عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    24-Feb-2026

في رواية "هامنت" عن شكسبير نموذج جيّـد للرواية التاريخية

  الغد- وليد أبو بكر

 
لدى قراءة الرواية التي كتبتها الإنجليزية ماغي أوفاريل، لن يعرف القارئ في وقت مبكّرً أن "هامنت"، الطفل الذي يحمل اسمها، والذي مات بالطاعون، في الحادية عشرة من عمره، هو ابن شكسبير، أشهر كاتب مسرحيّ في التاريخ، وأن وفاته أوحت له بأهم تراجيدياته، التي حملت اسم "هاملت"، ليكون قريبا من الاسم الحقيقي، إذا لم يقرأ التنويهات الكثيرة جدا، التي تكيل المديح للرواية، أو ما كتبته المؤلفة عن مصادرها، أو أية إشارات مسجلة خارج متنها.
 
 
 
وربما لا يفطن إلى ذلك إلا عندما يصل إلى المشاهد الأخيرة، التي تتحدث عن عرض لمسرحية هاملت، عندما تقدم الأم التي فقدت طفلها، على ما لم تفعله من قبل، وهو مغادرة البلدة الي تعيش فيها، مصطحبة أخاها، ودون معرفة زوجها، بهدف أن تشاهد عرضا للمسرحية الشهيرة التي يقدمها زوجها في لندن، بعد أن امتلأت البلدة بشائعات حولها، أثارت غيظها إلى حدّ يقترب من الجنون، وهي تتذكر أن زوجها لم يصدر عنه ما يدلّ على استمرار حزنه على طفله الراحل، بعد أن دفنه بيديه وعاد إلى العمل، كما لم يرد على لسانه قط، أنه سيستخدم اسم ابنها الراحل، عنوانا لملهاة ترفيهية (ظنتها كوميديّة في بداية الأمر)، بعد أن ظلت تعتقد كلّ السنوات الماضية أنه دفن، إلى جانب ابنه، مشاعره تجاه ما فقد.
 
 
في العرض، يظهر أمامها طفل، مجسدا شخصية ابنها، في العمر الذي رحل فيه، ثم يظهر زوجها نفسه، على هيئة شبح، هو التصوّر المسرحيّ لما يمكن أن يكون عليه الطفل، لو أن الموت لم يسرع إليه. ومن خلال ذلك، كما يمكن الفهم، تدرك الزوجة، كما يدرك القارئ، أن الأب الثاكل، الذي يحسن الكتابة، ولا يحسن ذرف الدموع، يتجرّع الحزن ويكتمه، ثم يتمكن من التعبير عنه، من خلال الكلمات.
 
 
ومع أن الرواية تتابع حياة شكسبير في قفزات، بداية من مطلع شبابه، في بلدته الصغيرة التي يعكف على العمل حولها في جزء من وقته كمعلم خاص للغة اللاتينية لعدد من الأطفال، داخل بيوتهم، من أجل أن يسدد الديون التي تكاثرت على والده، وفي جزء آخر يساعد هذا الوالد في حياكة القفازات الجلدية، المهنة التي يزاولها داخل منزله، بينما يستغل الليل للتأمل، ومحاولة الكتابة؛ إلا أن الطريف فيها أنها لا تورد اسم شكسبير، بعكس جميع أفراد العائلة، وحين يشار إليه فهو الشاب الكسول الذي لا يتقن شيئا، رغم التعليم الذي حصل عليه، أو العنيد الذي لا يرضى عنه والده، ولا يتوقف عن تعنيفه وإهانته وضربه، أو الزوج الذي لا تقنعه حياته، في فترة التأمل وحالات التمرّد المفاجئة، أو الأب الغائب معظم الوقت، وكلّ ذلك دون أن يعرف أهل القرية، ولا تعرف الزوجة نفسها، إلا القليل عن مهنة الترفيه الغامضة التي يمارسها في لندن، وتكسبه من المال ما يمكنه من شراء أكبر بيت في البلدة، تلحق به مساحة من الأرض.
 
 
وحتى تكتمل الصورة غير المألوفة في مثل هذا المجتمع، تحدث قصة الحبّ بين الشاب والصبية لا تنتمي إلى ما تعوّدت عليه النساء، في ذلك الزمن الذي يقع بين نهاية القرن السادس عشر وبداية القرن الذي يليه: فهي متهمة بممارسة السحر من قبل الجميع، وهي عنيدة في سلوكها، وتفرض شروطها ـ بمساعدة أخيها ـ على ما يخصّها من أمور، وتحديدا على زوجة الأب المتسلطة التي تتحكم بالبيت بعد وفاة الزوجة الأولى.
 
 
 
والصبية تضيف إلى كلّ ذلك هواية غريبة لا تقترب منها النساء، فتربي صقرا، وتلهو بتطييره في السرّ، وهو ما يلمحه الشاب، فيقترب منها، ثم يقعان معا في الحب، وهما يعرفان أن عائلتيهما لن توافقا على ارتباطهما، ولذلك تجرؤ على أن تختار بوعي كامل، طريقة تفرض هذه الموافقة، وهي أن تسلم نفسها لحبيبها، حتى تحمل منه، وتضع الطرفين أمام أمر واقع.
 
 
والإشارة المتأخرة إلى التاريخ الذي تنتمي إليه أحداث الرواية، تؤجل التعرّف على كونها من النماذج الجيدة للرواية التاريخية، بما تحمله من تقنية دقيقة لمثل هذا النوع من الكتابة؛ فهي تلجأ إلى أحداث تاريخية صحيحة، تروى من خلال مصادر تسجّلها المؤلفة في نهاية كتابها، بعضها يتحدّث عن السيرة الشخصية لبطل الرواية، كما سجلت في عدد من المؤلفات، وبعضها الأخر عن النباتات التي تستخدم في العلاج الشعبي، كما وردت في كتب متخصصة عنها.
 
 
 
أما فعل الكتابة، فهو يضيف ما جمعته الكاتبة من معرفة عن طبيعة الحياة اليومية، الفردية منها والعائلية، في ذلك الزمن، والظروف التي احتضنت ما يجري من أحداث، وهي لا تبخل في استخدام الخيال لتعيد ترتيب كلّ ذلك داخل حكاية مترابطة، تهتمّ بإبراز المشاعر العميقة أمام أي موقف صعب يواجه صاحبها، أكثر مما تهتمّ بسرد يعتني بسير الأبطال، أو تميزهم، أيا كانت شهرتهم.
 
 
صحيح أن الرواية لا تنسى أن تتحدث عن الغابة وما يكتنفها من غموض، وعن الطقس وتغيّره، وعن حياة الفلاح الإنجليزيّ في ذلك الزمن، وانشغاله وسط مزرعته، بالحيوانات التي يربيها، كما تتحدث عن الحياة الأسرية في المدينة الصغيرة التي تنتقل الصبيّة إليها بعد الزواج، ثمّ عن علاقة زوجها الشاب القلق بالأب العنيف، وعن لجوء الزوجة إلى حيلة جديدة تمكنه من شدّ الرحال إلى لندن، تحيكها كي تبدو مبادرة من الأب العصبي نفسه، طمعا في توسيع المجال أمام ما ينتجه؛ لكن القليل من ذلك يكون عن حياة الزوج في غرفة ضيقة على السطح، في العاصمة، وسط جوّ من مواصلة الانتاج المسرحي، يشتته بعض الوقت غلاق المدن بسبب الطاعون، لأن اهتمام الرواية الأوسع لا ينصبّ على الأب، بقدر ما يكون على زوجته ونزعاتها العاطفية.
 
 
وصحيح أن هناك خروجا عن البيئة الصغيرة، كما في متابعة رحلة السفينة البريطانية التي ترسو في ميناء الإسكندرية، ليهرب إليها برغوث وحيد من قرد صغير مصاب بالداء، يتسع فعله على متن السفينة، وهي تتنقل من ميناء إلى آخر (مع أخطاء في الجغرافيا، منها ما يجعل دمشق وحلب تقعان على الشاطئ)، حتى يصل إلى لندن، عبر البريد المتنقل يدويا، الذي يحرّكه بواسطة رسالة نحو البلدة التي تعيش فيها تلك المرأة، ليصيب طفلتها التي تنقله إلى أخيها التوأم.
 
 
في الرواية قصة امرأة شابة، تتميز بقوة الشخصية وسلوكها العام، وبارتباطها الحميم بالأرض، إضافة إلى قدرة مكتسبة على ممارسة الطقوس التي تحظى بتصديق الناس في زمنها، مثل التنبؤ بما سيحدث لمن حولها في أيامهم القادمة، أو في معرفة ما في الأرحام، والخبرة العالية في استخدام الأعشاب المختلفة التي تجمعها وتزرع كثيرا منها وتعتني بها، ثم تجففها وتستخدمها لعلاج الأمراض، بما فيها مرض ابنتها بالطاعون، الذي كان يحمل اسم الحمّى. ثمّ تعيش وسط ذلك كله، قصة حبّ غير عادية لا في سرعتها فقط، وإنما في إصرارها على النجاح، وهي قصة لا تمثل التقاليد المرعية، لأنها تجمع فلاحة أمية غريبة الطباع والهوايات، تعيش في مكان معزول هو عبارة عن مزرعة على حافة الغابة، مع ابن مدينة شاب لا ينقصه التعليم، يراها بالصدفة، ويحبها بسرعة، ثم يلتصق بها، في علاقة لم تعرف البلدة ولا القرية لها مثيلا.
 
 
ولعلّ أول ما يمكن أن يلفت الانتباه في هذه الرواية، أن البطولة الأساسية فيها ليست لصاحب السيرة، الكاتب المسرحي الشهير، بقدر ما هي للمرأة غير المعروفة، التي تزوّجها، وصارت، دون أن تقصد، سببا في ما ناله من شهرة. ومع ذلك،لا تبدو حياة هذه المرأة أو غرابتها موضع الاهتمام الأول الذي تنشغل به الرواية، لأنها تهدف قبل كلّ شيء إلى أن تنقل صورة دقيقة لمشاعرها كامرأة تمثل نموذجا يحتذى، بتميزها في سمات كثيرة: منها الحرّية في الاختيار، وتكريس حياتها لأطفالها الثلاثة، لا لتربيتهم فقط، وإنما لمنحهم كثيرا من الحبّ الذي يفيض به قلبها.
 
 
الرواية في قسمها الأول، الذي يشغل ثلاثة أرباع صفحاتها، تنقسم إلى مرحلتين: الأولى هي مرحلة التعارف بين الشابة والفتى، وفيها ذكريات عن نشأة كل منهما وبيئته والناس من حوله، والثانية هي مرحلة الزواج والأمومة، بصيغة أوسع من الأبوّة التي مورست بشكل متقطع، وإن تبين أنها ستنفجر في النهاية بعد أن ظلت كامنة أو مكبوتة، حتى كشفها التعبير مسرحيا، بعد رحيل الابن بسنوات. وقد عمدت الكاتبة إلى خلق تداول بين المرحلتين، بحيث تحتل المرحلة الثانية فصلها الأول، الذي يبدأ بحيرة الصبي أمام مرض شقيقته التوأم، وفراغ البيت من كل ساكنيه، لانشغالهم خارجه، يليه فصل للمرحلة الأولى، التي تعنى بحياة البطلين قبل أن يتزوجا، ويستمرّ هذا التناوب حتى تلتقي الفصول في القسم الثاني من الرواية، الذي لا فصول فيه، ما يجعل هذا الشكل من الكتابة يحتاج إلى تركيز من القارئ، حتى يتمكن من ربط الأحداث ببعضها، ويصل إلى تسلسلها الزمني، ويحظى بمزيد من التشويق.
 
 
في موضوع الأمومة، يمكن اعتبار الرواية بكاملها مكرّسة له، سواء أكان ذلك عند الشعور بالفرح، أو عند وقوع المأساة. وربما بسبب هذه القدرة الفائقة على تصوير عاطفة الأمومة، حصلت الرواية على الجائزة البريطانية التي تحل اسم "المرأة في الأدب". وفي هذا الشأن، يحظى موضوع الأمومة باهتمام مطلق في حادثين يشكلان عصب الرواية: واحد يتعلق بحالتي ولادة، بينهما فوارق عديدة؛ ففي الولادة الأولى تنجب المرأة طفلتها البكر في طقس غريب، يعمق التعرّف على غرابتها، إذ تجمع عدّتها بمجرّد أن تشعر بآلام المخاض، وتتسلّل وحدها إلى الشجرة المقصودة بذاتها، دون أن  يشعر بذلك أحد ممن يعيشون معها في المنزل. وهذا الفعل الجامح الذي يقلق الجميع، لا تستطيع المرأة أن تكرره في الولادة الثانية، لأنها تحاصر من قبل حماتها في أيام الحمل الأخيرة، وترصد تصرفاتها، وتكلّف خادمة بمراقبتها كلّ الوقت، ثمّ تمنع من التسلل حين تقدم عليه، ولذلك تنجب توأميها داخل المنزل رغم أنفها، وتتعرّض لعذاب يفوق عذاب الولادة وحدها، رغم الاستعانة بقابلة محلية تتقن عملها، ومساندة نساء المنزل.
 
 
 
ويحدث أن القابلة ومن حضر من النساء لم تفطن أية منهن، بعد سحب الطفل الأول، أنه ترك في الرحم شقيقة توأما، ضعيفة الصحة منذ البداية، تحتاج إلى اهتمام متواصل من الأم، ورعاية لا تغفل. وهذه هي الحالة الثانية من فيض الأمومة، التي تلصقها بالطفلة، خصوصا في فترة مرضها، كما يلتصق الأخ التوأم، دون أي حذر أو معرفة، لما لهذا الداء من قدرة على نشر العدوى، وهو ما يوصل إلى لحظة المفاجأة الحادة التي تنتهي إليها هذه الحالة: إذ تنجو الطفلة من المرض، بعد أن تنقله إلى شقيقها التوأم، الذي لا يتلقى الاهتمام أو العلاج نفسه، ويتمكن من القضاء عليه، بطريقة تجعلها تحمل نفسها مسؤولية وفاته، لأنها أهملته، وهي تصب كل اهتمامها وعنايتها على شقيقته.
 
 
الرواية لا تملك كثيرا من المشاهد التي تستطيع لغة السينما أن تلتقطها، لأن عدد مواقع الأحداث قليل، يكاد خارجيا ينحصر في الغابة والنهر، خلال الأجواء المختلفة، والمزرعة المجاورة، والمدينة الصغيرة التي تنتقل إليها الصبيّة بعد الزواج، وحياة الأسرة فيها، وتأثيرها على الشاب القلق، الذي لا يرى أنه في مكانه الصحيح أو في عمل يتقنه، لذلك عمد الفيلم إلى اختصار كثير مما كتب في الرواية، ومنه قدرتها على تصوير مواقف الألم والحزن والفرح، واكتفى بالتركيز على بطليها، مع محاولة إبراز الغابة وما حولها؛ لكن أهمّ ما فيه، هو المشهد الأخير الذي يعرض جزءا من "هاملت"، تشاهده المرأة، وتتابع الكاميرا انفعالاتها، بعد أن تقرّبها مع أخيها (الذي لم يدخل المسرح معها في الرواية) إلى حافة الخشبة، وتتابع تبدل انفعالاها بلقطات مقرّبة، قد تكون سببا في الحصول على جائزة الأوسكار، التي رشح لها الفيلم.