الغد-عزيزة علي
تناولت ندوة نقدية رواية "غربان ديكسون"، للكاتب جهاد الرنتيسي، من زوايا متعددة، جمعت بين القراءة التاريخية والتفكيك السردي والبنية الميتاسردية؛ حيث قدم المشاركون قراءات مختلفة للعمل بوصفه نصا يعيد مساءلة التاريخ الاستعماري والاستشراقي، ويستحضر تجربة الفلسطينيين في الخليج ضمن سياق روائي قائم على الأرشيف والذاكرة والتخييل.
كما ناقشت الندوة التي نظمتها لجنة النقد الأدبي في رابطة الكتاب الأردنيين، أول من أمس، وشارك فيها كل من الدكتور زهير توفيق والدكتور حسين مناصرة والدكتورة أماني أبو العنين، وأدارها الشاعر رامي ياسين؛ قضايا الشكل الروائي، وتداخل السيرة بالتاريخ، وتحولات السرد بين الواقع والتمثيل الرمزي.
ورأى الدكتور زهير توفيق أن الرواية تصنف ضمن الرواية التاريخية، مشيرا إلى أن الوجود الفلسطيني في الكويت يشكل ثيمة أساسية في أعمال الرنتيسي، بما في ذلك هذا العمل الذي يتناول مرحلة مبكرة من القرن العشرين في الكويت، خلال فترة المعتمد البريطاني ديكسون (1929-1936) واستمرار نفوذه بعدها.
وأضاف توفيق أن الكاتب قدم التاريخ في هذه الرواية على حساب البعد الأدبي، إذ غلّب الوقائع والشخصيات الحقيقية على التخييل والمجاز، ما يجعل العمل أقرب إلى "تاريخ روائي" يتجاوز السرد الرسمي للأحداث، ويبرز المسكوت عنه والمنسي والمهمش.
قدم الرنتيسي العمل بتقنية مزدوجة تمثلت في التقطيع السينمائي للأحداث، والبورتريه النصي للشخصيات، مع هيمنة راوٍ عليم بمجريات السرد. كما عكس قلبا لمعادلة المستشرق والسياسي ديكسون، إذ إن الاستشراق الذي يمثله في النص كان يدعي تمثيل العرب والبدو والشرقيين بوصفهم عاجزين عن تمثيل أنفسهم، بينما يعيد جهاد الرنتيسي صياغة هذه العلاقة عبر تمثيلهم ومنحهم صوتا سرديا خاصا، مقدما حكايات البدو والعرب والفلسطينيين الأوائل في الكويت من منظور بديل.
ورأى توفيق أن بنية العمل تقوم على مستويين: الراوي الحاضر، والمواضع المستنطقة عبر الأرشيف والمذكرات والذكريات، حيث تنسج الحكايات حول القضية المركزية المتمثلة في مصائر الجالية الفلسطينية في الكويت منذ ثلاثينيات القرن الماضي، عبر ثيمات فرعية تتخيل احتمالات مختلفة لمصير الفلسطينيين لو تحرروا من الإكراهات الذاتية والموضوعية.
وخلص توفيق إلى أن الرواية تقترب في بنيتها من السيرة الذاتية المتماهية مع الواقع التاريخي، لاعتمادها على شخصيات وأحداث حقيقية، من دون أن تذهب بعيدا في توظيف المجاز والانزياح الفني بما يكفي لبناء رواية تاريخية مستقلة عن الوقائع، كما هو مأمول نقديا.
من جهتها، قالت الدكتورة أماني أبو العنين إن الرنتيسي يقدم روايته "غربان ديكسون"، بوصفها عملا يمكن وصفه بـ"الرواية ما بعد النقدية"؛ حيث يتحول فعل القراءة والتنقيب في الأرشيفات إلى محرك سردي أساسي، بينما تغدو الكتابة أداة لكشف خطابات متعددة تشمل خطاب آل ديكسون، والاستشراق البريطاني، والسلطة المحلية، وبعض الفصائل الفلسطينية، وصولا إلى تفكيك وهم "السراب"، الذي يلاحق الفلسطينيين في الخليج.
ورأت أن عنوان الرواية ينطوي على بعد ساخر عميق، إذ تستدعى صورة "الغربان" بوصفها طيور شؤم في ارتباطها بالمستشرق البريطاني، وكأن سوء الطالع الذي أصاب المنطقة هو امتداد رمزي له ولأمثاله.
وتظل هذه الصورة حاضرة في النص بوصفها ضميرا للمكان ونذيرا بالموت البطيء للسراب، ولا سيما في الخاتمة التي ترد فيها عبارة "زقاق النرويجية بلا غربان"، بما يفتح أفقا تأويليا حول مصير الاستشراق ذاته.
وتحدثت أبو العنين عن الشخصية المركزية في العمل، "سعد"، بوصفه ذاتا متشظية تجمع بين الباحث والضحية في آن واحد؛ فهو يحمل جواز سفر يمنيا، ويقيم لسنوات في الكويت، وتربطه علاقات بعدد من الشخصيات، مثل بدر ونورا وأبو إبراهيم.
وأشارت إلى أنه في نهاية الرواية يعترف قائلا: "ما كنت مفتونا بسراب تلك البلاد، اضطررت لقول العبارة أحيانا، والنبش في تفاصيل لهاث الفلسطينيين وراء أوهامهم"، وهو اعتراف يكشف وعيا مؤلما بأنه لم ينجُ من هذا السراب، بل خرج منه مثقلا ومتعبا، وأن الكتابة كانت محاولة للتحرر من أثره.
كما لفتت أبو العنين إلى أن الرواية تقوم على بنية دائرية تراكمية، حيث يبدأ كل مشهد بسعد جالسا أمام نافذته في "زقاق النرويجية"، (تسمية ساخرة تقابل بين برودة الاسم وحرارة المكان)، منشغلا بقراءة كتب ديكسون وتدوين ملاحظاته في "دفتره الأزرق"، قبل أن تقوده وثيقة أو فكرة إلى الاسترسال في التحليل والنقد.
وخلصت أبو العنين إلى أن الرواية تُقدم بوصفها نصا مضادا للخطاب الاستشراقي، لكنها تتجاوزه لتصبح رواية عن فشل الأحلام الكبرى؛ أحلام ديكسون في السيطرة، وأحلام الفلسطينيين في الخلاص، وأحلام اليسار في التغيير، وأحلام حركة فتح في التحرير، لتصطدم جميعها بصلابة الواقع أو تتبدد في سراب الصحراء.
من جانبه، قال الدكتور حسين المناصرة إن الرواية تتمحور حول شخصية "سعد، وهو كاتب وباحث وروائي فلسطيني عاش سابقا في الكويت، ثم استقر لاحقا في مخيم مار إلياس في بيروت، حيث يعمل على تأليف رواية داخلية بعنوان "غربان ديكسون"، ضمن دفاتره الخاصة.
وأشار المناصرة إلى أن السرد يتوزع بين راوٍ عليم يستخدم ضمير الغائب لنقل الأحداث، وبين صوت "سعد"، الذي يتناوب معه بضمير المتكلم، مقدما تفاصيل عن علاقته بذاته وبالمكان والزمان والشخصيات الهامشية. كما يبرز انشغاله بالبحث والكتابة، ولا سيما مفهوم "الرواية داخل الرواية"، بوصفها فعلا يقوم على التأمل والمراجعة والاطلاع على الوثائق.
وأضاف المناصرة "تتكون الرواية من مائة وعشر فقرات، تعالج كل منها، في سياق الميتاسرد، جانبا من الرواية التي يكتبها البطل "سعد"، في دفاتره الزرقاء، بينما ينقل السارد الإطاري تفاصيل حياته اليومية في الزقاق وداخل المنزل، في تداخل مستمر بين الواقع والنص".
وأشار المناصرة إلى أن جمالية الدراما التشكيلية تتجلى في العلاقة بين تفاصيل متعددة في الهامش المكاني؛ فالسلك الكهربائي المكشوف يرمز إلى التشظي داخل المخيم، والحمامة الغريبة عن المكان تشبه الغرباء فيه، بينما يعكس موتها صعقا مع الرجفة صورة الموت الذي يواجهه الغرباء في الحروب. وتبدو أرض الزقاق البائسة الداكنة كمسار أفعواني، في حين يرمز انقضاض القط الخاطف إلى الجوع والتشرد.
وفي مقابل هذه المشاهد، تحضر الكتابة بوصفها السلطة الوحيدة المتاحة لمقاومة الموت والثأر منه، إذ يصبح تناول القلم فعلا يوازي، من حيث الدلالة الزمنية، خفة موت الحمامة، لكنه في الوقت نفسه فعل يمنح الكلمة حياة وإحياء.
وتتكرر هذه الصورة التشكيلية المركبة بتنوع داخل نحو مائة وعشر فقرات، في إطار من الإبداع القائم على الإيهام والتخييل والتقنيات الجمالية، بما يجعلها أقرب إلى بناء فني منها إلى تسجيل واقعي مباشر، مع احتمال حضورها الواقعي أيضا، نظرا لأن واقع المخيم ذاته يكتسب طابعا تخييليا كثيفا يتداخل فيه اليومي بالرمزي.
وتؤكد الميتاسردية في الخطاب الروائي أن التعامل هنا لا ينصرف إلى الواقع بوصفه معطى مباشرا، بل إلى فن تخييلي وشعرية عالية تعيد أسطرة الواقع نفسيا وماديا، عبر تحويله إلى بنية جمالية ذات دلالات رمزية عميقة.
فيما قال الروائي جهاد الرنتيسي إن روايته "غربان ديكسون" تمثل محاولة للامساك بالعصب العاري لتاريخ المخدوعين، موضحا أن اشتغاله على خطاب الاستشراق جاء بهدف الكشف عن التورط الغربي في توجيه مسارات اللجوء والنزوح الفلسطيني منذ أواخر أربعينيات القرن الماضي.
وأضاف أن هذا الاشتغال استلزم بحثا واسعا في التاريخ الفلسطيني الملتبس في منطقة الخليج العربي، معتبرا أن استحضار "التاريخ الآخر"، يسهم في إعادة النظر في سرديات تاريخ المنطقة وإعادة قراءتها من زوايا مختلفة.
وأشار الرنتيسي إلى أن مشروعه الروائي يقوم منذ بدايته على نبش تاريخ المهمّشين، انطلاقا من قناعة بأن هذا التاريخ هو التاريخ الحقيقي للمنطقة، مؤكدا حرصه على مواصلة التجريب في الشكل والمضمون، ورفع سقف الطرح الروائي.
كما رأى أن المشهد الروائي العربي ما يزال بعيدا عن قضايا وهموم شعوب المنطقة، مرجعا ذلك إلى انخفاض سقف الحريات، وانشغال بعض الروائيين بمجاراة الإعلام والجوائز بحثا عن النجومية بدل تطوير التجربة الأدبية ورفع مستواها.
وخلص الروائي إلى أن التحولات في الرأي العام العالمي، خلال السنوات الأخيرة، تضع الروائي العربي أمام تحديات جديدة، وأن المثقف العربي مطالب بأن يرتقي ليواكب هذه التحولات الثقافية. وأضاف أن الواقع كشف هشاشة بعض المواقف، وأظهر خطأ الرهان على التلون السياسي، في إشارة نقدية إلى تناقضات المشهد العام.