أحلام إبليسة".. رواية مشبعة بتفاصيل الطفولة والموروث الشعبي الفلسطيني
الغد-عزيزة علي
صدرت رواية "أحلام إبليسة"، للروائي الدكتور أحمد عرفات الضاوي، مسترجعة الذاكرة الفلسطينية من زاوية حميمة تجمع الخاص مع العام، والطفولة مع التاريخ، والعشق الفطري مع مرارات الهزيمة.
تتبع الرواية طفولة السارد في قرية فلسطينية بسيطة، وشخصية "إبليسة" (مريم الخطيب) رمز الدهاء والبراءة والجمال، مع أحداث تاريخية مثل ما قبل نكسة حزيران 1967 وما بعدها، مقدمة بذلك صورة متكاملة لحياة القرية وعلاقات أهلها وصراعاتهم، في مزيج بين السيرة الذاتية والسرد الروائي الواقعي.
في كلمة للناشر سمير اليوسف على غلاف الرواية، يشير إلى أن الرواية تستعيد الذاكرة الفلسطينية من زاوية حميمة، حيث يتقاطع الخاص مع العام، والطفولة مع التاريخ، والعشق الفطري مع مرارات الهزيمة. ومن خلال راوٍ عليم يتنقل بين الأزمنة والأمكنة، نتابع تشكل الوعي الأول في قرية فلسطينية بسيطة، قبل أن تعصف بها التحولات التي سبقت نكسة حزيران 1967 وتلتها، فتغدو الحكاية مرآة لحياة كاملة، لا لسيرة فرد واحد فحسب.
وفي قلب الرواية، تقف شخصية "إبليسة"، مريم الخطيب، بوصفها رمزا مركبا للدهاء والبراءة والجمال والقوة الأنثوية المبكرة، كما تنعكس في عين طفل لم يبلغ السابعة، لكنه يعرف الحب قبل أن يعرف اسمه. ويتحول هذا التعلق النقي، البعيد عن الغريزة، مع الزمن، إلى جرح صامت ونكسة شخصية موازية للنكسة الوطنية، حيث تتقاطع خسارات القلب مع خسارات الأرض.
كتبت الرواية بلغة سردية واضحة، مشبعة بالتفاصيل اليومية والموروث الشعبي الفلسطيني، لتوثق حياة القرية وعلاقاتها وأحلام أهلها البسطاء في مواجهة القمع والاحتلال والتحولات القاسية. وهكذا لا تبدو "أحلام إبليسة" مجرد حكاية حب أو استعادة لطفولة ضائعة، بل شهادة إنسانية على زمن تشقق فيه الحلم، وبقيت الذاكرة وحدها القادرة على ترميم ما انكسر.
وكتب الناقد الدكتور زياد أبو لبن مقدمة للرواية، يرى فيها أن النص يقوم على السارد العليم بوصفه راويا خارجيا للأحداث، يمتلك معرفة شاملة بشخصيات الرواية وتفاصيلها وخفاياها، ويحركها بما يخدم تسلسل الأحداث في بنية هرمية واضحة. ويبتعد العمل، في هذا السياق، عن التقنيات السردية الحديثة التي ينشغل بها بعض الروائيين الحداثويين.
ويتنقل السارد العليم بين أزمنة وأمكنة متعددة تشكل فضاء الرواية، بلغة واضحة لا تستعصي على القارئ، تميل إلى السرد المباشر. كما يتداخل الحوار بين الشخصيات بلهجة عامية قريبة من لهجة القرى الفلسطينية، بما تحمله من ألفاظ ومصطلحات تراثية قد تبدو غريبة على جيل القراء اليوم، غير أن السياق يساعد على فهمها ومتابعة مجريات الأحداث. وقد أشار الناقد إلى أهمية إلحاق الرواية بجدول يشرح بعض المفردات التراثية من العامية الفلسطينية التي قد يصعب على القارئ العربي إدراك معانيها.
يروى النص بضمير الغائب عبر الراوي العليم، مع توظيف ضمائر السرد الأخرى: المتكلم (أنا) والمخاطب (أنت). ومع تسارع الأحداث تتكشف شخصيات رئيسة مثل إبليسة، والأم، وأبو السمن، وبهية، وعمر، إلى جانب شخصيات ثانوية كوالد إبليسة والمختار وأم صالح خرويش وأبو راس. وتتوزع الأمكنة بين القرية التي تدور فيها معظم أحداث الرواية، والمدينة، ومخيم عين شمس، وعمّان، إضافة إلى أماكن عابرة، مع بقاء القرية الفضاء الأبرز. وتتحرك الرواية عبر زمنين رئيسين: ما قبل نكسة حزيران 1967 وما بعدها.
تبرز في الرواية شخصية مريم الخطيب، المعروفة بلقب "إبليسة"، وهو لقب شائع في فلسطين للدلالة على المكر والدهاء والذكاء. وتمتلك مريم هذه الصفات في صباها المبكر، إلى جانب جمال لافت أثار غيرة بعض صبايا القرية وعجائزها، مما عرضها للانتقادات ومحاولات التشهير، خاصة بعد شيوع حديث عن تحرش شخصية أبو السمن بها.
ويتعلق قلب الطفل السارد، الذي لم يتجاوز السابعة، بإبليسة التي تكبره بعشر سنوات، ويترك هذا التعلق أثرا عميقا في وعيه، يتحول لاحقا إلى إدراك لعشق فطري تشكل في طفولته. ويصف السارد هذا العشق بأنه شعور نقي، متزن، ممتلئ بالفرح والشوق دون غيرة أو هدف محدد، محاولا فهمه في إطار طفولته البريئة: "كله شوق وفرح دون وجع أو هيام؛ عشق جميل متزن، لا نزق فيه ولا غيرة، بلا هدف محدد احتواني فاستمتعت به، ولم أكن أعرف له اسما".
يراقب الطفل إبليسة متأملا ابتسامتها وتسريحة شعرها وكحل عينيها، ما يعكس حسه المبكر بالوعي والإدراك مقارنة بأقرانه. ويقدم هذا التعلق كدافع فطري بريء، بعيدا عن التفسير النفسي الذي يربطه بعض المنظرين، مثل سيغموند فرويد، بالغريزة المبكرة.
وتتعرض براءته الطفولية لصدمة عندما تضبطه أمه وهو يراقب إبليسة، فتوبخه وتؤنبه بلطف، إذ يعد سلوكه خروجا على ثقافة العيب في المجتمع القروي المحافظ ذي البنية الذكورية.
ويشير أبو لبن إلى أن السارد يدرك خبث الصغار عندما تعود به الذكريات إلى ملاعب الطفولة، حيث كان يقدم تفاحة لإبليسة مقابل حبة "كعكبان" أو "حامض حلو" تضعها في زنارها، وتحمل التفاحة دلالة رمزية مرتبطة بفكرة الغواية الأولى في الموروث الديني. ويتجلى هذا الإدراك لاحقا عندما تنظر إليه إبليسة بحزن، قائلة: "أنت الرجل الوحيد في هذه القرية، لكن يا خسارة... أنت صغير عليّ". لم يفهم الطفل مرامي كلامها آنذاك، واكتفى بتأمل قوامها وهي تبتعد، لكن المعنى يتضح عند بلوغه سن الرشد، مستحضرا بيت أبو فراس الحمداني: "وقورٌ وريعانُ الصبا يستفزّها / فتأرِنُ أحيانا كما أرنَ المهر".
تتدافع ذكريات الطفولة في تفاصيل الرواية، وهو يمضي سنوات دراسته حتى التوجيهي في مدرسة المدينة المجاورة للقرية. وتتكرر لقاءاته مع إبليسة في أحاديث وأسئلة تثير في نفسه مشاعر غامضة لصبي يشبّ على الطوق، فيما تبدو إشاراتها ملتبسة على فهمه. وتغدو إبليسة مصدر معرفة لطفل شغوف لم يدرك بعد سبل الحياة ومرارتها؛ فتحدثه عن فرحان السعدي والقسام، وكأنها تزرع في نفسه شعورا وطنيا يتكشف لاحقا مع ما تشهده القرية والمدينة من أحداث.
ومع مرور السنوات، يعي الصبي مظاهر الصراع حين يرى سيارات الجنود ومعسكراتهم في أرض القرية، ومقارعة الشباب الوطنيين للعسكر، ومظاهرات طلاب المدرسة التي تختلط بمظاهرات المدينة، وما يرافقها من اعتقالات وقمع ومحاكمات وصوت رصاص. وتتجلى لحظة الإدراك في حوار سريع مع أحد الجنود الذي تلقى تعليمات بأن هؤلاء الناس كفار. ثم تتسع دائرة الوعي مع ظهور جنود غرباء ودباباتهم، وطبول الحرب التي تنتهي بنكسة الخامس من حزيران وهزيمة العرب، وسقوط الأوهام التي روج لها أحمد سعيد عبر إذاعة "صوت العرب".
ويشير أبو لبن إلى أن الراوي العليم يرصد حياة القرية وتحولاتها وحركة شخوصها في تفاصيل الحياة اليومية: مأكلهم ومشربهم وملبسهم، وأغنامهم وأبقارهم، وحكاياتهم ومعتقداتهم وخصوماتهم، وما يعتري حياتهم من فقر وجوع وطقوس أعياد. ويبرز بناء مدرسة لبنات القرية بوصفه حدثا جديدا ومفاجئا، كان لإبليسة والمعلمة بهية دور بارز في إنجاحه وتربية جيل جديد.
وتبدو عين السارد كأنها كاميرا تتحرك في اتجاهات متعددة، لتنقسم الرواية إلى حدثين كبيرين: ما قبل الخامس من حزيران وما بعده. ففي الحدث الأول يرصد السرد تحولات القرية والمدينة، وحياة الناس وتطورها الاجتماعي، إلى جانب الفعل السياسي المرتبط بالمقاومة الشعبية في ظل حكم قمعي، وصولا إلى حرب حزيران.
أما الحدث الثاني فيبدأ مع انتقال السارد إلى عمّان للتسجيل في الجامعة، حيث يواجه شظف العيش ويضطر إلى العمل والسكن في فندق متواضع. وفي هذا الفندق يلتقي مصادفة بأبي السمن العائد من الكويت مع زوجته وطفليه. وتتكرر لقاءات تجمع الماضي بالحاضر: لقاء بهية في العبدلي وهي في طريق عودتها إلى الضفة الغربية، ولقاء الأستاذ عمر -معلم اللغة الإنجليزية في مدرسة المدينة- الذي ترك التدريس والتحق بالعمل النضالي، وكان يراسل إبليسة عبر الصبي الذي شكل حلقة وصل بينهما. كما يلتقي إبليسة نفسها في عمّان مع زوجها وطفلها، لتنتهي الرواية بعبارة ذات دلالة تأويلية: "يومها أحسست فقط بأن للناس نكسة ولي نكستين".
وخلص أبو لبن إلى أن رواية الدكتور أحمد عرفات الضاوي هي رواية واقعية تنشغل بالهمين الخاص والعام معا، وتقترب من السيرة الذاتية أو ما يسمى "السيرواية"، فهي تمزج بين التجربة الشخصية والمتخيل الروائي، لتقدم صورة مكتملة لشخصياتها ومواقفها وصراعاتها، وتنطلق من الخاص إلى العام، متصلة بلحظات مفصلية من تاريخ القضية الفلسطينية، ومبرزة الفارق بين زمنين: ما قبل النكسة وما بعدها.