يختار عمداً عدم توظيف هذه القدرات في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وهنا تنجلي الحقيقة في أوضح صورها: ليست المسألة مسألة قدرة، بل هي في جوهرها مسألة إرادة ونية.