الراي
منذ زمنٍ طويل، والشرق الأوسط بقديمه وجديده يقف على رجلٍ واحدة، مسكونًا بالتعب، يراوح بين الارتجاف والسقوط. لكن الخطى تتسارع أكثر من القدرة على التأمل والتقاط الأنفاس، فلا يمكن الاكتفاء بما يحدث في شرق المتوسط فقط، بل لا بد من النظر إلى ما يجري في ليبيا والسودان وإثيوبيا والصومال المنقسم واقعًا، وأحداث اليمن، ما ظهر منها وما بطن.
فالمسألة الشرقية تتجاوز المفهوم التقليدي للشرق الأوسط، الذي تمركز على أقطاب مثل إسرائيل وإيران ومصر والخليج العربي، مع تاريخية دور العراق وبلاد الشام. لقد توسعت الصورة وتشعبت، وغدت أكثر تعقيدًا مما سبق، وهي فصول جديدة تُضاف إلى مشاكل الشرق الأوسط المزمنة. وليس ما حدث ويحدث بين أذربيجان وأرمينيا ببعيد عن إيقاع هذا الشرق الأوسط؛ فالجغرافيا تتجاور وتتفاعل، والمشاكل تتشابه ويشد بعضها أزر بعض.
لكن السؤال الذي يعنينا هنا: ما هي مآلات المسألة العربية، خاصة في شرق المتوسط، في ظل ما يحدث في الشرق الأوسط المتضخم؟ هل ستتراجع مركزيتها، وتصبح بؤر الاهتمام جنوبًا وغربًا، إذا أضفنا القرن الإفريقي الصاعد بقوة نحو سدة الاهتمام، بفضل تعقيداته ومشاكله المزمنة، وتشابك المصالح الإقليمية والدولية فيه؟.
لقد غدت إثيوبيا لاعبًا مؤثرًا في غرب البحر الأحمر ووادي النيل الاستراتيجيين، كما أن السودان لم يخرجه انفصال الجنوب من مشاكله، ولم تنتشله الانقلابات من فوضاه وحروبه الداخلية. أما الصومال، فإن أمريكا لن تنسى ما تجرعته من مرار وخسائر على أرضه وعلى شواطئه؛ فقد ظل عصيًّا عليها رغم حالته السياسية الفوضوية، وما إن اتجهت أوضاعه إلى حالة من الاستقرار والبناء حتى ظهرت معضلة انفصال أرض الصومال، بدعم إثيوبي إسرائيلي، وأمريكا ليست ببعيدة.
الحال في ليبيا مستقر نحو تكريس الانقسام، أو حتمية الحسم العسكري المؤجل، مع قوى إقليمية ودولية فاعلة ترسخ دورها وفعلها في ليبيا، بوضع لا ينبئ بقرب انفراجة في الأفق القريب. ولعل سقوط طائرة رئيس أركان الجيش الليبي في تركيا له مدلولات تتجاوز الحادث العرضي، وهو ما سيتضح أكثر بعد حين.
ولا شك أن أوضاع أفغانستان، ومواجهات الهند وباكستان المتاخمة لحدود إيران، والمطلة على بحر العرب، تجعل من محيط الشرق الأوسط وأطرافه الهلامية شديدة التأثير في منطقتنا من هذا الإقليم الشائك. فالنظرة البانورامية الموسعة تعمّق من هول الأحداث الجسام، وكأن هذا الشرق الأوسط الممتد يذكّر بوضع البلقان قبيل الحرب العالمية الأولى؛ فهي ليست مراكز صراع متصاعدة وحسب، بل بؤر كفيلة بتفجير الحالة العامة للشرق، وإدخال العالم برمته في أتون مواجهة كبرى لا يمكن توقع شكلها ومآلاتها.
ويبقى الهاجس: هل تراجعت مركزية وأهمية الصراع في منطقتنا، وجوهره الصراع العربي الإسرائيلي، لصالح صراعات محيطة أكثر إلحاحًا وأعظم فائدة للغرب؟ هنا أقول إن المسألة مختلفة؛ فصراعات الشرق تغذي بعضها بعضًا، ويشد أزرها بعضها بعضًا، وإن لعنة الجيوسياسية لهذا الشرق، بحدوده الصغيرة أو امتداداته الكبرى، لن تفارقه أبدًا.
فموقعه من العالم يجلب له مكاسب وأهمية لا تنقص مع مرور الزمن، بل يضعه دائمًا في عين العاصفة، بين أزمات متنقلة وأخرى مقيمة، مواجهات دامية وانفصالية، وأخرى جالبة للغزاة والمستعمرين الجدد. إنها لوحة فسيفساء الشرق الأوسط الدامية، التي تبدو كخنجر في خاصرة الأرض، تمتد إلى آفاق مسكونة بالضباب وعدم اليقين، ونحن جميعًا سنكون دائمًا في انتظار «غودو».