الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
إريكا فيوزييه* - (فورين بوليسي إن فوكَس) 19/3/2026
أعاد الصراع العسكري الجاري بين إيران والقوات المشتركة للولايات المتحدة وإسرائيل إحياء الجدل القديم حول ما إذا كانت القواعد العسكرية الأميركية في الخارج تعزّز أمن الولايات المتحدة وأمن حلفائها أم أنها تعرّضهم لمخاطر أكبر.
على مدى عقود كثيرة، اعتمدت الولايات المتحدة على شبكتها الواسعة من القواعد العسكرية الخارجية، التي تعمل كمكون رئيسي في استراتيجيتها الأمنية العالمية التي تطوّرت خلال الحرب الباردة لمواجهة التهديدات المتصوَّرة والفعليّة من الدول الخصمة. وفي الوقت الحالي، تمتلك الولايات المتحدة ما يقرب من 750 قاعدة عسكرية أنشأتها في أكثر من 80 دولة. وكما أشارت تقارير عدة صادرة عن "خدمة أبحاث الكونغرس"، فإن هذه الشبكة الواسعة من القواعد المنتشرة في مختلف الدول مكّنت الولايات المتحدة من تنفيذ عمليات عسكرية بسرعة، ومن الاستجابة لحالات الطوارئ في مناطق مختلفة.
ومع ذلك، طرح الصراع العسكري الأخير الجاري في إيران معضلة استراتيجية أمام الولايات المتحدة وغيرها من الفاعلين العالميين. في عصر التكنولوجا الحديث، حيث أصبحت الدقة والأتمتة من السمات الأساسية للأسلحة، أصبحت القواعد العسكرية أكثر هشاشة وانكشافًا، وغالبًا ما تجبر الدول المضيفة على الانخراط في صراعات لم تكن هي مَن بدأها.
هدف في الحروب الحديثة
كان المبرر الاستراتيجي لوجود القواعد العسكرية في الخارج تقليديًا هو الردع. فمن خلال نشر أصول عسكرية في قرب كبير من مناطق النزاع المحتملة، ترسل الولايات المتحدة رسالة إلى حلفائها مفادها الالتزام، وإلى خصومها للتحذير من كلفة العداء.
مع ذلك، أظهرت الصراعات الأخيرة أن هذا النموذج قد لا يحقق الأثر المرجو. وعندما يتعلق الأمر بالحرب الحالية، كان باحثون في "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" قد ذهبوا إلى التحذير من أن عددًا كبيرًا من القواعد العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط يقع ضمن مدى القدرات المتزايدة للصواريخ الإيرانية. وفي حال اندلاع نزاع واسع، فإن هذه القواعد تصبح أهدافًا فورية ومباشرة.
وهذا ما حدث بالفعل في أعقاب الضربات الصاروخية الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران. سرعان ما تحولت القواعد العسكرية المرتبطة بالوجود الأميركي في منطقة الخليج إلى أهداف مباشرة. وأصبحت المنشآت العسكرية المرتبطة بالوجود الأميركي في المنطقة أهدافًا رئيسية للضربات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد دول عدة، من بينها البحرين وقطر والكويت والإمارات العربية المتحدة. وفي الوقت نفسه، وجهت فصائل متحالفة مع إيران أيضًا ضربات ضد مواقع عسكرية أميركية في المنطقة، بما في ذلك المناطق القريبة من أربيل وبغداد. وحتى الدول التي لم تشارك مباشرة في قرار ضرب إيران رأت وضعها الأمني وقد أصبح أكثر هشاشة، ببساطة لمجرد استضافتها قوات أميركية.
وهذا، بطبيعة الحال، مثال كلاسيكي على كيف تؤدي الإجراءات العدوانية التي تتخذها القوى الكبرى في منطقة ما إلى زيادة انعدام الأمن لدى الدول الأصغر. ووفقًا لـ"معضلة الدولة المضيفة" هذه، فإن الدول التي تستضيف قواعد عسكرية أجنبية تحصل على قدر ما من الحماية من حليفها الأقوى، لكنها تصبح في الوقت ذاته هدفًا في حال اندلاع حرب.
التداعيات الإقليمية
يشكّل الصراع الحالي أيضًا تهديدًا ذا صلة لاقتصادات الخليج، التي تعتمد بدرجة كبيرة على استقرار سوق الطاقة والبنية التحتية. وقد أثّر الصراع فورًا على كليهما، حيث اتسمت طرق الملاحة البحرية بتوترات عالية، وارتفعت تكاليف النقل الإقليمي، واتخذت الجهات الحكومية إجراءات لحماية البنية التحتية الحيوية للطاقة. كما أن عدم الاستقرار الاقتصادي الناتج عن المواجهات بين القوى العالمية الكبرى يؤثر بشدة في دول الإقليم.
أعادت هذه التكاليف إشعال الجدل حول الكلفة طويلة الأمد لاستضافة القوات العسكرية الأجنبية. وهذه الظاهرة ليست جديدة، كما يتضح في حالة العراق، حيث تتكرر تساؤلات قيادة البلاد حول ما إذا كانت القوات الأميركية تعزز أمنه أم تعقّد علاقاته الإقليمية. كما شهدت مناطق في شرق آسيا نقاشات مماثلة، حيث تتساءل المجتمعات القريبة من القواعد العسكرية الكبرى عن تأثيرها على السيادة، وزيادة المخاطر الإقليمية، وصحة ورفاه السكان الذين يعيشون بالقرب منها. ومن المرجح أن يغذّي الصراع مع إيران مثل هذه النقاشات.
التداعيات المالية على الولايات المتحدة
من منظور الولايات المتحدة، تتعلق المسألة بالاستراتيجية والتمويل معًا. وكما تشير تحليلات مالية مختلفة، تنفق الولايات المتحدة عشرات المليارات من الدولارات سنويًا للحفاظ على هيكلها العالمي من القواعد العسكرية. ويرى مؤيدو هذه الاستراتيجية أن هذه الكلفة مبرّرة بما توفره من استقرار. ومن هذا المنظور، تتيح قدرات الانتشار الأمامي للولايات المتحدة الاستجابة السريعة للأزمات، وطمأنة الدول الحليفة التي قد تشعر -في غياب ذلك- بضغط يدفعها إلى تطوير ترساناتها النووية أو قدراتها العسكرية الخاصة.
مع ذلك، يسلط الصراع مع إيران الضوء على خلل جوهري في هذا المنطق. في سيناريو حرب، تصبح القواعد الخارجية مكشوفة وعرضة للخطر بسرعة، وهو ما يضطر الولايات المتحدة إلى إنفاق موارد مالية كبيرة لحمايتها، وهو شأن قد يصبح أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
وبالنسبة لدافع الضرائب في الولايات المتحدة، يصبح السؤال متسمًا بأهمية بالغة وأساسية: هل توفر الاستراتيجية الحالية بالفعل مستوى الأمن الذي تدّعيه؟
موضوع يستحق التمحيص
تستمر القواعد العسكرية في توفير مزايا لوجستية، وطمأنينة سياسية، وقدرات استجابة سريعة للأزمات. لكنّ الدول التي تستضيف هذه القواعد تجد نفسها، عمليًا، جزءًا من مسرح عمليات أوسع كلما انخرطت الولايات المتحدة في صراع مسلح، بغض النظر عن موافقتها الطوعية.
وقد يدفع هذا الإدراك حكوماتٍ في مناطق مختلفة من العالم، من الشرق الأوسط إلى شرق آسيا، إلى إعادة تقييم المخاطر والفوائد المحتملة لاستضافة قوات عسكرية أجنبية. وقد تجلّى ذلك في استفتاء العام 2024 في الإكوادور الذي رفض إقامة قواعد أميركية مستقبلية، وفي النقاش البرلماني الجاري في العراق حول وجود القوات الأميركية، وكذلك في المعارضة المحلية في أوكيناوا باليابان لتوسيع قاعدة مشاة البحرية الأميركية. وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد تواجه الولايات المتحدة ضغوطًا لإعادة النظر في وجودها العسكري العالمي.
وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن هشاشة القواعد الخارجية توفّر فرصة: لتحديث نهج استراتيجي متقادم عفا عليه الزمن ليتلاءم مع متطلبات العالم المعاصر. في بيئة تتسم بتسارع التطورات التكنولوجية في القدرات العسكرية، وبإمكانية التصعيد السريع للنزاعات، يصبح الهدف الأساسي واضحًا: الحفاظ على أمن الولايات المتحدة، وضمان دعم الحلفاء، ومنع تحويل تلك الدول -من دون قصد- إلى خطوط مواجهة متقدمة. وقد يتطلب تحقيق هذا الهدف تقليص طبعات الأقدام العسكرية الأميركية في الخارج.
كما ينبغي لاستراتيجية تتوخى مراعاة بعد النظر أن تعطي الأولوية للمرونة، وسرعة التنفيذ، والقدرة على التكيّف سياسيًا وتكنولوجيًا. من خلال مثل هذا النهج فقط يمكن للولايات المتحدة أن تأمل في تحقيق ردع فعّال من دون الوقوع في مخاطر الانتشار الثابت في بيئات عالية الخطورة.
*إريكا فيوزييه Ericka Feusier: كاتبة وصحفية أميركية مختصة في الاتصال الاستراتيجي والسياسات العامة، عملت في مؤسسات إعلامية وفكرية بارزة في الولايات المتحدة، وتركّز كتاباتها على الشرق الأوسط وقضايا السياسة الأميركية، والسياسة الخارجية، والديناميات العرقية والاجتماعية، وعلاقات الولايات المتحدة مع أوروبا ومنطقة الهندي-الهادئ. شغلت أدوارًا في مجال الاستشارات والاتصال داخل مؤسسات بحثية ومنظمات غير ربحية، وبرزت بمقالاتها التحليلية التي تتناول التفاعلات بين الإعلام والسياسة والهوية في السياق الأميركي.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: U.S. Bases In The Age Of Precision Missiles And Modern Warfare