عقدة باكستان.. السلام الهش*إسماعيل الشريف
الدستور
إن «حضارة كاملة ستموت الليلة» إذا لم توافق إيران على اتفاق – ترامب.
لم يعد خافياً على أحد أن الكيان الصهيوني، بقيادة مجرم الحرب نتن ياهو وبمساندة مستشاري الرئيس ترامب من الساسة الصهاينة الهواة، قد دفع الولايات المتحدة إلى أتون حربٍ ضد إيران انتهت إلى الإخفاق في تحقيق أهدافها. فبدلاً من إسقاط النظام الإيراني وتقويض نفوذه، ازدادت طهران تماسكاً ونجحت في امتصاص الضربات، بينما وجدت واشنطن نفسها أكثر تورطاً في صراع لم تُحسن تقدير مآلاته.
ومع انزلاقها إلى حرب استنزاف طويلة أضعفت هيبتها واستنزفت مكانتها في ظل غياب دعم داخلي، باتت الولايات المتحدة تقود الحرب وتتحمل أعباءها كاملة، قبل أن تضطر، تحت ضغط الفشل وتكاليفه، إلى التوجه نحو وقف إطلاق النار، في مسار لم يلقَ قبولاً لدى الكيان الصهيوني.
ولم يُشرك الكيان في قرار الهدنة ولم يُبلّغ به إلا في اللحظات الأخيرة، فجاء ردّه عبر غارات على بيروت لم تستهدف سوى إيقاع أكبر عدد من الضحايا المدنيين، قبل أن تضغط الولايات المتحدة لاحقاً لوقف استهداف العاصمة مع الإبقاء على استباحة جنوب لبنان.
ورأى الكيان في الهدنة كارثةً تفاقمت مع انطلاق مفاوضات أمريكية–إيرانية في باكستان، رغم العداء العلني بين إسلام آباد والكيان، والذي تجلّى في تصريحات وزير الدفاع الباكستاني خواجه آصف، التي اتسمت بحدة بالغة، قبل أن يرد المسؤولون الصهاينة باتهام باكستان برعاية الإرهاب.
ورغم ذلك، اختارت واشنطن باكستان وسيطاً، مستندةً إلى مكانتها كحليف مهم، وإلى تعرّض وسطاء سابقين مثل قطر وعُمان لضربات إيرانية، فضلاً عن إدراكها أن وجود وسيط إسلامي قد يسهم في نفي الطابع الديني للحرب ويزيد من فرص استجابة طهران للمفاوضات.
وفي هذا السياق، أرسلت الولايات المتحدة وفداً رفيعاً برئاسة نائب الرئيس جيه دي فانس، سعياً لتحقيق نصر سياسي سريع يرضي القاعدة الانتخابية لترامب، بعد أن انعكست تداعيات الحرب سلباً على الداخل الأمريكي بارتفاع أسعار الوقود، خاصة على المزارعين، وتفاقم التضخم عالمياً.
ورغم ذلك، يبقى المشهد شديد التعقيد؛ إذ يبدو اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت، الممتد لأسبوعين فقط، محاولة لكسب الوقت وإعادة ترتيب الصفوف أكثر من كونه خطوة نحو تسوية حقيقية، في ظل فجوة عميقة بين ما تريده واشنطن وما تصر عليه طهران.
وحتى لحظة كتابة هذه السطور، لا تزال المسيّرات الإيرانية تضرب دول الجوار، فيما يواصل الكيان اعتداءاته على لبنان ويتحدى الولايات المتحدة باستهدافه لبيروت، في مؤشر واضح على غياب إرادة حقيقية لوقف إطلاق النار لدى الطرفين، فالولايات المتحدة تحاصر موانىء ايران، وطهران تتحدى الولايات المتحدة بأنها ستستهدف بوارجها.
يضاف إلى كل هذا انعدام الثقة الإيرانية بالولايات المتحدة، إلى جانب تراجعها عن شمول وقف العمليات جميع الجبهات، يكشف هشاشة التفاهمات ويقوّض فرص تثبيتها.
في ضوء ذلك كله، يرى الكيان في هذه اللحظة فرصة قد لا تتكرر، ويسعى ترامب إلى انتزاع نصر داخلي سريع، بينما تتمسك إيران بسقف مطالب مرتفع؛ وبين هذه التناقضات الحادة، يبدو أن هذا السلام الهش لن يدوم طويلًا.