الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
كيتلين جونستون* - (نشرة كيتلين) 3/2/2026
يعترف جزءٌ من الإعلام السائد على الأقل بأن جيفري إبستين كان جاسوسًا يجمع معلومات أو أدلة سرّية لاستخدامها في الابتزاز أو التشويه أو الضغط السياسي. لكنه يخطئ في تحديد الدولة التي كان يعمل لحسابها.
على مدى أشهر، ظلت وثائق إبستين تؤكد أنه كان -بوضوح ومن دون أي لبس- عميلًا استخباراتيًا لإسرائيل، وهو ما عززته بقوة الجولة الأخيرة من الإفراجات عن الوثائق. ولذلك، تتدافع وسائل الإعلام الغربية الآن، بشكل طبيعي، إلى ترويج قصة تقول إن إبستين كان يعمل لصالح فلاديمير بوتين.
ثمة مقال جديد لصحيفة "ديلي ميل" جاء بعنوان: "إمبراطورية إبستين الجنسية كانت ’مصيدة عسل‘ لجهاز المخابرات الروسي (كيه. جي. بي): المموِّل المتحرش بالأطفال أجرى محادثات متعددة مع بوتين بعد إدانته -مع نقل فتيات روسيات جوًا لحصد ’مواد ابتزاز‘ عن شخصيات عالمية شهيرة".
من المعروف أن صحيفة "ديلي ميل" مملوكة وخاضعة لسيطرة الأرستقراطي البريطاني الملياردير جوناثان هارولد إزموند فير هارمسوورث، فيكونت روذرمير الرابع، الذي كان موضوع مقال حديث في صحيفة "الغارديان" بعنوان: "تنحَّ جانبًا يا مردوخ: هل سيكون اللورد روذرمير أقوى قطب إعلامي في بريطانيا؟".
وثمة عنوان آخر في صحيفة "ديلي تلغراف" يهتف: "روابط إبستين ببوتين وجواسيس الكرملين تثير مخاوف من أنه كان عميلًا روسيًا". وتعود ملكية صحيفة الـ"تلغراف" وسيطرتها إلى الملياردير البريطاني السير فريدريك باركلي.
ويسأل عنوان لصحيفة "ذا صن" المملوكة لروبرت مردوخ: "مع كشف ملفات ’مكتب التحقيقات الفيدرالي‘ (إف. بي. آي) عن جواز سفر مزيف، وعن تسجيلات سرية وروابط بجهاز المخابرات الروسية وببوتن -هل كان جيفري إبستين جاسوسًا روسيًا؟". يجدر هنا التذكير بأنه وفق ما يُعرف بـ"قانون بيترِيدج لعناوين الصحف"، فإن "أي عنوان ينتهي بعلامة استفهام يمكن الإجابة عنه بكلمة: لا".
وهناك عنوان ظهر في صحيفة "نيويورك بوست" التابعة لمردوخ، يقول: "رسائل إلكترونية تكشف عن نظرية جديدة حول الجهة التي كان جيفري إبستين يعمل لصالحها حقًا"، حيث كتب المؤلف أنطوني بلير أن "الرسائل الإلكترونية التي تُظهر مصادر غير مسمّاة تناقش اجتماعات بين إبستين والرئيس الروسي تثير تساؤلات عما إذا كان رجل ’وول ستريت‘ الساقط قد هرّب فتيات من روسيا ضمن جهد ترعاه الدولة لإدارة ’أكبر مصيدة عسل‘ في العالم للإيقاع بالأثرياء وذوي النفوذ".
ويقول المروّج الإمبريالي أندرو مار، على محطة "إل. بي. سي"، إن هناك الآن "شبهات متزايدة بوجود صلة روسية" بإبستين، ما يشير إلى أن ثروة المموِّل الغامضة لا بد أنها جاءت من موسكو لأنه "صوّر وسجّل لقادة غربيين نافذين وهم في أوضاع بالغة الإحراج".
وهذا، بطبيعة الحال، هراء محض. إن إبستين هو عميل معروف لدولة إسرائيل، وليس لروسيا. وهذه حقيقة راسخة، وكانت كذلك منذ وقت طويل.
كنا قد ناقشنا في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي كيف كانت منصة موقع "دروب سايت نيوز" تنشر تقارير عن روابط إبستين الاستخباراتية تحت عناوين من قبيل: "جاسوس إسرائيلي أقام لأسابيع متواصلة في كل مرة مع جيفري إبستين في مانهاتن"؛ و"جيفري إبستين ساعد في التوسط لإبرام اتفاق أمني إسرائيلي مع منغوليا"؛ و"جيفري إبستين والموساد: كيف ساعد المتاجر بالجنس إسرائيل في بناء قناة خلفية إلى روسيا في خضم الحرب الأهلية السورية"؛ و"جيفري إبستين ساعد إسرائيل على بيع دولة مراقبة إلى ساحل العاج".
وقد أشار رايان غريم من "دروب سايت" مؤخرًا على منصة "تويتر" إلى أن أحدث ملفات إبستين التي أفرجت عنها وزارة العدل الأميركية تجعل هذه الحقيقة حتى أكثر رسوخًا وحسمًا مما كانت عليه أصلًا.
وقال غريم: "إحدى الحجج الرئيسية التي يسوقها إعلاميون من التيار السائد في الأحاديث الخاصة لتبرير عجزهم عن متابعة تقارير ’دروب سايت‘ حول إبستين وروابطه بالاستخبارات الأميركية والإسرائيلية هي أن كثيرًا من الوثائق التي اعتمدنا عليها كانت مسرّبة ولم يتم تأكيدها رسميًا من الحكومة. ومع هذا التفريغ الأخير للمعلومات من وزارة العدل، أصبحت الكثير من الرسائل الإلكترونية مؤكدة مائة في المائة من حيث الموثوقية، بحيث يزول هذا العذر. دعونا نرَ ما إذا كانوا سيقومون بالتغطية الإعلامية لهذه المسألة الآن".
وهم، بطبيعة الحال، لا يستطيعون تغطيتها الآن، للسبب نفسه الذي يدفعهم اليوم إلى محاولة تصوير إبستين كعميل روسي. إن وسائل الإعلام الجماهيرية ليست موجودة لنقل الأخبار الموثّقة. إنها توجد لترويج المصالح المعلوماتية والإعلامية للإمبراطورية الغربية وللأوليغارشيين الذين يوجّهونها.
ومن المؤكد أنه ليس من مصلحة الأوليغارشيين ومديري الإمبراطورية أن يقرأ الناس ويطلعوا على ملفات إبستين مع وجهة نظر ترى أنه عميل إسرائيلي، ينفذ أعماله المسيئة القائمة على الابتزاز والتلاعب في أعلى مستويات المجتمع ببركات كارتل الاستخبارات الغربية. ولذلك، بطبيعة الحال، تراهم يهرعون الآن إلى جعل القصة تتعلق بروسيا.
*كيتلين جونستون Caitlin Johnstone: كاتبة وصحفية أسترالية مستقلة، معروفة بمقالاتها النقدية التي تتناول الإعلام الغربي، والسياسة الخارجية للولايات المتحدة، والدعاية الإمبريالية. تركز كتاباتها على كشف التلاعب الإعلامي الجماهيري، وفضح السياسات الاستعمارية الجديدة، وتنتقد النخب الحاكمة الغربية، سواء من الأحزاب الليبرالية أو المحافظة. وهي صوت بارز في نقد التغطية الإعلامية السائدة، خاصة في قضايا مثل الحرب في الشرق الأوسط، والصراع في أوكرانيا، وقمع الحريات الإعلامية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Turning the Epstein Story into Russiagate