الغد
الأصل في المفاوضات أن تأتي اليها الدول مضطرة؛ وبعضها بحثاً عن مكاسب، إذا ما سمحت موازين القوى، والتي قد تدفع بدول اخرى كي «ترضى من الغنيمة بسلامة العودة»، وبغض النظر عما تحققه المفاوضات لأي طرف من مكاسب، ففي النهاية لا تدوم الا الحلول المتوازنة، لذا وكي يتحقق ذلك فإنها لا بد وأن تكون قد بدأت على أسس استراتيجية واضحة، إذ إن «الخطأ في الاستراتيجية لا يعدله التكتيك»، فالإستراتيجية تحدد الهدف والاتجاه، والتكتيك هو إجراء فرعي لتحقيقه.
لم يخل المشوار الطويل للمفاوضات العربية مع اسرائيل من محطات نجاح، ما بين دول استعادت حقوقها، واخرى استعادتها بشروط، وغيرها من دخل المفاوضات وغادرها دون خسائر، أما ذروة الارتجال فتمثلت في من «التف» على الوفد الذي شكله بنفسه معتمداً على مصافحات الاسرائيليين؛ الذين طبقوا معه مختلف مهاراتهم الخداعية.
تعتبر تجربة اسرائيل في المفاوضات تجربة غنية بحكم تراكم الخبرة، ومن خلال استعراض السجل التاريخي لهذه التجربة فإنه يمكن تسجيل بعض الملاحظات، أهمها:
اولاً: الميل الى تجزئة الحلول ما بين رئيسي وثانوي. والإغراق بالتفاصيل املاً بانتزاع التنازلات بسلاسه من كل تفصيلة منها، عبر استغلال عامل الزمن والتدرج في الحصول على المكاسب الجزئية التي يسهل تمريرها امام الرأي العام.
ثانياً: ترحيل القضايا الاستراتيجية الى آجال مفتوحة. وابرز مثال ذلك ما عرف بقضايا الحل النهائي (المستوطنات، اللاجئين، القدس، الحدود والمياه) في سياق اوسلو، ومثلها ايضاً تركيز المفاوض الاسرائيلي على الهدنة المؤقتة والقضايا اليومية في غزة حالياً وتأجيل البحث بإنهاء الحرب.
ثالثاً: التركيز على شراء الوقت وإطالة أمد المفاوضات. ليس من قبيل النفس الطويل فحسب بل السعي لتكريس الامر الواقع وتمرير التغييرات الجارية على الارض.
رابعاً: التوظيف الفاعل للاعلام والعمليات النفسية. وذلك للتعامل مع الرأي العام، إذ يجري توظيف الشبكات الاجتماعية (بالوكالة) لهذه الغاية، مثال ذلك (ابراز «التقصير العربي» بغية تعميق شعور العزلة لدى المفاوض الفلسطيني، وكذلك إبراز التعاطف الأوروبي لغايات «التخدير» وادخال المعايير الغربية على المفاوضات وإلباس المفاوض الفلسطيني «ثوب فضفاض من المرونة» بحيث يستوعب اي تنازلات.
تتفاوت الخبرات التفاوضية بين دولة او جهة عربية واخرى، إلا ان هنالك سمات قد تكون مشتركة لأدائها التفاوضي عموماً، اهمها:
اولاً: ظاهرة القفز فوق طواقم المفاوضات، بحيث يشعر المفاوض غالباً وكأنه موظف تنفيذي، وقد استفادت اسرائيل من هذه الظاهرة منذ السبعينات للحصول على تنازلات نوعية من مرجعيات عليا تحت عناوين مختلفة مثل «بناء الثقة وازالة العقبات».
ثانياً: النفس القصير. وهو الاستعجال وحرق المراحل لتحقيق الانجازات السريعة، والذي ينتهي بالعادة بتنازلات غير مبررة.
ثالثاً: المبالغة في مجاملة الاعلام. والذي يمثل بلا شك عامل ضغط وتأثير على المفاوض، وقد يتسبب احياناً بإضاعة الفرص او الرضوخ لرغبات الشارع بكل ما تسببه من تشويش.
رابعاً: تذبذب الموقف السياسي. في الوقت الذي يثبت فيه الموقف الاسرائيلي منذ عام 67، فقد اصبح الموقف العربي دائم التبدل، وبما لم يعد يسمح بتبني اي موقف استراتيجي.
خامساً: الشعور الدائم بالمسؤولية عن انجاح المفاوضات. والتعامل كأن المفاوضات هدف بذاتها، الأمر الذي تستغله اسرائيل لابتزاز المفاوض العربي الذي يقدم بالعادة المزيد من التنازلات حرصاً على استمرار المفاوضات.
لكل مفاوضات مفاهيمها ومهاراتها، ففي حالة «غزة» هي سياسية وعسكرية وشروطها معلنة، وهي تجري بشفافية وبتغطيات اعلامية مناسبة؛ وهامش تأثير مهارات التفاوض فيها محدود، بينما الأمر يختلف في حالات اخرى كالتفاوض مع خاطفي الطائرات والتي تحسمها غالباً الخبرة والمهارة، وفي جميع الأحوال فإن الخروج من مأزق التفاوض تحت الضغط وفقدان الاوراق التفاوضية يتطلب تبني ا»لخيار الآمن» وهو شراء الوقت مع العمل على تعديل الخلل في موازين القوى وتعزيز الاوراق التفاوضية باستمرار.