عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    29-Apr-2026

عائد من محمية اليرموك*سائد كراجة

 الغد

نظر إلى شجرة الملّول - شجرة الأردن الوطنية - نظرةَ ابنٍ بارٍّ لأمّه، وأردف بصوتٍ واثقٍ عريق: علاقتنا مع هذه الشجرة قديمة، هي شجرة البلوط متساقطةِ الأوراق، وتختلف عن بلوطِ جرشَ وعجلونَ دائمِ الخضرة، وهي فعلًا شجرتنا الوطنية. أكلنا ثمارها، جلسنا في ظلالها، واستخدمنا قشرَ ثمارها في دباغة «العكّة»، وهي القِربة التي كنا نحضر بها السمنَ البلدي.
 
 
التفت يمينًا تحت الشجرة، وبيده حرّك نبتةً عشبيةً بزهرٍ أصفر وقال: هذه نبتة الحندقوق «الفيجن» التي استخدمها المواطنون لتعطي السمنَ البلدي طعمه ورائحته الزكية التي تعرفونها، وقد تبيّن أنّ بها موادَّ حافظةً طبيعية. تفاصيل تعكس تكاملًا يوميًّا بين الإنسان والمكان قبل أن تكون حكايةً أو ذاكرة.
أشار المرشد عماد العمري إلى قنواتٍ محفورةٍ في الصخر - الناقل الوطني آنذاك - معجزةٌ رومانيةٌ لنقل الماء بتأثير الجاذبية. الجغرافيا هنا ليست تضاريس، بل هي ملامح نضال بشر؛ أحقابٌ وحضاراتٌ مرّت من هنا وظلّت ملامح الأردني شاهدةً عليه. السردية الأردنية هنا لا تحتاج تنقيبًا في التاريخ وأحداثه، السردية هنا هي الأردني المستمر ماثلًا لديك، حكاية نضالٍ ووعيٍ وعراقة.مقابلَ سفحِ الجولان، ييمّم العمريّ وجهه شطرَ فلسطين، وعندما تحضر فلسطين، يتحوّل الأردني إلى حالةٍ من الحنين والحرقة وشيءٍ من الحسرة. «أمامكم بيسان، وهنا طبريا، وهنا يافا وحيفا. كان أهلنا يذهبون لتبادل البضائع في طبريا، وأمامنا كانت محطةٌ لخط الحجاز، حيث كنا أيضًا ننزل إليها لتبادل البضائع. وهذا القرب بين الناس انعكس مصاهرةً بين علاقات الشمال السوري الفلسطيني الأردني!»نهر اليرموك أقرب لوادٍ ضعيف، هنا سورية، وهنا الأردن، يا لصوريّة الحدود! الناس هنا يتنفسون ذات الهواء، وتسطع عليهم ذات الشمس، ويلتحفون بذات السماء. 
الناس هنا قصة أردنية من الكفاح والشموخ والتواضع والعراقة. في الشمال حالة أردنية عفوية دون تنظير، وحالة توأمة مع فلسطين وسورية ولبنان بالروح والعقل. في الشمال خيرٌ عميمٌ وتاريخٌ مجيدٌ للإنسان يُحفَر في الصخر، ومكانةٌ خاصةٌ للقدس.
نحن في الهلال الخصيب ما زلنا نكابد سايكس-بيكو، وإذا كانت قد أقامت هذه الخديعة واقعًا يصعب التراجع عنه، فإن علينا أن نعمل على إبطال أهدافها الاستعمارية. مشاريع الوحدة فشلت لأنها قامت على أصنامٍ وعواطف، وليس على مؤسسات. هذا الواقع العربي متكامل بطبيعته، لا تجمعه قصيدة شاعر ولا خطاب زعيم، بل مصلحة الناس ومستقبلهم: سوق عربية مشتركة واتحاد سياسي يؤمّن استقلالًا سياسيًّا وعسكريًّا.
الدولة الوطنية العربية التي نتجت عن المعاهدة أغفلت المواطنة، وركنت إلى الأمن بدل عقد اجتماعي يحتفي بالتنوع العرقي والإثني والمذهبي؛ فسيفساء حضارية وروحية عزّ نظيرها. أغلب الدول العربية اعتمدت الريع بدل الإنتاج، وغلب الاصطفاف مع الخارج بدل الاصطفاف مع الداخل العضوي القائم فعلًا على جغرافيا وتاريخ ومصالح، وربطت الوحدة بأصنام بشرية بدل مؤسسات شعبية.
اليوم لا نحتاج إعادة رسم الحدود، بل نحتاج لتحويلها إلى وحدات تكامل اقتصادي وسياسي وإنساني، يعكس الجغرافيا الحقيقية للمكان والإنسان!عائدٌ من المحمية، وأنا على يقين أنها أرض محمية، وأن الحركة الصهيونية مثلها مثل غيرها ممن مرّ هنا راحلة، وأن التماهي في فكرنا السياسي مع وحدة المصلحة والجغرافيا وشموخ الإنسان الأردني الأصيل هي محميتنا الحقيقية.من الضروري أن نخرج من حالة الجدل في العاصمة إلى عمق وشموخ هذا التلاقي في الهلال الخصيب، الذي يجعل الروح خصيبة ولو لبعض الوقت، جنابك.