عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    26-Jan-2026

حماقة الحتمية في غزة

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
عمرو حمزاوي؛ سارة يركس؛ وكاثرين سِلف* - (فورين أفيرز) 22/1/2026
تعود الولايات المتحدة مرة أخرى إلى صدارة الجهود الرامية إلى إرساء سلام دائم بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وقد أسفر اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلنه الرئيس دونالد ترامب في تشرين الأول (أكتوبر) 2025 عن هدنة هشة بين الطرفين في غزة، وأقرّ مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، في الشهر التالي، قرارًا صادق على الخطوط العريضة لخطة الرئيس الخاصة بالقطاع. وتنصّ الخطة على الحلّ الرسمي لحركة "حماس" بوصفها السلطة الحاكمة في غزة، وإنشاء "مجلس سلام" بقيادة الولايات المتحدة لتوجيه جهود إعادة الإعمار، ونشر "قوة استقرار دولية" للإشراف على الأمن وتدريب قوات الشرطة الفلسطينية.
 
 
وخلال الأشهر التي تلت ذلك، استمرت الاشتباكات في الاندلاع بين القوات الإسرائيلية ومقاتلي "حماس"، وهو ما يؤكد إلحاح الانتقال من شروط وقف إطلاق النار الآخذة في الانهيار إلى المراحل التالية المنصوص عليها في خريطة الطريق التي تحدثت عنها خطة السلام. وفي ظل انعدام الثقة بين "حماس" وإسرائيل، تبدو التحديات جسيمة. وتراقب الدول العربية هذه التطورات بقلق بالغ. كما أن انهيار المحاولات السابقة لإحلال السلام في المنطقة -خاصة تعثّر المسار الذي رسمته "اتفاقات أوسلو" في أواخر تسعينيات القرن الماضي- يُغذّي موجة جديدة من التشكيك والتشاؤم، مع سعي دفعة جديدة من القادة الأميركيين إلى حلّ صراعات الشرق الأوسط.
لكنّ واشنطن لا ينبغي أن تُصاب بالإحباط. ولا تحتاج الولايات المتحدة سوى إلى الرجوع إلى سجلّها هي نفسها للعثور على أمثلة على كيفية هندسة النجاح وتجنّب الفشل. على مدى نصف القرن الماضي، اضطلعت واشنطن بدور قيادي في الوساطة في نزاعات الشرق الأوسط -أحيانًا بنجاح، وأحيانًا بأقل من ذلك. في السابق، أفضت "اتفاقات كامب ديفيد" التي أُبرمت في العام 1979 إلى سلام بين مصر وإسرائيل ما يزال قائمًا حتى اليوم. كما صمد اتفاق الأردن-إسرائيل للعام 1994. لكنّ الجهود اللاحقة للتوصل إلى معاهدة بين سورية وإسرائيل تعثّرت. والأهم من ذلك أن المحاولات المتكررة لتحقيق سلام دائم بين إسرائيل والفلسطينيين لم تُفضِ حتى الآن إلى أي نتائج قابلة للديمومة.
أنتجت هذه الجهود، سواء أكانت هذه الجهود ناجحة أم فاشلة، عددًا من الدروس المفيدة حول كيفية إدارة المفاوضات بين الفاعلين الإقليميين. وعلى سبيبل المثال، تشكل المشاركة المستدامة والفاعلة لمسؤولين حكوميين رفيعي المستوى عنصرًا حاسمًا. كما ثبتت أهمية تحصين المشاركين من الضغوط السياسية الداخلية في بلدانهم. وينبغي للمفاوضين أن يُحسنوا توقيت الحوافز والعقوبات بعناية للحفاظ على زخم المحادثات. وتوفّر الضمانات الأمنية -بما في ذلك آليات المراقبة، وقوات حفظ السلام، والدعم الاستخباري- قدرًا ضروريًا من الطمأنينة. كما يمكن للدبلوماسية العامة أن تسهم في تحييد المعرقلين، وتعزيز القواعد الاجتماعية المؤيدة للسلام. وغالبًا ما تقدّم إدارة ترامب سياستها بوصفها قطيعة حادّة مع الماضي، لكنها ينبغي أن تتذكر، بينما تسعى إلى إرساء السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، أن التاريخ القريب قد يكون أفضل دليل للمضي قدمًا.
كيف يمكن إحداث اختراق
في سبعينيات القرن الماضي، فتح قرار الرئيس المصري أنور السادات رفض الاصطفاف مع الاتحاد السوفياتي والسعي إلى التقارب مع الولايات المتحدة نافذةً فريدة. وأحدثت زيارة السادات إلى القدس في العام 1977، على الرغم من المخاطر السياسية الهائلة التي انطوت عليها، صدمةً في الإقليم، حيث أشارت إلى أن أحد أكبر وأشد خصوم إسرائيل عداءً أصبح مستعدًا لإبرام صفقة. وعزّز هنري كيسنجر، الذي كان آنذاك مستشار الأمن القومي الأميركي، ذلك الزخم بما عُرف لاحقًا بـ"دبلوماسية المكوكية" -وهي سلسلة من التدخلات الشخصية التي أسهمت في ترسيخ أرضية مشتركة. ثم دفعت "قمة كامب ديفيد" المكثفة في العام 1978، التي عقدها الرئيس جيمي كارتر مع السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، بالمسار قدمًا عن طريق عزل القادة عن الضغوط السياسية الداخلية، وإتاحة المجال للوسطاء الأميركيين لترتيب تسلسل المفاوضات على نحو حوّل مواقف كانت تبدو غير قابلة للتوفيق إلى موضوعات قابلة للنقاش. ولم تُفضِ القمة إلى إطار للسلام بين مصر وإسرائيل فحسب، بل قدّمت أيضًا جدولًا زمنيًا انتقاليًا مدته خمس سنوات نحو قيام دولة فلسطينية تتمتع بالحكم الذاتي الكامل. وعلى الرغم من أن تلك الخطة لم تبلغ نهايتها المرجوّة، فإنها شكّلت اختراقًا مهمًا بعد سنوات من الجمود. وفي كامب ديفيد، تنقّل كارتر بين الأطراف الرئيسية التي نادرًا ما كانت تلتقي وجهًا لوجه، وهو ما حدّ من الاستعراضات السياسية وأتاح للولايات المتحدة ممارسة الضغط من دون الإضرار بصورة أيٍّ من الزعيمين.
بينت تلك التجربة أن قرار كارتر معالجة القضايا الثنائية المصرية-الإسرائيلية بصورة منفصلة عن المسألة الفلسطينية كان حاسمًا. فقد أتاح إطار كامب ديفيد للمفاوضين التركيز على مشكلات محدودة ومحددة (مثل انسحاب القوات الإسرائيلية من سيناء وتطبيع العلاقات بين مصر وإسرائيل)، مع إرجاء القضايا الأكثر تعقيدًا المتعلقة بالفلسطينيين. وأسهم هذا النهج "المعياري" في تقليص احتمالات أن يؤدي تعثّر قضية واحدة إلى انهيار العملية التفاوضية برمّتها.
عقب اتفاقات كامب ديفيد، قدّمت الولايات المتحدة لمصر مساعدات اقتصادية وعسكرية كبيرة حلّت محلّ الدعم السوفياتي، وساعدت أنور السادات على الصمود في وجه الانتقادات الداخلية. وفي المقابل، وعدت الولايات المتحدة إسرائيل بتعاون أمني وإمدادات عسكرية متطورة، مما خفّف من الكلفة المتصوَّرة لانسحابها من سيناء. وجمع الاتفاق بين الانسحاب من الأراضي وترتيبات أمنية متعدّدة الطبقات، شملت نزع السلاح من سيناء، ونشر قوات مراقبة متعددة الجنسيات، ووضع بروتوكولات واضحة للتحقق والرقابة.
الحذر من المعرقلين
في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، واجهت الولايات المتحدة علاقةً إسرائيلية-فلسطينية أكثر تعقيدًا بكثير. في ذلك الحين سعت "خطة بيكر" التي طرحها وزير الخارجية جيمس بيكر في العام 1989 إلى تحقيق تسوية عن طريق تحديد مراحل العملية وتوزيع أدوار مهمة على مصر والولايات المتحدة. لكنّ "مؤتمر مدريد" الذي عُقد في العام 1991، والذي نقل خطة بيكر إلى إطار متعدد الأطراف، أخفق في نهاية المطاف في تحقيق نتائج ملموسة، وأضعف بذلك مصداقية الولايات المتحدة.
ثم، في العام 1993، وفي محاولة لإحياء عملية السلام المتعثّرة، أطلقت النرويج مفاوضات سرّية عبر قنوات خلفية بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وعلى الرغم من أن هذا المسار المزدوج أتاح مناقشة القضايا الصعبة خلف الأبواب المغلقة ومهّد للنجاح المؤقت لـ"اتفاقات أوسلو"، فإنه قَوَّض القيادة الأميركية للمفاوضات وقيّد قدرة واشنطن على التأثير في مآلاتها.
نجحت "اتفاقات أوسلو" في انتزاع اعتراف متبادل رسمي بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، لكنها تعمّدت إبقاء صياغة الاتفاق غامضة. ولم تتضمن البنود أي إشارة إلى قيام دولة فلسطينية أو إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي. وترَك هذا النهج المرحلي، على الرغم من حسن النية الذي قد يكون خلفه، مساحات واسعة للمعرقلين.
إلى جانب ذلك، أسهم استمرار التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية مطلع التسعينيات في تقويض الاتفاقات وتآكل الثقة الفلسطينية. وفي العام 1990، هدّد بيكر بحجب ضمانات قروض بقيمة عشرة مليارات دولار إذا لم يتوقف البناء الاستيطاني الإسرائيلي. وبعد سنوات، حاولت الولايات المتحدة إغراء إسرائيل بعدم توسيع المستوطنات عن طريق تقديم حوافز مثل زيادة المساعدات العسكرية. ولكن، للأسف، لم تُفلح الإغراءات ولا العقوبات في كبح السلوك الإسرائيلي.
لكنّ الفشل الأكثر كارثية في مسار أوسلو تمثّل في عدم الإعداد الكافي للرأي العام الإسرائيلي والفلسطيني لتقبّل السلام، مما أتاح للمعرقلين على الجانبين تخريب العملية. وانتهى الأمر باغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين في العام 1995، ثم اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية في العام 2000.
ارتكبت الولايات المتحدة أخطاءً متعددة حكمت على أوسلو بالفشل. أولها أن التركيز على إجراءات بناء الثقة والخطوات الانتقالية بدلًا من التوصل إلى اتفاق شامل، أوجد -من حيث لا يقصد- شروط الإخفاق، لأن هذه المكاسب كانت تتطلب تنازلات محدودة، وهو ما قلّل الحوافز لتحقيق تقدم جدي. وثانيها أن تأجيل "قضايا الوضع النهائي"، التي كانت في الظاهر الهدف الرئيسي للمفاوضات، قاد إلى اتفاقات جوفاء لم تتناول جوهر الصراع وأهم عناصره.
في تلك الفترة، قدّمت الولايات المتحدة حوافز جدّية لكلا الطرفين. في أثناء مسار أوسلو، نظّمت واشنطن مؤتمرًا دوليًا للمانحين نجح في تأمين تعهّدات بنحو 3.6 مليار دولار، بهدف بناء قاعدة مؤيّدة للسلام لدى الإسرائيليين والفلسطينيين من خلال تدعيم الاقتصادين الإسرائيلي والفلسطيني، ودعم "السلطة الفلسطينية" التي كانت قد أُنشئت حديثًا. ولضمان التوصل إلى "مذكرة واي ريفر" في العام 1998 -التي هدفت، من بين أمور أخرى، إلى تنفيذ عمليات إعادة انتشار مرحلية سبق الاتفاق عليها للقوات الإسرائيلية من أجزاء من الضفة الغربية- ضمنت الولايات المتحدة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مساعدات عسكرية إضافية بقيمة 1.2 مليار دولار، ووعدت الفلسطينيين بتقديم مساعدات اقتصادية إذا ما نفّذ الطرفان شروط "واي" بقدر كافٍ. كما عرضت الولايات المتحدة على إسرائيل ضمانات أمنية غير رسمية، شملت الحفاظ على تفوقها العسكري النوعي على جميع جيرانها وخصومها، وتوسيع تبادل المعلومات الاستخبارية بين البلدين.
كان مما أثبتته تجربة أوسلو بوضوح أن الانخراط الأميركي المتواصل وعلى أعلى المستويات لا يكفي وحده لضمان النجاح. فقد تولّى "المعرقلون" -ومعظمهم من الرأي العام الداخلي لدى الطرفين- تخريب تنفيذ "اتفاقات أوسلو". ولم تنجح الولايات المتحدة في تهيئة المجتمعات للسلام أو في إقناع الجمهورين، الإسرائيلي والفلسطيني، بأن السلام سيحسّن حياتهم. وبالإضافة إلى ذلك، لم تضع الاتفاقات معايير قابلة للقياس لأي من الطرفين، ولم تفرض عواقب على التقاعس. وقد سهّل ذلك على القوى الساخطة تقويض العملية برمّتها.
فضائل الزخم
على الرغم من عيوبه، فتح اتفاق أوسلو نافذة فرصة لقوة إقليمية أخرى للسعي إلى السلام مع إسرائيل. فبعد أن شهد الأردن النجاحات الأولية للمفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين، أطلق مبادرة سلام جديدة مطلع تسعينيات القرن الماضي. وتضافر سعي الأردن إلى تحسين علاقاته مع الولايات المتحدة بعد حرب الخليج (التي وقفت فيها عمّان فعليًا إلى جانب العراق) مع رغبة إسرائيل في استقرار جبهتها الشرقية، ليحفّزا النقاشات بين البلدين. وفي حزيران (يونيو) 1993، زار الملك الحسين واشنطن وعرض احتياجات الأردن، بما في ذلك شطب الديون. وتعامل الرئيس بيل كلينتون بجدّية مع المطالب الأردنية، لكنه حذّر من أن الحصول على موافقة الكونغرس على المساعدات قد يكون أمرًا صعبًا.
تقدّمت العملية بسرعة. وجرى توقيع "أجندة مشتركة" بعد يوم واحد فقط من توقيع الفلسطينيين والإسرائيليين "إعلان المبادئ"، وهي وثيقة حدّدت مجالات التفاوض الأساسية والتزمت بمسار مرحلي يقود إلى معاهدة سلام نهائية. وحافظت الولايات المتحدة على انخراط كلٍّ من إسرائيل والأردن عبر تركيز المفاوضات الأولى على التنمية الاقتصادية والتعاون، ما أسهم تدريجيًا في بناء الثقة بين الطرفين. ومن خلال إبقاء المفاوضات الأولية في واشنطن والإصرار على أن يفضي كل اجتماع إلى تقدّم ملموس، وفّرت الولايات المتحدة حماية للطرفين من الضغوط الخارجية وتجنّبت فقدان الزخم.
وفي منتصف تموز (يوليو) 1993، ألقى الملك الحسين خطابًا عبّر فيه عن استعداده للقاء رابين، وهو ما ضخّ زخمًا جديدًا في المفاوضات. وأتاح ذلك للولايات المتحدة تنظيم لقاء ثلاثي حظي بتغطية إعلامية واسعة وضمّ رأسي الدولتين، وبذلك أُدخلت عملية السلام إلى المجال العام. وسارعت واشنطن إلى انتزاع اختراق حاسم؛ بدأت سريعًا مفاوضات حول قضايا شائكة تتعلق بالأرض والمياه. وبعد نحو ثلاثة أشهر فقط، جرى توقيع معاهدة سلام بين إسرائيل والأردن.
أوفت واشنطن بتعهدها بتخفيف أعباء ديون الأردن. كما ضمنت الولايات المتحدة للحكومة الأردنية قروضًا، وقدّمت مساعدات لتلبية احتياجات البلد الزراعية، وزوّدته بمعدات عسكرية. وكما في اتفاقات أوسلو، تمثّل العائق الأساسي في كيفية تلقّي الرأي العام الداخلي والجوار الإقليمي للاتفاق. غير أن الحوافز الملموسة، إلى جانب المفاوضات المرحلية، ساعدت على تقبُّل السكان المحليين شروط السلام وفوائده تدريجيًا.
على النقيض من ذلك، لم تفضِ المفاوضات بين إسرائيل وسورية إلى نتائج ناجحة. وقد بذلت إدارة كلينتون، طوال أواخر تسعينيات القرن الماضي، جهودًا متواصلة لرأب الصدع حول هضبة الجولان وترتيبات أمن الحدود بهدف تطبيع العلاقات بين الطرفين. لكنّ كلينتون أخفق في ممارسة قدر كافٍ من الضغط الموثوق على أيٍّ من الجانبين. وخلال مسار المفاوضات، أعطت إدارة كلينتون أولوية للمسارين الفلسطيني والأردني بطريقة أفضت إلى تجميد المسار السوري ثم إعادة تحريكه مرارًا. وبذلك تضرّرت مصداقية الولايات المتحدة حين لم تتابع الإدارة وعدًا أوليًا غير رسمي بانسحاب إسرائيل من هضبة الجولان. وبحلول الوقت الذي أُعيد فيه إطلاق المفاوضات السورية، لم تعد إسرائيل مستعدة للانسحاب من الجولان.
فشل المسار السوري في تحقيق تقدم جوهري نتيجة أخطاء ارتكبتها الولايات المتحدة، فضلًا عن تعقيد النزاع نفسه. على النقيض من خلاف سيناء، تتمتع هضبة الجولان بقيمة استراتيجية عالية بوصفها مرتفعات تشرف على شمال إسرائيل. وبالنسبة إلى سورية، ارتبطت استعادة الجولان ارتباطًا وثيقًا بالكرامة الوطنية والشرعية السياسية. ولم ينجح المفاوضون قط في تجاوز هذه العوائق المتشابكة.
التعلّم من الماضي
توفّر النجاحات والإخفاقات التي وسمت مفاوضات السلام في الشرق الأوسط بقيادة الولايات المتحدة دليلًا إرشاديًا مهمًا لإدارة ترامب اليوم. فقد اتسمت أنجح جهود الوساطة الأميركية -في حالتي مصر وإسرائيل؛ والأردن وإسرائيل- بانخراط مباشر ومتواصل من الرؤساء الأميركيين في اللحظات الحاسمة، إلى جانب دعم من كبار المسؤولين الأميركيين حافظ على مصداقية واشنطن بوصفها وسيطًا نزيهًا.
وعندما يتعلق الأمر بمستقبل غزة، يتعيّن على الرئيس ترامب أن يُقحم نفسه شخصيًا في المفاوضات عند المنعطفات الحاسمة، على غرار نموذج "كامب ديفيد" الذي اعتمده كارتر، القائم على فصل القادة المعنيين عن بعضهم بعضًا والاضطلاع بدور الوسيط الحقيقي. ويجب على ترامب أن يكسب ثقة الطرفين ويحافظ عليها، وأن يُلمّ بشكل عميق بأولوياتهما، وأن يكون مستعدًا لممارسة الضغط عند الضرورة بدلًا من الاكتفاء بتقديم الحوافز. وعلى الرغم من أن "مجلس السلام" الذي تقوده الولايات المتحدة يوفّر إطارًا مؤسسيًا، فإن رغبة ترامب في ترؤسه شخصيًا تنطوي على مخاطر قد ترتد سلبًا بالنظر إلى صورته المنحازة لإسرائيل. بدلًا من ذلك، ينبغي للولايات المتحدة أن تعيّن شركاء إقليميين يحظون بالاحترام أو شخصيات دولية وازنة في مواقع قيادية ظاهرة، مع الاحتفاظ بالتحكم الفعلي خلف الكواليس بما يضمن أن يحظى المجلس بثقة الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء.
كما يجب على المفاوضين السعي إلى تهيئة بيئة للمحادثات تكون معزولة عن الضغوط الداخلية. وفي الحالة المثالية ينبغي أن يتم ذلك على الأراضي الأميركية، مع قيام فرق أميركية بتقديم دعم متواصل في تصميم ترتيبات قابلة للتنفيذ لإدارة غزة وإعادة إعمارها. ويتعيّن على الولايات المتحدة الحفاظ على تركيزها طوال مرحلة التنفيذ، وتجنّب ارتكاب خطأ إدارة كلينتون المتمثل في تجميد المفاوضات ثم استئنافها مرة تلو الأخرى خلال محادثاتها مع سورية وإسرائيل.
تنجح المقاربات المرحلية عندما تتضمن جداول زمنية مُلزِمة، ومكاسب مبكرة ملموسة، ومسارات واضحة نحو تسوية نهائية، كما حدث في عملية السلام التدريجية -وإنما محددة المعالم- بين مصر وإسرائيل. لكنها تفشل عندما تؤجَّل القضايا الصعبة إلى أجل غير مسمى، أو عندما تفتقر إلى آليات للإنفاذ. وفي ما يخص غزة، يتعيّن على الولايات المتحدة أن تضع معايير محددة وقابلة للقياس، مع مواعيد نهائية واضحة لكل مرحلة. في 14 كانون الثاني (يناير)، أعلن المبعوث الخاص لترامب إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، انطلاق المرحلة الثانية من العملية، والتي يُفترض أن تؤذن ببدء إعادة إعمار غزة ونزع سلاح حركة "حماس". ويتوجب على واشنطن أن تكون مستعدة لفرض عواقب إذا أخفقت الأطراف في الالتزام بالمواعيد النهائية، مثل حجب الحوافز الاقتصادية، أو تقليص الدعم الدبلوماسي، أو استبعاد الأطراف من الامتيازات التجارية، تمامًا كما هدّد جيمس بيكر بحجب ضمانات القروض في العام 1990. وينبغي أن تفضي المراحل الأولى إلى فوائد ملموسة للسكان الإسرائيليين والفلسطينيين، مثل الإغاثة الإنسانية، وبدء إعادة الإعمار، وخفض مستوى العنف. وسيكون من شأن ذلك أن يبرهن على القيمة الملموسة للسلام في حياة الناس.
ومن المهم أيضًا أن تتجنب الولايات المتحدة خطأ أوسلو المتمثل في تأجيل قضايا الوضع النهائي إلى أجل غير مسمى. ومع أن التدرّج يتيح بناء الثقة قبل الخوض في القضايا الخلافية، فإن الفشل في تحديد الغايات النهائية يفرغ المفاوضات من محتواها. ويتعيّن على واشنطن أن ترسم أفقًا سياسيًا واضحًا يربط صراحة بين استقرار غزة ومفاوضات الوضع النهائي الأوسع بشأن الدولة الفلسطينية. (يجدر التنويه إلى أن إدارة ترامب لا تبدو مهتمة، حتى الآن، باتخاذ مثل هذه الخطوة). وقد يتمثل أحد المسارات المحتملة في العمل مع مصر والأردن وقطر والسعودية والإمارات العربية المتحدة لتقديم وعود بمزيد من التطبيع الإقليمي مع إسرائيل مقابل إحراز تقدم ملموس في مسار الدولة الفلسطينية؛ وفي المقابل، يمكن لإسرائيل أن تجعل تنازلاتها في هذا الملف مشروطة باستقرار غزة. وسيكون من شأن ذلك أن يخلق حوافز حقيقية لانخراط مستدام.
تنجح الوساطة الأميركية عندما تكون حزم الحوافز كبيرة بما يكفي لتغيير الحسابات السياسية الداخلية، ومُحكَمة التوقيت بما يكافئ التقدم الذي يتم إحرازه. وبالنسبة للفلسطينيين اليوم، قد تشمل الحوافز المهمة قصيرة الأمد إعادة إعمار شاملة لغزة بتمويل دولي يجري تنسيقه من خلال "مجلس السلام"، وبإجراءات تتعدى توفير الإغاثة الإنسانية الفورية إلى تأمين استثمارات في البنية التحتية تولّد فرص العمل وتقنع سكان غزة بجدوى اتفاق السلام. وعلى المدى الطويل، يترتب على الولايات المتحدة أن تربط بوضوح نجاح مسار غزة بمفاوضات الوضع النهائي التي توفّر مسارًا ذا مصداقية نحو قيام دولة فلسطينية.
وبالنسبة إلى إسرائيل، يمكن جعل الوعد باتفاق تحويلي ضمن "اتفاقيات أبراهام" مع السعودية -وهو هدف سعى إليه بنيامين نتنياهو طويلًا- مشروطًا بإحراز تقدم ذي معنى في غزة، مقترنًا بإصلاح "السلطة الفلسطينية" وتطوير إطار لمفاوضات تقود إلى إقامة دولة فلسطينية. كما يجب على الولايات المتحدة أن تضمن التفوق العسكري النوعي لإسرائيل، وأن تشاركها معلومات استخبارية متقدمة بشأن "حماس" والتهديدات الإقليمية الأخرى، وأن توفّر لها دعمًا دبلوماسيًا في المحافل الدولية. لكنّ هذه الحوافز يجب أن تكون مشروطة صراحةً بتنفيذ إسرائيل لالتزاماتها. وعلى سبيل المثال، ينبغي ربط أي زيادة في المساعدات العسكرية بتجميد بناء المستوطنات، والانسحاب إلى خطوط متفق عليها في غزة.
وبالنسبة إلى الشركاء الإقليميين، بمن فيهم مصر والأردن والسعودية، يجب على الولايات المتحدة أن تعرض اتفاقيات تجارية مُعزَّزة، ومساعدات تنموية، وتعاونًا دبلوماسيًا أوسع، بوصفها حوافز لدعم عملية السلام والمساهمة في إعادة إعمار غزة وتدريب قوات أمن فلسطينية جديدة. على أن تكون جميع هذه الحوافز مشروطة بالتزام تلك الدول بتنفيذ إسهاماتها الموعودة.
يتطلّب السلام الدائم وضع ترتيبات أمنية تحمي المصالح الحيوية لجميع الأطراف من خلال منح ضمانات متدرجة ومتراكبة، وآليات رقابة مستقلة، وانتقالات مرحلية تبني الثقة. في العام 1979، اقترن انسحاب إسرائيل من سيناء بنزع السلاح، ونشر قوات مراقبة متعددة الجنسيات، وبروتوكولات تحقُّق واضحة، بالإضافة إلى "القوة متعددة الجنسيات والمراقبون" المدعومة من الولايات المتحدة، والتي ما تزال تعمل حتى اليوم. وعلى النقيض من ذلك، جعلت القيمة الاستراتيجية الأعلى لهضبة الجولان هيكلة الضمانات الأمنية أكثر تعقيدًا، وأسهمت في فشل المحادثات بين سورية وإسرائيل في تسعينيات القرن الماضي.
يجب أن تتمتع "قوة الاستقرار الدولية" المتصوَّرة في خطة ترامب بتفويض واضح ومحدود، يتركز على مراقبة نزع سلاح حركة "حماس"، ومنع العنف، ودعم تدريب أجهزة الأمن الفلسطينية. وينبغي أن يُنظر إلى هذه القوة على أنها محايدة تمامًا وموضع ثقة من الطرفين، وهو ما يتطلب مشاركة وحدات عربية وأوروبية إلى جانب أي مشاركة أميركية محتملة. وعلى غرار النموذج المصري-الإسرائيلي، يتعيّن على الولايات المتحدة أن تضع بروتوكولات تحقُّق مستقلة وقوية للمحطات الأساسية -نزع سلاح "حماس"، وانسحاب إسرائيل، ووقف التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية- باستخدام المراقبة بالأقمار الصناعية، ونشر مفتشين ميدانيين، ورفع تقارير دورية إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
ينبغي أن تنتقل المسؤولية الأمنية في غزة تدريجيًا من القوات الدولية إلى السلطات الفلسطينية. ويجب أن تتضمن كل مرحلة انتقالية آليات لإنفاذ المعايير (مثل بنود القابلية للتراجع عن الإخلا). كما يتعيّن على الولايات المتحدة أن تعمل مع الشركاء الإقليميين -خاصة مصر والأردن- لتوفير التدريب والدعم لقوات الشرطة الفلسطينية. وأخيرًا، ينبغي أن تُيسِّر الولايات المتحدة تنسيقًا أمنيًا ثلاثيًا مستمرًا بين إسرائيل والسلطات الفلسطينية والشركاء الإقليميين، لضمان ترتيبات مستدامة على المدى الطويل.
إذا أرادت الولايات المتحدة لعملية السلام في غزة أن تنجح، فعليها أن تضمن أن يلمس الناس على الجانبين تحسينات فورية وملموسة تُظهر مزايا الاتفاق. وبالنسبة للفلسطينيين، يعني ذلك إغاثة إنسانية سريعة، وإعادة إعمار تولّد فرص عمل، وتقدمًا واضحًا نحو الحكم الذاتي. وبالنسبة للإسرائيليين، يعني ذلك أمنًا أكبر، ومكاسب اقتصادية مرافقة لانخراط إسرائيل بصورة أعمق في المنطقة من خلال تطبيع علاقاتها مع مزيد من جيرانها العرب.
ستكون كلفة الفشل هائلة. الكارثة في غزة ستظل كامنة ومشتعلة لسنوات طويلة مقبلة، مولّدة مزيدًا من الاضطراب -ليس للإسرائيليين والفلسطينيين وحدهم، بل للمنطقة وما وراءها. وسيكون من الحكمة أن تستحضر إدارة ترامب دروس التاريخ إذا ما أرادت تجنّب هذا المصير.
 
*عمرو حمزاوي Amr Hamzawy: زميل أول ومدير برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي. سارة يركس Sarah Yerkes: زميلة أولى في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي. كاثرين سِلف Kathryn Selfe: زميلة جيمس سي. غايثر المبتدئة في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Folly of Fatalism in Gaza